الربيع العربي الذي أزهر ورداً أحمر وحريات

الاثنين 20 ديسمبر 202102:23 م

تندرج المادة في ملف "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

أخطّ لكم أيها القراء الندماء، والأصدقاء العظماء، صفحة من زمن قديم، في عالم سقيم عشت فيه في منطقة حارة لا إشراق فيها ولا نضارة، ولا فرح ولا حبور وقد يأتي إليها الإنسان ويعيش دهراً ويذهب بلا لحظة سرور، تسمى "عالم العرب"، ويكثر فيها الجهل والطرب والفقر والعطب، وكانت منطقة تمور بالأحداث الجسام والظلم السخام، وكان الإنسان ينام مقهوراً مدحوراً، ويستيقظ مكسوراً مقروراً، ثم يمسي مغلوباً على أمره؛ يحاصره قهره، ويكسره صبره، وهو يمضي بين جهل ضرير وفقر مرير.

وفي عام الله 2011 -يا رعاكم الله- قامت ثورات شعبية جبّارة من شعوب بالخير أمارة، وكانوا يسمونها -يا حفظكم الله- "الشرق الأوسط"، وهو اسم لعمري مسيس، بالخضوع مؤسس، وبالظلم مدنس. أطلقه لجهته بهم الغربُ، وارتضاه لقلة الحيلة العربُ.

وفي ذلك العام المذكور، الذي حفل بالموت والشرور، خرجت الشعوب العربية إلى الميادين عن بكرة أبيها، ورفعت بالمطالب أياديها، ووقفت وقفة شموخ، منددة بالذل والرضوخ، ومطالبة بإسقاط حكامها، وتغيير نظامها، وظلت تلك الشعوب الثائرة في الميادين، أياماً وشهوراً وبعض سنين لا ترجع عن مطالبها ولا تلين. تقضي الليل والنهار، وتفتعل الصراخ والشجار، وتطلب العدالة والحرية للأحرار.

وعرف الجميع أن لا مجال للصلح، وإحكام الزمام، فسقطوا كالجراد الحكامُ الظلام، وعمت العدالة وتحققت الأحلام. وانتصرت الشعوب من المحيط للخليج، وعمّ الفرح وتناثر الأريج، لتذهب بعالمها نحو التغيير والحرية، وتصبح الأنظمة في حالة من القانون والديموقراطية، وحُققت شعارات الشارع الكبير "عدالة/مساواة/وحرية".

وعرف الجميع أن لا مجال للصلح، وإحكام الزمام، فسقطوا كالجراد الحكامُ الظلام، وعمت العدالة وتحققت الأحلام. وانتصرت الشعوب من المحيط للخليج، وعمّ الفرح وتناثر الأريج

وفرحت تلك الشعوب التي ازدراها الغرب، وكثر في ربوع أرضها الوجع والكرب، وحاك العالم مؤمراته لأكل خيراتها ونهب ثرواتها، واحتكرها في خانة الجهل، وسلّط عليها سلطات تقمعها وتسلبها الفرح والأمل. لكنها كانت تنمو في الظل، لتنفجر في ضوء العالم بقوة وجرأة وعمل.

تلك الشعوب التي لزمن طويل أرهقها الفقر والجهل، فصنعت من الوعي الحدث الجلل، وخرجت من صمتها وقهرها بقوة الإيمان والعدل، وآمنت بالحلم وتلبسته بلا كلل، وحققته في ثوراتها العظيمة التي بدأت في تونس وأشعلت الشارع العربي في كل مكان بعد ذلك -مهما طال الزمن- بلا ملل.

لقد انتصرت الشعوب بقوة وبسالة، وجعلت العودة للذل محالة، لتسطّر تاريخ النصر لثورات القهر، ثورات الجياع والسجون والكدر، كتاريخ جديد تحققه، كأنها ترمي بشرر.

وهكذا -يا أسعدكم الله- تغير العالم العربي تغيراً كبيراً، وعم الخير وفيراً، وقيل إنه منذ عام 2011 صار المكان عظيماً، والإنسان كريماً، وأصبحت الثورة شرفاً مقيماً من تونس إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن العظيم، وخليج الذهب الأسود الذي يحتكره البعض فيما يعيش الأغلبية بلا سؤدد جوعاً وإرهاقاً، لا سقف ولا مرقد، وأخذ الشارع العربي يتغير رويداً رويداً، ويتحرك نحو الديمقراطية والحرية والعدالة ولمجده القديم مجدِداً مُعيداً.

ليمحو كل ما كان من ظلم وظلام، وجهل ورغام، وفقر وسخام، ومحسوبيات ورشوات، وفوقيات ومكابدات، وتلاعب بالقانون يحركه الظالمون الذين بالمال يمتلئون، وبالبلد يتحكّمون ومن كل شيء يغنمون.

وهكذا قلبت الثورات الطاولات التي كانت تحاك تحتها المؤامرات، وألغت السلالم التي كان يرقص فوقها بعض الأوباش من الأوادم؛ للوصول لما يريد من ظلم قادم.

ومنذ لحظة النصر، عم الفرح، وذهب الترح، وتحققت الغايات، وتلاشى عبث السلطات، وانتصر الشعب في الميزان، وتغير وجه الزمان، وجوهر الإنسان الذى تجلى نقيا أصيلا لا كذب ولادجل ولاجهل ولا شعوذة بل بر وإحسان، وعم العدل فلا ناس يحركهم دين الكبار الذي يستخدم لظلم الصغار، وأصبح الدين لله فقط، وهو أدرى بالناس وحاجاتهم بلا وساطة ولا معيار، وهو القادر على محاسبتهم بلا شك ولاغبار، في حين ساد القانون في الزمان والمكان، وتساوى أمامه الغني والفقير برحمة المنّان، والضعيف والقوي وكأنه خط بالبنان.

وأصبحت العدالة مجراه الأوحد، ووجهه الأمجد، وغايته القصوى، ودرجته الأعلى.

وهكذا -يا أسعدكم الله- تغير العالم العربي تغيراً كبيراً، وعم الخير وفيراً، وقيل أنه منذ عام 2011 صار المكان عظيماً، والإنسان كريماً، وأصبحت الثورة شرفاً مقيماً 

وعمت البلاد العربية انتخابات نزيهة نقيّة، وتم اختيار الأفضل لسياسة أحوال البلاد، وتسيير أمور العباد.

وهناك تجلى وعي الشعوب الذي راهن عليه أصحاب الوعي والمثقفون، وظن بعض الجهلة عكس ذلك فانقلبت عليهم الظنون. ففاضت البرلمانات بأهل العلم والمعرفة، في حين انحسر المؤدلجون نحو زواياهم المعتمة، وأصبحت المعرفة شرفاً، والعلم سيداً، ومن الحياة موقفاً.

ففتحت مراكز الأبحاث، وازدهرت الجامعات بالعقول الحية كالنثاث، وحقق العلماء إنجازاتهم الرفيعة، وارتفع شأن الأوطان بعد حالتها الوضيعة، وعاش المواطن بكل فخر وحرية واقتدار، وأصبح الإنسان محور الوطن وغايته كالمدار، وأضحت السلطة في خدمة الشعب، والمحاسبة كشعلة اللهب تشمل الكبير قبل الصغير، والنبيل قبل الحقير ، فلا سقف، ولا فوقية، ولا طبقات ولا طبقية، في العالم الجديد بحلته البهية.

هكذا -يا حفظكم الله- تم التغيير، وتقدم العالم العربي في الوجود والمصير، وانتصرت الثورات، وطويت الصفحات من تاريخ المكان الذي أفسده الظلم والجهل والفقر، وبدأ تاريخ جديد من العلم والفن والنصر، وصُنع تاريخ يوصل اليوم بالمجد القديم، والعدل العظيم في حضارة العرب، ويأخذ بأيديهم نحو عصر العلم لتتصل بحضارة الغرب. وتجعل من الحرية قيمة عُليا ومن الإنسان محوراً عاليا.

هذا -يارعاكم الله- ما وصلني فخططته، وما حلمت به فسطرته، وما بَعُد عليكم فأدنيته، واغفروا لي ما جهلته، أو تورعت عن ذكره فموحته، أو ما تغير من حال بعدما دونته، فمني الحلم والأمل، ومنكم الجود والفضل، ولكم الشكر، فقد دفعني حرصكم لخط تاريخ الزمن ولتدوين محاسن النعم، ومصائد الكرم، وما كان في تلك البلاد مطاول الفخر، وفضائل الأثر ومكامن العبر.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard