سياسة "التحوّط" تنتقل من الدوحة إلى أبو ظبي... ماذا يفعل بن زايد على خط إيران-إسرائيل؟

الثلاثاء 14 ديسمبر 202101:07 م

قبل ساعاتٍ من انعقاد القمة الخليجية في السعودية، اتّجهت الأنظار نحو العاصمة الإماراتية أبو ظبي، حيث استقبل ولي العهد محمد بن زايد، رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، في أوّل زيارةٍ رسميةٍ يقوم بها زعيم إسرائيلي منذ تطبيع العلاقات بين البلدين.

وتُعدّ الزيارة استمراراً واضحاً من قبل أبو ظبي في سياسة استقبال كافة قادة عواصم المنطقة، ضمن "سياسة صفر مشكلات"، وهو المصطلح الذي سمعه العالم أول مرة في تركيا، من قبل وزير خارجيتها السابق محمد داوود أوغلو، لينتهي بها المطاف مع رئيسها رجب طيب أردوغان بـ"صفر أصدقاء"، بين الدول الفاعلة في المنطقة، باستثناء قطر.

الرسالة التي أرغب في إيصالها إلى قادة الإمارات والمواطنين الإماراتيين، هي أن الشراكة والصداقة المتبادلة أمران طبيعيان. نحن جيران وأبناء عم. نحن أحفاد النبي إبراهيم.

وقال بينيت لوسائل الإعلام الإماراتية قبل الاجتماع: "الرسالة التي أرغب في إيصالها إلى قادة الإمارات والمواطنين الإماراتيين، هي أن الشراكة والصداقة المتبادلة أمران طبيعيان. نحن جيران وأبناء عم. نحن أحفاد النبي إبراهيم". وأضاف أن العلاقات بين الدولتين "كنز ثمين لنا، وللمنطقة بأسرها".

من جهته، قال ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، لوكالة أنباء الإمارات (وام)، إنه يأمل بأن يؤدي الاجتماع مع بينيت إلى "دفع علاقة التعاون نحو خطواتٍ أكثر إيجابيةً لصالح شعبي البلدين والمنطقة".

والتقى بينيت وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدّمة الإماراتي سلطان الجابر، ووزيرة الثقافة نورة الكعبي، وكذلك له لقاء محتمل مع خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لشركة مبادلة للاستثمار، صندوق الثروة السيادي الإماراتي.

ذكر مصدر إسرائيلي لصحيفة جيروزاليم بوست، أن "الإماراتيين عبّروا عن اهتمامهم بخلفية رئيس الوزراء الإسرائيلي كرائد أعمال في مجال التكنولوجيا الفائقة".

وأمضى بينيت وبن زايد أربع ساعات معاً، إذ التقيا أولاً مع مستشاريهما، ثم تناولا الغداء في منزل ولي العهد، تلاه اجتماع فرديّ استمر لأكثر من ساعتين ونصف الساعة.

وذكر مصدر إسرائيلي لصحيفة جيروزاليم بوست، أن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، عقد اجتماعاً قصيراً مع بينيت عند وصوله إلى أبو ظبي، ناقشا فيه أهمية التسامح والاعتدال الديني. وقال المصدر نفسه إن "الإماراتيين عبّروا عن اهتمامهم بخلفية رئيس الوزراء الإسرائيلي كرائد أعمال في مجال التكنولوجيا الفائقة".

الاقتصاد أولاً 

يدرك الإماراتيون، وكذلك القطريون الذين يستعدّون لاستقبال كأس العالم 2022، حقيقةً بديهيةً هي أن اندلاع حربٍ بين إسرائيل وإيران، يعني هروب رؤوس أموالٍ طائلةٍ من دبي وأبو ظبي والدوحة، وانهيار السياحة وسوق العقارات والاستثمار بكافة أنواعه.

في العامين الماضيين، تعرّضت سفن عدة في ميناء الفجيرة الإماراتي، لأعمال تخريب، قالت واشنطن إن الحرس الثوري الإيراني يقف خلفها. كذلك تعرّض العديد من السفن للخطف من مضيق هرمز.  

وعليه، وجّهت أبو ظبي، قبيل زيارة بينت، دعوةً إلى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، لزيارة الإمارات، للقاء محمد بن زايد. والتقى بالفعل مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، الأسبوع الماضي، برئيسي في طهران.

وجّهت أبو ظبي، قبيل زيارة بينت، دعوةً إلى الرئيس الإيراني، لزيارة الإمارات، والتقى بالفعل مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، الأسبوع الماضي، برئيسي في طهران

وكانت إيران قد أبدت اعتراضاتٍ إعلاميةً طفيفةً على التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، وكان من المتوقع أن يصدر ردّ فعلٍ كبير، لأن التعاون الإسرائيلي الإماراتي مفتوح ومباشر مقابل حدودها البحرية.

وزار نائب وزير الخارجية الإيراني، علي باقري كاني، في 24 تشرين الأول/نوفمبر 2021، أبو ظبي، لإعلان أن إيران والإمارات "اتفقتا على فتح فصلٍ جديدٍ في العلاقات الثنائية الودّية".

الإمارات تحاول تحقيق التوازن، وحماية مصالحها الاقتصادية كمركزٍ سياحيٍّ وتجاريٍّ، بعد كورونا، في مواجهة المنافسة الاقتصادية المتزايدة في المنطقة

في تقريرٍ نشرته وكالة رويترز عن زيارة بينيت، نقلت فيه أن "الإمارات تحاول تحقيق التوازن، وحماية مصالحها الاقتصادية كمركزٍ سياحيٍّ وتجاريٍّ، بعد كورونا، في مواجهة المنافسة الاقتصادية المتزايدة في المنطقة، وتتجنّب صراعاً إقليمياً مكلِفاً يمكن أن ينسف طموحاتها التجارية".

وقال مستشار الرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، لمعهد دول الخليج العربي ومقرّه الولايات المتحدة: "نحتاج إلى تجنّب صراعٍ كبيرٍ من شأنه أن يوّرط الولايات المتحدة، أو بالفعل دول المنطقة. مصلحتنا هي محاولة تجنّب ذلك بأيّ ثمن".

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الإماراتي، عبد الخالق عبد الله، لرويترز: "حان وقت التهدئة، وليس التصعيد. إذا كانت إسرائيل في هذا المزاج، فلن نشاركها".

وشهدت الإمارات، التي تُعدّ منذ فترةٍ طويلةٍ، واحدةً من الروابط الرئيسية لإيران بالعالم الخارجي، والتي تربطها علاقات تجارية تمتدّ إلى قرنٍ مضى، تقلّص صادراتها مع إيران من 14 مليار دولار في 2017، إلى سبعة مليارات دولار في 2019، وفقاً لبيانات البنك الدولي. وقد بدأت التدفقات في التعافي.

وقال المحلل عبد الله، إنه لا توجد رغبة في الإمارات لفرض مزيدٍ من العقوبات الاقتصادية على إيران.

وأضاف: "لقد قمنا بعملنا، وقمنا بنصيبنا من الامتثال في السنوات الخمس أو الست الماضية، لكن هذا يكفي. لا أحد في مزاج اتخاذ المزيد من العقوبات، في أبو ظبي. هذا واضح جداً".

لقد قمنا بعملنا، وقمنا بنصيبنا من الامتثال في السنوات الخمس أو الست الماضية، لكن هذا يكفي. لا أحد في مزاج اتخاذ المزيد من العقوبات، في أبو ظبي. هذا واضح جداً.

وقال قرقاش لمعهد واشنطن، إن الإمارات تريد إيجاد "قاسمٍ اقتصاديٍّ مشترك"، لتحسين العلاقات مع إيران وتركيا وسوريا، حتى في الوقت الذي تبني فيه أبو ظبي على العلاقات مع إسرائيل.

صفر مشكلات

استضافت أبو ظبي رئيس الوزراء الإسرائيلي هذا الأسبوع، فيما ستستقبل وفداً أمريكياً يسعى إلى تحذير الشركات في الإمارات، من عدم الامتثال للعقوبات المفروضة على إيران، بسبب أنشطتها النووية. كذلك رضخت للمخاوف الأمريكية حول أعمال تطوير تقوم بها الصين في أحد الموانىء.

مسار الإماراتيين يحمل ملف التوافق مع النظام في تركيا، واحتواء طهران لخلق شكلٍ من أشكال التقارب بين سوريا وإسرائيل، والتي يمكن أن تسفِر عن نتائج حقيقية

وأرسلت الإمارات وفداً رفيع المستوى إلى طهران، الشهر الماضي، في محاولةٍ لإصلاح العلاقات. وفي الوقت ذاته، زار محمد بن زايد، أنقرة، للقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يزور أبو ظبي في شباط/ فبراير المقبل. وكان ولي عهد أبو ظبي قد أجرى مكالمةً هاتفيةً مع الرئيس السوري بشار الأسد. 

وكان قرقاش، قد وصف في حديثٍ مع الكاتب في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، ديفيد إغناتيوس، في أيلول/ سبتمبر الماضي، هذه المسارات بأنها سياسة جديدة للإمارات تقوم على "صفر مشكلات". 

تُعدّ سياسة "صفر مشكلات" إستراتيجيةً تركيةً قديمة، لكن انتهت بتدخّلٍ عسكريٍّ في سوريا، وحربٍ مفتوحةٍ مع العراق، وصدامٍ مع أوروبا بسبب الهجرة، ونزاعٍ في شرق البحر المتوسط، ​​وخلافٍ حول الإخوان المسلمين في مصر، وتدخّلٍ عسكريٍّ في ليبيا، ولم يبقَ شيء عمليّ من المصطلح.

من جانبه، قال الباحث في العلاقات الدولية، إياد المجالي، إن "مسار الإماراتيين يحمل ملف التوافق مع النظام في تركيا، واحتواء طهران لخلق شكلٍ من أشكال التقارب بين سوريا وإسرائيل، والتي يمكن أن تسفِر عن نتائج حقيقية".

وأضاف لرصيف22: "الإمارات وإسرائيل تبحثان عن بدائل إخفاق مباحثات فيينا، واحتواء التهديد الأمني لأذرع إيران في اليمن والعراق وسوريا، وتقليم مخالب إيران في التعاطي مع أزمات المنطقة".

 التوازن الإماراتي -بين الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وإيران- بدأ يشبه السياسة القطرية المتمثّلة في "التحوّط"، والتي كان لها علاقة مع إيران والصين وأمريكا والإسلاميين

في تقرير نشره الباحث كريستيان كوتس أولريشن، وهو زميل في شؤون الشرق الأوسط في "معهد بيكر للسياسة العامة"، وصف السياسة الإماراتية بأنها تتكيّف مع السياق الإقليمي والدولي الذي تغيّر بفعل جائحة كورونا، وكبح عصر سياسات القوة الغاشمة مع الإطاحة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو نوع من البراغماتية. 

ووصف أولريشن أيضاً، التوازن الإماراتي -بين الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وإيران- بأنه بدأ يشبه السياسة القطرية المتمثّلة في "التحوّط"، والتي كان لها علاقة مع إيران والصين وأمريكا والإسلاميين، لكن سياسة الدوحة كانت سبباً في الخلاف مع السعودية، والإمارات نفسها.  

السؤال الذي يطرحه المحللون في الوقت الحالي هو: هل تستغلّ الإمارات علاقتها مع الدول المتصارعة في الشرق الأوسط، لتحقيق سلام وتقارب، وتجنّب مزيدٍ من التوترات، خصوصاً بين إسرائيل وإيران؟  

لا يرجح تاريخ الإمارات السياسي أن تقوم أبو ظبي بأي مبادراتٍ بين الدول المتناحرة، إذ حاولت الأخيرة طوال تاريخها مرة واحدةً بذل هذا الجهد، وكان ذلك في عام 1981، بين العراق وإيران، واستكشاف أسس إنهاء الحرب في الخليج، لكنها سرعان ما تراجعت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard