"لا تقولوا سن اليأس وقولوا عمر الربيع"... فلسطينيات يختبرن انقطاع الطمث مبكراً

الاثنين 16 نوفمبر 202005:00 م

أربع فتيات في عمر الزهور أنجبتهن خلود (41 عاماً) قبل أن تعاني الانقطاع المتكرر للدورة الشهرية، وبعد أقل من عام عرفت أنها دخلت مرحلة "سن اليأس" المبكرة، قبل أن تصل الى الأربعين من عمرها، لتبدأ مرحلة "يأس" حقيقية من كل الحياة ليس للأسباب العضوية، ولكن بسبب نظرة المجتمع.

مرحلة الهوايات والموسيقى

تقول خلود، وهي ربة منزل من قطاع غزة، لرصيف22: "تزوجت في سن السابعة والعشرين، وكل ثلاث سنوات كنت أحمل وألد حتى أنجبت بناتي الأربع، وفي كل مرة كان زوجي وأهله يتمنون أن أنجب ولداً حتى قررت أن أحمل لآخر مرة نزولاً عند رغبتهم".

وتضيف: "انقطعت الدورة شهرين، فاعتقدت أنني حامل، لكن سرعان ما نزلت على شكل نزيف، وتكرر الأمر أكثر من مرة، فأخبرتني الطبيبة أن ذلك من أعراض انقطاع الطمث".

بدأ الخوف والقلق على زوجي وأهله، وطالبوني بالإسراع في الإنجاب، ولكن هذا لم يحدث، فقد انقطعت الدورة كلياً، ولم يصبر زوجي فتزوج بامرأة أخرى، معللاً ذلك بالقول لي: "أنت بطل منك أمل، وأنا داخل على الخمسين، فمتى بدي أخلف ولد؟!".

"صرت عصبية، وزوجي يطلبني دائماً للفراش، فأعتذر بسبب النزيف المتكرر، لم يصبر، ووصفني بالسمينة، والبليدة، وبأنه سيتزوج بأخرى، فقررت الانفصال"

وصول خلود لـ"سن اليأس المبكرة" حالة تمثّل  5% من النساء الفلسطينيات، يُصبن بها سنوياً، وآثارها تتعدى حدود أجسادهن إلى علاقتهن بالمجتمع، والنظرة السلبية إليهن، بحسب هويدا الدريميلي، الاختصاصية الاجتماعية.

"سن اليأس تبدأ بعد انقطاع الدورة الشهرية في سن الخمسين، ولكن أحياناً تصيب المرأة مبكراً عند الأربعين أو حتى قبل"، تقول الدريميلي، واصفة هذه المرحلة بـ"الانتقالية"، وتضيف: "يحدث عند المرأة تغيرات بيولوجية وفسيولوجية، إذ تنقطع الدورة، وتضعف بعض الهرمونات، خاصة المتعلقة بالخصوبة ".

وتشير إلى أن "سن اليأس" ليس مرتبطاً فقط بالمفهوم الاجتماعي، ولكن بالمفهوم النفسي أيضاً، بسبب خجل المرأة من الترهلات، التي تبدأ بالظهور في الثديين والجسم.

وتؤكد خلود على أن هذه المشاعر السلبية ترتبط بمدى تقبل المرأة لنفسها، وعدم استسلامها للمتغيرات، "إذ تتعاطى بعض المجتمعات الغربية مع سن اليأس بشكل مختلف، عدا أن المرأة تعتبر هذه السن بداية مرحلة جديدة، فتتفرغ فيها لنفسها بعد أن انتهت من دورها الإنجابي والوظيفي، وتروح تمارس هواياتها كالموسيقى، والرياضة، وتوطد علاقتها بالمجتمع".

"وصفني بالسمينة فطلبت الطلاق"

أم سمير (44 عاماً)، تعمل في مؤسسة نسوية بغزة، انفصلت عن زوجها قبل خمس سنوات، بعد عام تقريباً من دخولها "سن اليأس المبكرة". تقول: "الحياة كانت عادية مع زوجي وأولادي إلى أن بدأت أعاني من نزيف شبه يومي، وبعد أربعة أشهر انقطعت الدورة، ودخلت حالة اكتئاب، وبدأ مزاجي يتقلب". مضيفةً: "زوجي بطبعه عصبي، وأنا صرت مثله عصبية، وحياتنا تحولت لمشاكل يومية، خصوصاً عندما تكون الدورة متقطعة، وهو يطلبني في الفراش، وأعتذر، بسبب النزيف، فلم يتحمل ذلك".

وتلفت الى أن زوجها بدأ يهددها بالزواج بأخرى، ويصفها بـ"السمينة"، و"البليدة" حتى قررت الانفصال عنه، تقول: "اشتريت مخي لأنه بطل في العمر قد ما راح لكي أتحمل، وبالعكس تطوعت في مؤسسة نسوية، وبآخذ مكافأة وأنا مبسوطة هيك".

وتتحدث الدريملي عن مدى تقبل الأزواج للأمر، فتشير الى أنه عادة ما ينفرون، ومنهم من يلجأ للزواج بحجة الرغبة في المزيد من الأبناء أو رغبة في امرأة تتمتع بالأنوثة، خصوصاً أن الاعتقاد السائد أن "سن اليأس" تصيب المرأة بالبرود الجنسي. تقول: "الرجل في هذه السن لا يتقبل منظر زوجته بسبب ترهلات بعض المناطق، ولا تقلّب مزاجها وعصبتيها، وهي أمور طبيعية، ولكن هو بشكل عام يبحث عن أخطاء المرأة ليجد حجة للزواج بأخرى".

وتضيف: "بعض النساء يصبن بسرطان الثدي والرحم، وهذا له دور في الوصول الي سن اليأس، ولا يتحمله الرجل، لذلك نجد حالات طلاق، وكل هذا يعتبر من أشكال العنف ضد المرأة لأن لا ذنب لها في ما أصابها".

وتؤكد الدريملي على أهمية الدعم المجتمعي للمرأة، واحتواء من حولها لها، ومراعاة مشاعرها حتى في أبسط الكلام، مثلاً يجب أن لا يقال لها "انت كبرتي" أو "هذا اللون لا يليق بك" أو "هذا اللبس غير مناسب لك"، فكل هذه المصطلحات تحطم نفسيتها.

"إنه أمل وليس يأساً"

في المجتمع الفلسطيني عشرات من النساء المبدعات في هذه السن، يلجأن لعمل مشاريع يفرغن فيها طاقتهن ليثبتن لأزواجهن وللمجتمع أن دورهن لم ينته بعد، وتؤكد الدريملي أن هنالك سيدات بعد سن الخمسين لجأن الى التعليم، والتحقن بالجامعات، ثم عملن في وظائف مختلفة.

وتعتقد أن "كثيراً من العائلات التي تعتبر سن اليأس المبكرة هي نتيجة وراثة، فتلجأ لتزويج الفتيات في سن مبكرة كي ينجبن قبل الوصول إلى تلك المرحلة، لكن في الحقيقة الإنجاب المبكر قد يكون سبباً في الوصول لسن يأس مبكرة، وهو ما يجهله الناس".

وهذا ما حدث مع دعاء (53 عاماً) التي زوّجتها أسرتها في سن الثالثة عشرة لأن أمها وجدّتها اختبرتا "سن اليأس المبكرة"، تقول لرصيف22: "أبوي كان خايف تنقطع عني الدورة بدري لهيك ما خلاني أكمل تعليمي، وتزوجت وأنا بالإعدادي، وتركت المدرسة".

وتضيف دعاء، وهي عاملة نظافة في مؤسسة حكومية بغزة: "زوجي طلب نخلف كل ولادنا ورا بعض، وفعلاً أنجبت سبعة كسروا ظهري، والعجيب أن الصغيرة أنجبتها وعمري 38 عاماً، وما انقطعت عني الدورة لغاية ما صرت في الـ49".

دعاء سمّت آخر بناتها أمل، متمنية أن تكمل تعليمها كباقي إخوتها، وتقسم أنها لن تزوجها إلا بعد أن تنهي جامعتها لترى فيها ما عجزت عن أن تفعله هي في شبابها.

الربيع الثاني وسنّ الأمان

الدكتورة مريم شقورة، مديرة مركز صحة المرأة التابع لجمعية الهلال الأحمر في غزة، فضلت إطلاق مسميات بديلة عن "سن اليأس المبكرة"، مثل: "سن الربيع الثاني"، و"الانطلاقة"، و"الحيوية"، و"سن الأمان" لأن كلمة "يأس" لها واقع سلبي على نفسية المرأة. تقول: "انقطاع الدورة الشهرية هو سن متسلسلة بعد سن المراهقة وسن الإنجاب والدورة الشهرية، ليس هو الأساس في العلاقة الحميمية، صحيح أن الهرمونات تتغيّر، ولكنها حالة طبيعية تمر بها كل النساء على اختلاف أعمارهن".

وتضيف: "أسباب سن اليأس المبكرة ليس لها علاقة بالعمر فقط، فثمة أسباب وراثية أو مرضية كاستئصال الرحم أو وجود ألياف أو مشاكل في الهرمونات، وأحياناً بسبب العقم. علماً أن آثارها مرتبطة بزيادة الوزن المفرط، وهشاشة العظام، والسكري، والجلطات التي تزيد في هذه السن، تأثراً أيضاً بالحالة النفسية".

فضلت الدكتورة مريم إطلاق مسميات بديلة عن "سن اليأس المبكرة"، مثل: "سن الربيع الثاني"، و"الانطلاقة"، و"الحيوية"، و"سن الأمان"

وتشير شقورة الى أن بعض النساء يلجأن للعلاج الهرموني لتعويض النقص بعد انقطاع الدورة، لكن هذا غير مفضل، ولا تنصح به لأنه يعرّضهن للمزيد من المخاطر، منها أورام الثدي. تقول لرصيف22: "المطلوب هنا الاهتمام بالتغذية والرياضة والنوم بشكل كافٍ، والمتابعة عند الطبيب. إنها امرأة طبيعية، سوية، منتجة، مقبلة على الحياة".

وترى أن بعض النساء قد يعانين من انقطاع مؤقت للدورة قبل سن الأربعين، فيعتقدن أنه "سن يأس مبكرة"، لكن تعود الدورة مرة أخرى. للتأكد من أن المرأة دخلت "سن اليأس" هو أن يستمر الانقطاع سنة كاملة.

وتنصح شقورة النساء التي تنقطع الدورة لديهن سنة كاملة، ثم تأتي مرة أخرى، بضرورة التوجه إلى الطبيب، للتأكد من سلامة الرحم، أو من عدم وجود ألياف، أو أورام أو مشاكل لها علاقة بالدم.

"من تجربتي أنصح الأخريات"

الإعلامية تغريد العمور من غزة حدثتنا عن تجربتها مع "سن اليأس المبكرة"، قائلة: "في بادئ الأمر اعتقدت أنني حامل ثم تكررت فترات انقطاعها، وعرفت أني وصلت لما يسمى سن اليأس المبكرة، وأنا في سن الأربعين، وكان الأمر صدمة، لأن الانقطاع مبكر، ولخوفي من تأثر نفسيتي وجسدي بالأمر".

وتضيف العمور: "زوجي كان داعماً لي، وخفف عني الصدمة، خصوصاً أننا اتفقنا مسبقاً على الاكتفاء بطفلينا، وكان يبحث معي عن كل المعلومات الخاصة بآلية التعامل مع أعراض ما بعد الانقطاع، مثل زيادة الوزن، وما يسمى بالهبات الساخنة، وآلام العظام، وتقلبات المزاج الحادة، وقد مررت بمرحلة اكتئاب عصيبة".

وتشير العمور إلى أنها حاولت تقبل الأمر، وبرمجت عقلها وجسدها على فهم المرحلة ثم التعايش معها، واهتمت بصحتها إلى جانب اعتمادها على الكالسيوم وفيتامين D ورياضة المشي بشكل شبه يومي.

وتوجه العمور نصيحتها لكل النساء من وحي تجربتها، التي تطرحها أحياناً في عملها الإعلامي بغية توعيتهن بطبيعة المرحلة، وضرورة التأقلم معها. كذلك توجّه النصائح للرجال وتحثهم على احتواء زوجاتهم وتقديم كل الدعم لهن في هذه المرحلة الحساسة من عمرهنّ، ليصلوا بحياتهم الزوجية إلى بر الأمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard