ماذا لو إن "الحرب السورية" لم تكن؟

الأربعاء 22 ديسمبر 202111:00 ص

تندرج المادة في ملف "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

أيقظتني أمي ذات صبح لتقول: "سقطت بغداد". لم أع تماماً كيف لها أن تبعثرني بكل تلك القسوة حينها، ومن أين لها أن تقول عن حاضرة مثل العاصمة العباسية التي علمت العالم الكثير من العلوم إنها سقطت وبكل هذه البساطة؟ وما بين السرير الذي كنت أرقد فيه وشاشة التلفاز كانت المسافة شاسعة، مثل جرح في وجه القومية العربية الجميل، ثم أنها عادت لتوقظني صبيحة يوم بارد لتقول: "أعدموا صدام".

لا أملك تاريخياً تسجيلياً لما انتابني حينها من اسئلة، إلا أن هاتين الحادثيتن تشكلان منطقلين لكتابة التاريخ الحديث لمنطقة شرق المتوسط، وهو تاريخ دامٍ، حاله حال التاريخ العربي عموماً، سواء كان الدم العربي مفعولاً به، أو كان العرب فاعلاً في جملة تبدأ بفعل "احتل العرب"، فالحياد يقتضي أن نقول "احتلال" لا فتوحات، والحياد أيضاً يقتضي أن نقول إن العرب في مناطق انتشارهم كانوا مقسومين بين قسوة المحتل ومن ثم رخاء المؤسس، فالحضارات تقوم على أنقاض بعضها في شرقنا الملعون بالجغرافية.

والجغرافية هي الكلمة المفتاحية التي يقوم عليها التنظير في الحرب السورية، فمن يؤمن بالمؤامرة يقول إن الموقع (الجيوسياسي) لسورية، وثرواتها الطبيعية هي السبب في إعادة الاستعمار القديم لبعث نفسه والعودة إلى المنطقة للسيطرة على هذه الثروات وهذا الموقع، والموقع هنا تسقط منه ديموغرافيا سورية، التي تعد واحدة من أهم عوامل قوتها، فيما قبل الحرب وفقاً لمن يريد أن يجعل من التنوع القومي والديني في سورية سبباً في قوة الوجود على خارطة البشرية تاريخاً وجغرافيا، فهناك من يقول إن الفنينقيين الذين يعرفون باسم "شعب البحر"، حملوا الأبجدية وانطلقوا إلى العالم، وكانوا صنّاع حضارة وعلم وتجارة، وعليه، فإن ورثتهم الشرعيين للجغرافية والتاريخ وبعضاً من الجينات، يجب أن يكونوا صنّاع حضارة لا حروب، هذا بنتيجة المنطق لا الواقع، وما حدث خلال السنوات الإحدى عشر التي يعيشها السوريون تحت وطأة الحرب والكثير من تبعاتها، يبعث للسؤال: ماذا لو لم تقع الحرب، ما الذي كان يمكن أن يحدث؟

قبل الحرب كنت أردد جملة "سأمضي إلى أوروبا ولو سيراً على قدمي"، فالحياة المرفهة والجلوس خلف زجاج منزل دافئ في ليالي تساقط الثلج، والعمل المجزي الأجر، كانوا من أعظم أحلام الشباب السوري

قبل الحرب كنت أردد جملة "سأمضي إلى أوروبا ولو سيراً على قدمي"، فالحياة المرفّهة والجلوس خلف زجاج منزل دافئ في ليالي تساقط الثلج، والعمل المجزي الأجر، كانوا من أعظم أحلام الشباب السوري، وكانت جملتي تلك مثيرة للسخرية لدى أقراني، الذين كانوا أيضاً يحلمون بالسفر لتكوين ذاتهم من خلال ثروة يوفرونها من أجر شهري لعمل يحترم إنسانيتهم.

لكن هذه الحرب أثبتت أن ذلك الحلم المستحيل الذي كان مثاراً للسخرية، فتحت له الحرب باباً موارباً لتحقيقه. لتحقيق "حلم أوروبا"، بالصورة التي اعتبرها مجرد دعابة أو خيال أطلق له العنان خلال جلسة مع صديق أو أصدقاء لأعبر عن رغبتي بالعيش في مكان يتيح لي أن أكون إنساناً يتمتع بكامل قدرته على ممارسة إنسانيته، فوصلها سيراً عدد ضخم من الاشخاص مختلفي الميول السياسية، والمنتمين لمشارب دينية وثقافية متعددة، ولا يمكن إغفال الأثر الذي أحدثوه في المجتمعات التي وصلوا إليها، إيجاباً وسلباً، بعد اكتسابهم حق اللجوء في هذه الدول.

لكن وصول السوريين إلى دول العالم لم ينحصر باللجوء كفعل إنساني أو سياسي، بل إن بعضهم اشترك في الحرب الليبية، وآخرون كانوا عاملاً مؤثراً في الاشتباك المسلح بين أرمينيا وأذربيجان، وسرى حديث عن احتمال اشتراك السوريين في حرب بين باكستان والهند، في أزمة تجددت بين البلدين في العام حول السيادة على إقليم كشمير، وبات الحديث عن "المرتزقة السوريين" من المباح إعلامياً، ولو إن الحرب لم تقع لما كان السوري مصنفاً تحت خانة اللاجئين في دولة ما، ومرتزقاً في أخرى، وكأن الخبرة التي اكتسبها في ممارسة فعل القتل باتت مثار لإمكانية احترافه مهنة الحرب.

 سيكذب أي سوري حين يقول اليوم "كنا ما نفرق بين بعضنا"

في المسألة الطائفية كانت النكتة هي الانعكاس المباشر للفوارق المعاشة، وكان رفض الزواج العابر لحدود القبيلة أو الدين هو الوجه الوحيد للشقاق الطائفي الذي يعيشه السوريون حالياً، رغم أن هذا الشقاق قد يكون موجوداً في مدن صغيرة تنقسم بين مكونين أو أكثر، يتقاسمون ذات البيئة المجتمعية بكل تفاصيلها فيما عداً طقوس العبادة، وعلى الرغم من ذلك، فإن أي سوري سيكذب حين يقول اليوم: "كنا ما نفرق بين بعضنا"، لكن الواقع يقول أيضاً إن سورية لم تكن تعيش أي حالة صدام على أساس العرق أو الدين أو المذهب.

ويمكن القول إنها كانت تنقسم بين حالة العيش والتعايش المشترك، بما خلق لفترات طويلة جداً حالة من السلم الأهلي.

ويمكن القول إن الحكومة السورية لعبت دوراً كبيراً في إرساء قواعد مجتمعية من خلال تغليظ العصا لمن قد ينزلق في التحريض الطائفي، وهي عصا غلظت بعد ما يعرفه التاريخ السوري المعاصر بـ "أحداث الإخوان".

وقد تكون سياسات الحكومة – من وجهة نظر شخصية – ناتجة عن عدم وجود "مدنية"، بالمعنى الدقيق للكلمة في المجتمع السورية، ولم يكن هناك من يمكن الاعتماد عليه من كيانات "المجتمع المدني"، ليكون حاملاً لراية الفكر المدني أو إيجاد بنية تحتية له، ووقوع الحرب أفضى في مناطق متفرقة من سورية إلى خروج مارد الطائفية من قمقمه، فعلى ما يبدو أن إغلاق الحكومة عليه لم يكن كافياً.

وإعادة هذا المارد إلى القمقم اليوم تتطلب جهداً كبيراً، يبدأ من خلق حالة من الالتزام المجتمعي لوسائل الإعلام، والبحث عن خطاب متزن وخال من الكراهية، ومن ثم تدريب أشخاص على قيادة الرأي العام بشكل محترم، لا أن يكون الرأي العام نهباً لتقاذف الاتهامات والتحريض. وعليه، لو إن هذه الحرب لم تقع ربما كانت "المدنية" حلماً يمكن أن يجرؤ البعض على تحقيقه، من خلال مؤسسات فاعلة بشكل حقيقي، وليست مجرد نقابات أو منظمات مرتبطة بمؤسسات حكومية، ولعل ظهور مثل هذه المؤسسات خلال فترة الحرب في مناطق متفرقة في الأراضي السورية يكون خطوة نحو منهجة العمل المدني والتأسيس لوجوده في مرحلة ما بعد الحرب، إن وصلت سورية إلى هذه المرحلة، لكن لو لم تقع الحرب، هل كانت الحياة المجتمعية قائمة على أساس ما كانت عليه قبلاً: صمت عن الموضوع الطائفي وإهمالٌ للمحاولات الخجولة لخلق المدنية؟

فزع إحصائي...

يفرض عملي التجوال كثيراً في شوارع العاصمة ومحيطها، على طريق المطار مثلاً وخلال الركوب إلى جانب سائق سيارة أجرة "تكسي"، سمعت جملة "لو لم تقع الحرب"، أكثر من سبع مرات، خلال محاولته شرح وجهة نظره في الواقع البديل الذي يعيشه السوريون حالياً.

وقد يجمع الكثير من السوريين على أن الحرب عرقلت الكثير من المشروعات الإنمائية، على الرغم من إن مشروعاً مثل "مجمع يلبغا"، يتوسط العاصمة السورية منذ سبعينيات القرن الماضي، ببناء على الهيكل (ع العضم وفق التعبير الشعبي)، وغيره الكثير من المشاريع، ولعدم اعتماد "البيانات"، كـ "ثقافة"، من قبل وسائل الإعلام، وغياب "صحافة البيانات" عن منهجية العمل في سورية، حالها في ذلك حال "تغطية الحروب"، و"الصحافة الاستقصائية"، فإن البحث عن الأرقام الراصدة لحجم خسائر المجتمع والاقتصاد السوري تعتمد مصدرين، هما التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها، أو التصريحات الصحفية الصادرة عن وزراء الحكومة السورية، وكلا المصدرين قد لا يكونان دقيقين، لعدم إمكانية إجراء مسح ميداني متكامل من قبل كل الأطراف لأسباب تتعلق بالقدرة على الوصول إلى كامل الأراضي السورية المقسمة حالياً بين الجهات المسيطرة، إضافة إلى احتمال تسييس التقارير أو المعلومات، لكن قد تكون هذه الأرقام تقريبية أو دقيقة، ولا ضير من اعتمادها أو قراءتها على أقل تقدير لبناء تصور صحيح.

في التقرير الصادر خلال شهر تشرين الأول- أكتوبر من العام الحالي عن "منظمة السلام" ومجلة "فورن بوليسي" الأمريكية، احتلت سورية المركز الثالث في قائمة الدول "الأكثر هشاشة في العالم"، وتعتمد نسبة 82% من تعداد سكان سورية يعيشون تحت خط الفقر في تقرير البنك الدولي الصادر عن العام 2020 في هذا الخصوص، علماً أن خط الفقر يقف عند دخل يومي يقدر بـ 1.9 دولار يومياً، وهو رقم يعادل في حسابات السوق السوداء السورية ما قيمته 6500 ليرة سورية، ويقتضي الأمر أن يكون الدخل الشهري للفرد ما يعادل 196 ألف ليرة سورية، وهذا الرقم يعني أن إحصاء البنك الدولي غير دقيق، فمعدل الأجور للموظفين الحكوميين لا يزيد عن 120 ألف ليرة سورية، أي أن دخلهم اليومي لا يزيد عن 1.1 دولار، وهذا رقم يضع الفرد تحت خط الفقر المدقع الذي حدده البنك الدولي بـ 1.25 دولار كأجر يومي، وبمقارنة الأجور، فإن راتب الموظف الحكومي السوري كان بحدود 15 ألف ليرة سورية قبل الحرب، ما كان يعادل حينها 319 دولار شهرياً، أي بما يقارب 10 دولار يومياً، كانت تعادل حينها 500 ليرة سورية، وبالنظر إلى القدرة الشرائية لليرة السورية قبل وخلال الحرب، يكون الجزء الأكثر من السوريين فوق مستوى خط الفقر، إذا ما علمنا أن الموظفين الحكوميين يتقاضون أجوراً أقل من أقرانهم في القطاع الخاص أو المهن الحرة كما تسمى.

هذه الحرب التي غدت كابوساً طويلاً جداً لن تنتهي بإيقاظ أمي لي ذات صباح لتقول لي خبراً مفجعاً أكثر من هذا الذي يعيشه السوريون، وهو أنهم ما زالوا يؤمنون بأن "لو تفتح عمل الشيطان"، ويبدو أنها مستمرة إلى أمد طويل نتيجة لتمسك الكثيرين بـ "ضرورة الحرب"، بدلاً من "ضرورة السلام"... 

تقول إحصائيات حديثه لوزارة الصناعة السورية إن حجم خسائرها خلال سنوات الحرب تقدر بـ 150 مليار دولار أمريكي، فيما تقول وزارة النفط السورية إن حجم ما خسرته خلال سنوات الحرب يقدر بـ 92 مليار دولار، بينما يؤكد تصريح لوزير السياحة السورية أن حجم خسائر قطاعه من الحرب ما يقارب 2.3 ترليون دولار أمريكي، وفي أيلول من العام 2020، نشرت الأمم المتحدة تقرير بعنوان "سوريا: بعد ثماني سنوات من الحرب" أعدّ بشكل مشترك بين لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومركز الدراسات السورية في جامعة سانت آندروز، تؤكد فيه سبعة من أهم قطاعات الاقتصاد السورية هي "الإسكان والتعدين والنقل والأمن والتصنيع والكهرباء والصحة"، تحمّلت خلال السنوات الثماني الأولى من عمر الحرب 82% من إجمالي الأضرار الذي بلغ 117.7 مليار دولار أمريكي، وخسارة في الناتج المحلي تقرد بـ 324.5 مليار دولار، ما يضع تكلفة الاقتصاد الكلي للصراع عند 442 مليار دولار حسب التقرير الأممي.

الأرقام المتعلقة بـ التنمية البشرية هي الأكثر رعباً، إذ يقول تقرير "إسكوا"، إن 5.6 مليون سوري مسجلين كلاجئين في دول متعددة، و6.4 مليون كنازحين داخلياً، و6.5 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، و11.7 مليون لا يزالون بحاجة إلى شكل واحد على الأقل من أشكال المساعدة الإنسانية، ويتحدث التقرير عن وجود ثلاثة ملايين طفل داخل البلاد، فوّتوا المدرسة خلال العام الدراسي 2017-2018، ويخلص التقرير إلى أن الأضرار اللاحقة بالتنمية البشرية كارثية ولا يمكن معالجتها، ما سبب معاناة على نحو خاص لجيل السوريين الذين بلغوا سنّ الرشد في وقت النزاع".

ولمنظمة الرؤية العالمية "ورلد فيجين"، في دراسة أصدرتها في آذار من العام الحالي، بأن إجمالي ما خسره الاقتصاد السوري يقدر بـ 1.2 بليون دولار، وأن هذا الخسائر ستصل بشكل تراكمي إلى 1.7 بليون دولار في العام 2035، وهذه الأرقام تشير إلى حجم الدمار الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية فقط.

أبقى شارداً بسؤالي "ماذا لو لم تقع الحرب" في سوريا؟ وأتخيل له إجابات متعددة... قد يكون لدى أي منا إجابات مختلفة لكننا متفقون على أنها أفضل من الحرب

لو قد تلغي الرياضيات...

تخيل تاريخاً بديلاً أو محاولة البحث عن إجابة لسؤال يقول: ماذا لو لم تقع الحرب؟"، ستأتي من شطب كل هذه الأرقام المفزعة من التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة أو الحكومة السورية أو المنظمات والجامعات المهتمة بدراسة الحرب السورية كإنموذج عن كل ما هو سيء في الكوكب.

ربما تكون واحدة من أبشع الحروب عبر التاريخ المعاصر، لطولها ووحشيتها وانتهاكها للإنسان بوصفه الفعلي ضمن المعارك التي شهدتها الأراضي السورية بأشكال مختلفة تقوم على تطهير ديني أو عرقي أو سياسي، ربما أيضاً كانت ستختفي لغة الكراهية من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمها السوريون.

ولعلنا أحدنا يتخيل بعد قراءة هذه الأرقام سؤالاً أكثر صعوبة، لو لم تقع الحرب أين سيكون الاقتصاد السوري، وماهي معدلات التنمية التي يمكن أن يسجلها سنوياً وبشكل تصاعدي خلال ما يقارب من أحد عشر عاماً من العبثية، وأين سيكون السوري الذي كان يحتفي بمهرجانات مسرحية وسينمائية وثقافية على مدار العام، وما الذي يمكن أن تفرزه عملية التطوير التي كان من المفترض إنها بدأت وفقاً لتعريفات الحكومة؟

لكن هذه الحرب التي غدت كابوساً طويلاً جداً لن تنتهي بإيقاظ أمي لي ذات صباح لتقول لي خبراً مفجعاً أكثر من هذا الذي يعيشه السوريون، وهو أنهم ما زالوا يؤمنون بأن "لو تفتح عمل الشيطان"، ويبدو أنها مستمرة إلى أمد طويل، نتيجة لتمسك الكثيرين بـ "ضرورة الحرب"، بدلاً من "ضرورة السلام"، وأقول لنفسي إن أمي لن توقظني، وعلي أن أتعايش مع هذا الكابوس وأن أبقى شارداً بسؤالي: "ماذا لو لم تقع الحرب؟"، وأتخيل له إجابات متعددة الوجوه، قد يكون لدى أي منا إجابات مختلفة لكننا متفقون على أنها أفضل من الحرب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard