سوريا ملكية ومنصب رئاسة لبنان في يد المسلمين.. ماذا لو؟

الثلاثاء 21 ديسمبر 202110:00 ص

تندرج المادة في ملف "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

في سنة 1992، وضع الكاتب البريطاني روبرت هارس رواية بعنوان "Fatherland"، بُنيت على فرضية انتصار دول المحور في الحرب العالمية الثانية. تبدأ الرواية في برلين في نيسان 1964، قبل أيام من احتفال أدولف هتلر بعيد ميلاده الخامس والسبعين (وهو انتحر سنة 1945 عن عمر 56 عاماً).

لو حدث ذلك، أي لو انتصر هتلر وعاش، لما كان هناك اتحاد سوفييتي، أي أنه سيُدمر الدولة البلشفية، ولما كان هناك بريطانيا العظمى أو إسرائيل. النقّاد يومها تعاملوا مع هذه الرواية على أنها من أدبيات الخيال (fiction)، علماً أنها تصلح لتكون ضمن سلسلة ما بات يُعرف اليوم بالتاريخ البديل (Alternative History) القائم على فرضية: ماذا لو؟ (What If?).

 دعونا نطرح هذا السؤال على عدد من القضايا العربية المعاصرة: ماذا لو؟

العراق

ماذا لو توصل الملك فيصل الأول إلى اتفاق مع فرنسا 1920، يبقيه على عرش سورية في ظلّ الانتداب الفرنسي؟ بحسب الدستور الذي وضع في نهاية عهده بدمشق، فإن المُلك يكون له ولأولاده من بعده، أي أن نجله غازي كان سيكون ملكاً على سورية عند وفاة فيصل سنة 1933، ويأتي ابنه فيصل الثاني إلى العرش عام 1939.

فرنسا نفسها فكرت باستعادة العرش السوري سنة 1932، عندما اجتمع وزير خارجيتها أرستيد بريان مع فيصل في باريس، بعد أن أصبح الأخير ملكاً على العراق. وقد عرض اتحاد بين البلدين، يكون فيه العرش في يد أفراد الأسرة الهاشمية، ويتناوب على رئاسة الحكومة والبرلمان شخصيات سورية وعراقية، كما تنتقل العاصمة كل ستة أشهر، بين دمشق وبغداد.

ماذا لو توصل الملك فيصل الأول إلى اتفاق مع فرنسا 1920، يبقيه على عرش سورية في ظلّ الانتداب الفرنسي؟

ولكن لو بقي فيصل حاكماً في سورية، لما وصلت الأسرة الهاشمية إلى حكم بغداد أصلاً، وظلّت شؤون بلاد الرافدين محصورة في يد مجموعة من الضباط العراقيين، يعاونهم عدد من السياسيين الكبار. ولو ظلّ العراق يُحكم من قبل أبنائه، لما حصلت نقمة على العائلة المالكة المحسوبة على الإنكليز، ولما كانت ثورة 14 تموز 1958.

تلك الثورة الدموية التي أدت إلى مقتل جميع أقراد العائلة الحاكمة، وفجّرت طموحات العسكر في العراق، وكانت نتيجتها، بعد ثلاثة عقود، وصول صدام حسين إلى سدّة الحكم في بغداد. وهنا ندخل في فرضيات أخرى: فلولا صدام لما كان هناك حرب مع إيران، ولا غزو للكويت ولا احتلال أمريكي سنة 2003. 

سورية

ماذا لو لم يقتل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في عيادته بدمشق سنة 1940؟ كان الشهبندر أحد أبرز السياسيين السوريين ومن أشهر الزعماء الوطنيين، سمعة وشعبية. وكان قريباً من الأردن والعراق، وهو محسوب على الأسرة الهاشمية وعلى الإنكليز. لو بقي الشهبندر على قيد الحياة، لربما كان رشح نفسه لرئاسة الجمهورية السورية سنة 1943، خلفاً للشيخ تاج الدين الحسني وبدلاً من الرئيس شكري القوتلي، ولو فاز، وهو أمر وارد جداً، لكان الجلاء قد تحقق في عهده سنة 1946.

ماذا لو لم يقتل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في عيادته بدمشق سنة 1940؟ وهو كان أحد أبرز السياسيين السوريين ومن أشهر الزعماء الوطنيين، سمعة وشعبية

وجوده في الحكم كان سيكون له تأثير بالغ الأهمية على مجريات حرب فلسطين الأولى، وكان من المحتمل أن يخفف من التباعد الرهيب من المؤسسة العسكرية والطبقة السياسية الحاكمة. الشهبندر كان من الطبقة الوسطى في المجتمع، وليس من الملاكين القدامى، وبذلك ستكون النقمة عليه أقل من نقمة الضباط على الرئيس القوتلي ورئيس الحكومة خالد العظم. ونظراً لقربه من الإنكليز، كان بإمكانه التوصل إلى صيغة دولية، مثل تلك التي توصل إليها ملك الأردن، تجنب الجيش السوري هزيمة عام 1948.

وكان الشهبندر، المقرب أيضاً من الولايات المتحدة الأمريكية، لن يدخل في صدام مع واشنطن، لا في قضية آبار نفط شركة التابلاين أو في موضوع الحزب الشيوعي السوري الذي أرادت إدارة الرئيس هاري ترومان من الرئيس القوتلي محاربته. لو وجد الشهبندر في القصر الجمهوري سنة 1948، لما فكرت الاستخبارات الأمريكية بتنفيذ انقلاب عسكري بدمشق، بقيادة حسني الزعيم.

الزعيم ولد من رحم هزيمة عام 1948، ولولا حرب فلسطين لما كان حسني الزعيم ولما كانت سلسلة الانقلابات العسكرية التي عصفت بسورية. ولولا تلك الانقلابات لما شعر العسكر بقوة كافية تخوّلهم على السفر إلى مصر سنة 1958 للمطالبة بتحقيق وحدة فورية مع الرئيس جمال عبد الناصر. معظم من سافر إلى القاهرة في كانون الثاني 1958 كانوا من الضباط الانقلابيين المشاركين بالانقلابات العسكرية التي شهدتها سورية ما بين 1949-1954. لولا الوحدة لما كان الانفصال ولما جاء الضباط البعثيون إلى السلطة سنة 1963، رافعين شعار استعادة الوحدة مع مصر.

ماذا لو فاز محمد الجسر برئاسة الجمهورية اللبنانية، وظلّ هذا المنصب في يد المسلمين، وكانت رئاسة الحكومة في يد الموارنة؟

لبنان

في سنة 1926، نُصّب المسيحي الأرثوذكسي شارل دباس رئيساً للجمهورية اللبنانية. كان ذلك قبل الميثاق الوطني الذي أعطى موارنة لبنان حقهم في رئاسة الجمهورية، وأبقى للمسلمين السنة رئاسة الحكومة اللبنانية. في عهد الرئيس دباس، كانت رئاسة الحكومة للموارنة، ورئيس مجلس النواب للسنة، عبر الشيخ محمد الجسر، زعيم طرابلس. وقد ترشح الجسر لرئاسة الجمهورية سنة 1932، وكاد أن يفوز لولا تدخل الفرنسيين وحل مجلس النواب لأجل تمديد ولاية شارل دباس.

في عهد الرئيس دباس، كانت رئاسة الحكومة للموارنة، ورئيس مجلس النواب للسنة، عبر الشيخ محمد الجسر، زعيم طرابلس. وقد ترشح الجسر لرئاسة الجمهورية سنة 1932، وكاد أن يفوز لولا تدخل الفرنسيين وحل مجلس النواب لأجل تمديد ولاية شارل دباس

ماذا لو فاز محمد الجسر برئاسة الجمهورية، وظلّ هذا المنصب في يد المسلمين، وكانت رئاسة الحكومة في يد الموارنة؟

لو حدث ذلك، لما كان الميثاق الوطني سنة 1943، ولما كان الشيخ بشارة الخوري قد وصل إلى الرئاسة اللبنانية. وعندما وضع هذا الميثاق شفهياً يومها، تنازل المسلمون عن رئاسة الجمهورية، مقابل أن تحافظ الرئاسة الأولى على "وجه لبنان العربي" وقبل الموارنة بهم شركاء في الحكم. ولكن لو بقيت الرئاسة بيد السنّة، ماذا سيكون موقفهم من صعود نجم الرئيس جمال عبد الناصر في الخمسينيات؟

هل كانوا سيمضون بذات الطريق التي اتخذته سورية، ويدخلون في جمهورية الوحدة سنة 1958؟ ولو حدث ذلك، كيف سيكون شكل الحياة المصرفية في لبنان؟ هل كان جمال عبد الناصر سيقوم بتأميم مصارف لبنان، كما فعل في سورية ومصر؟ وهل كان سيؤمم جامعة بيروت الأمريكية؟ ولو كان عبد الناصر مسيطراً على لبنان، هل تكون هناك ثورة سنة 1958 وحرب أهلية سنة 1975 (علماً أن الرئيس عبد الناصر توفي سنة 1970).

تبقى هذه الفرضيات مجرد خيال، لأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء أبداً، ولا يمكن لأحد تغيير مجريات التاريخ، ولا تصحيح أخطائه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard