أبرياء يسقطون على "طريق القدس"... لماذا يستحيل نزع السلاح الفلسطيني في لبنان؟

الاثنين 13 ديسمبر 202103:19 م

قُتل أربعة فلسطينيين في مخيم البرج الشمالي، مساء الأحد، إثر إطلاق نارٍ تطوّر إلى اشتباكات بين حركتَي فتح وحماس. وقعت الاشتباكات هذه، خلال تشييع عنصرٍ من حماس قُتل في انفجارٍ ضخمٍ ليل الجمعة، هزّ المخيم والبلدات المجاورة، واتفقت الروايات الأولية على أنه نجم عن انفجار مخزن أسلحة لحماس في المخيم، وهو ما نفته الحركة، عازية إياه إلى "ماس كهربائي". نهاية الأسبوع الدموية هذه، في المخيم الصغير الواقع في محيط مدينة صور في جنوب لبنان، أعادت السلاح الفلسطيني إلى واجهة النقاش في الداخل اللبناني والفلسطيني. 

وعلى الرغم من فداحة الخسائر البشرية في اشتباكات الأحد، إلا أنها تبقى في إطار الموجات الارتدادية لزلزال الانفجار الذي سبقها، وظلت حركة حماس المتّهم الرئيسي في التسبّب به، بسبب المؤشرات التي دلّت على أن ما كان ينفجر، هو مخزن أسلحةٍ أسفل مسجدٍ تسيطر عليه في المخيم. في المقابل، خفّفت اشتباكات الأحد الضغط عن حماس، مذكرةً اللاجئين الفلسطينيين في المخيم، والمواطنين اللبنانيين في المنطقة المجاورة، أن مشكلة تفلّت السلاح الفلسطيني في لبنان، تتحمّل وزرها فصائل فلسطينية عدة، منها فتح وحماس، وغيرهما. 

في لبنان 12 مخيماً معترفاً بها بشكلٍ رسمي للاجئين الفلسطينيين، تتوزع في مختلف أنحاء البلاد، إلا أنها تبقى خارج سيادة الدولة اللبنانية، وتخضع لسيطرة فصائل فلسطينية مسلّحة

وفي لبنان 12 مخيماً معترفاً بها بشكلٍ رسمي للاجئين الفلسطينيين، تتوزع في مختلف أنحاء البلاد، إلا أنها تبقى خارج سيادة الدولة اللبنانية، وتخضع لسيطرة فصائل فلسطينية مسلّحة. ويفتقد السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، وخارجها، إلى الغطاء الشرعي اللبناني، منذ عام 1987، تاريخ إلغاء اتفاقية القاهرة التي كان قد وقّع عليها لبنان عام 1969، وشرّعت حمل الفلسطينيين في لبنان السلاح، "على أن تكون وجهته فلسطين".

وعلى الرغم من إلغاء الاتفاقية التي كانت قد عُقدت عام 1969، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من بيروت، بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، إلا أن هذا السلاح حافظ على وجوده، وتحوّل إلى سلاحٍ لفرض السيطرة على الأرض، لا سيما في المخيمات. عام 2006، وخلال الحوار الذي عُقد في مجلس النواب حينها، بمشاركة رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة، والقيادات السياسية الممثَلة في البرلمان، صدر قرار لبناني جامع بإنهاء حالة السلاح خارج المخيمات فوراً، ومنح مهلة ستة أشهر لإنهائه داخل المخيمات.

 معظم القوى الفلسطينية داخل المخيمات، ترفض بدورها سحب هذا السلاح من داخل المخيمات، حتى لو كانت تعلن مواقف مختلفة في العلن

يقول الرئيس السابق للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، حسن منيمنة، وهي هيئة حكومية تأسست عام 2005، إن "هذا القرار لم يُنفّذ لأسبابٍ لبنانية وفلسطينية". ويشرح منيمنة، الذي ظلّ على رأس لجنة الحوار سبع سنوات، وغادر منصبه قبل شهر، أن القوى السياسية اللبنانية التي وافقت على القرار، كانت "تعلن شيئاً، وتضمر شيئاً آخر"، موضحاً أن مواقف هذه القوى تتراوح بين "غضّ النظر من منطلقٍ عدائي، عبر ترك الفلسطينيين يقتلون بعضهم بعضاً داخل المخيمات، وبين اللا مبالاة، بالإضافة إلى رفض الأطراف الحليفة لمحور الممانعة، فكرة سحب السلاح عملياً، حتى لو أنها وافقت علناً عليها".

دور هذا السلاح انتفى نتيجة أوضاعٍ عدة: أولاً، المواجهة الفلسطينية مع العدو الإسرائيلي انتقلت إلى داخل فلسطين. وثانياً لأنه عملياً، ومنذ تولّى حزب الله دور المقاومة، لم يعد لهم أيّ دور

ويؤكد منيمنة أنه "في الجانب الفلسطيني، فإن الطرف الموجود خارج المخيمات، أي الجبهة الشعبية القيادة العامة، وحلفاءها، يمانعون في سحب السلاح خارج المخيمات. في المقابل، فإن معظم القوى الفلسطينية داخل المخيمات، ترفض بدورها سحب هذا السلاح من داخل المخيمات، حتى لو كانت تعلن مواقف مختلفة في العلن". وهذه خلاصة تجربته في إدارة التواصل بين الحكومة اللبنانية والقوى الفلسطينية.

ولعبت المنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان، أدواراً بارزةً منذ خمسينيات القرن الماضي، بعد فترةٍ وجيزةٍ من النكبة التي أخرجت الفلسطينيين من أرضهم، وحوّلتهم إلى لاجئين في الدول المجاورة. وكان دور منظمة التحرير الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات، مفصلياً في الداخل اللبناني، وكانت طرفاً في الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، كما ساهم سلاح الفصائل الفلسطينية في التصدّي للاجتياح الإسرائيلي الذي وصل إلى بيروت عام 1982.

تفلّت السلاح الفلسطيني لا يهدد الوضع داخل المخيمات فحسب، لكن الخوف دائم من أن تستعمله بعض القوى المرتبطة بجهاتٍ إقليمية، لإشعال الفتن داخل لبنان

يرى منيمنة، أن "دور هذا السلاح انتفى منذ ذلك الحين، نتيجة أوضاعٍ عدة: أولاً، المواجهة الفلسطينية مع العدو الإسرائيلي انتقلت إلى داخل فلسطين، في الضفة الغربية وغزة والأراضي المحتلة. وثانياً لأنه عملياً، ومنذ تولّى حزب الله دور المقاومة، لم يعد لهم أيّ دور، ونحن لم نشهد لهذه القوى والفصائل أيّ عملٍ عسكري انطلاقاً من لبنان ضد إسرائيل، في الـ40 سنةً الأخيرة".

ويشير إلى أن "الفلسطينيين قالوا بوضوحٍ، بعد عام 1982، إنهم ضيوف في لبنان، ولاجئون شرعيون قبلت بهم الحكومة اللبنانية منذ لحظة اللجوء عام 1948، وتالياً هم لم يعودوا طرفاً في أيّ صراعٍ داخلي لبناني، ولا حاجة لهم إلى حمل السلاح". 

يقول منيمنة: "تفلّت السلاح الفلسطيني لا يهدد الوضع داخل المخيمات فحسب، لكن الخوف دائم من أن تستعمله بعض القوى المرتبطة بجهاتٍ إقليمية، لإشعال الفتن داخل لبنان"، ويلفت إلى أن هذا السلاح "متعدد الانتماءات، وليست له قيادة موحّدة، بل هو خاضع لسيطرة جهات إقليمية، وقيادتها، بالدرجة الأولى، بما يثير مخاوف كبيرة من استعماله بما يلائم مصالح تلك الجهات الخارجية وحاجاتها، خدمةً لمصالحها وأهدافها السياسية، والاشتباكات التي تحدث في داخل المخيم تكون بين فصائل متنافسة، أو مختلفة الولاءات الإقليمية، وفي كلّ مرةٍ يسقط قتلى وجرحى من بين الفلسطينيين".

مسؤول فلسطيني يرى أن التواصل مع الدولة اللبنانية دائمٌ "عند اللزوم"، مشيراً إلى أن "الفلسطينيين في المخيمات، تحت النظام اللبناني، وليس فوقه"

في المقابل، يؤكّد مسؤول الإعلام في "القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة"، ماهر الحاج، أن التواصل مع الدولة اللبنانية دائمٌ "عند اللزوم"، مشيراً إلى أن "الفلسطينيين في المخيمات، تحت النظام اللبناني، وليس فوقه"، ويقول في حديث إلى رصيف22، إن "لبنان بلد مضياف استقبل الشعب الفلسطيني، ونحن ضيوف هنا، ونحترم سيادة القانون اللبناني الذي لا نخرج عنه". يتحدّث الحاج عن أن "المخيمات الفلسطينية تعيش في أمنٍ وأمان، والسفير الفلسطيني يسهر على أمن المخيم، وكذلك القوّة الأمنية الفلسطينية المشتركة، والتنسيق الأمني بين الفصائل الفلسطينية التي هي أيضاً على توافق".

قبل بضعة أشهر، قضت طفلة فلسطينية في مخيّم البداوي، برصاصٍ "طائشٍ". سنة قبل ذلك، قُتلت أمٌّ وهي تحمل رضيعها في أحد شوارع مخيم شاتيلا

قبل بضعة أشهر، قضت الطفلة الفلسطينية نهال كسّاب (تسع سنوات)، في مخيّم البداوي في شمال لبنان، برصاصٍ "طائشٍ"، إثر اشتباكٍ بين مجموعات مسلّحة. سنة قبل ذلك، قُتلت أمٌّ وهي تحمل رضيعها بشكلٍ مأساوي، إثر إصابتها برصاصةٍ "طائشةٍ" في أثناء عودتها من السوق في أحد شوارع مخيم شاتيلا في بيروت، خلال اشتباك بين تجّار مخدرات ينتمون إلى فصائل فلسطينية.

وبوتيرةٍ شبه يومية، يُشيّع أهالي المخيمات قتلى يقضون في عمليات اغتيالٍ حيناً، وعمليات انتقامٍ حيناً آخر، برصاصٍ طائشٍ، أو بسبب إشكالات شخصيةٍ في أحيانٍ كثيرة. حوادث لا تخرج إلى الإعلام، إلا حينما ترتفع حصيلة الإشكال إلى عددٍ من القتلى، إذ بات الموت بالسلاح المتفلّت أسلوبَ عيشٍ مفروضاً على اللاجئين في مخيمات الفقر والحرمان.

ويعيش نحو 174،422 لاجئاً فلسطينياً داخل 12 مخيماً، وعددٍ من التجمّعات والمدن في مختلف مناطق لبنان، حسب إحصاءٍ رسميٍّ لبناني. وتؤكد تقارير وكالة الأونروا، أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون ظروفاً إنسانيةً ومعيشيةً مأسوية. وتفاقمت أوضاع اللاجئين بعد الانهيار المالي والمعيشي الذي يضرب لبنان، ويعاني 80% منهم من البطالة حالياً، إلى جانب ارتفاع نسبة الفقر إلى 65%، لغياب فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، والحاجات الأساسية، وتدهور العملة المحلية.

 اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات باتوا "رهائن في أيدي فصائل مرتهَنة بدورها إلى قياداتٍ لا تمثّل الشعب الفلسطيني، وأجهزةٍ أمنيةٍ محلية وغربية"

ترى الباحثة اللبنانية، زينة الحلو، أن اللاجئين الفلسطينيين "يدفعون ثمن فشلَين؛ الفشل اللبناني، والفشل الفلسطيني، فشل القيادات اللبنانية وتلك الفلسطينية". وترى الحلو التي عملت في المخيمات لسنوات عدّة، أن المخيمات الفلسطينية "تحولت إلى بؤرٍ أمنيةٍ بسبب التعاطي السياسي الأمني مع ملفٍّ اقتصادي اجتماعي بالدرجة الأولى"، فيما بات اللاجئون الفلسطينيون في داخلها، "رهائن في أيدي فصائل مرتهَنة بدورها إلى قياداتٍ لا تمثّل الشعب الفلسطيني، وأجهزةٍ أمنيةٍ محلية وغربية". 

تكشف الحلو عن أن الأجهزة الأمنية اللبنانية، "متورّطة في نظام المافيات المسلَّط على اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات"، وتوضح أن "الدولة اللبنانية أضعف من أن تمسّ بسلاح المخيمات، أو تأخذ قراراً بنزعه. لهذا، فإن الأجهزة الأمنية أقامت شبكة علاقات ومصالح مع الفصائل المسلّحة فيها، وزرعت مخبرين، ظنّاً منها أنها تتذاكى، أو أنها قادرة على ضبطها".

 الأجهزة الأمنية أقامت شبكة علاقات ومصالح مع الفصائل المسلّحة، وزرعت مخبرين، ظنّاً منها أنها تتذاكى، أو أنها قادرة على ضبطها

وتوضح الحلو أن الفصائل المسلّحة التي تسيطر على المشهد في المخيمات ليست تلك التي تمتلك أجندات سياسية أو إيديولوجية فحسب، "بل كثير منها مجرد مجموعة تجّار أسلحة، أو مخدرات، ينشئون حالةً أمنيةً، ويصبح لديهم حيثيتهم داخل المخيم، وعلاقاتهم مع الأجهزة الأمنية اللبنانية".

تتحدث الباحثة اللبنانية عن تجربتها خلال عملها في مخيم عين الحلوة، أكبر مخيمات لبنان، حين قُتل شاب كانت قد عملت معه في إطار بحثٍ كانت تجريه. تقول: "توجهت لتعزية زوجته، وسألتها عن القاتل المحتمَل، فلم تجرؤ على الكلام، وظللت أسأل في الفترة اللاحقة أهالي المخيم والأشخاص الذين ألتقيهم عن المسؤول المفترض عن هذه الجريمة، لكنهم كانوا دائماً يرفضون تقديم أيّ جواب، حتى وصلني تهديد مباشر يطالبني بالكفّ عن السؤال عن هذه الجريمة".

تتحدث الحلو عن تأثّرها بمقتل ذلك الشاب، "خصوصاً أنه ساهم في تهريبها، حين علِقت وسط جولة اشتباكاتٍ شهدها المخيم خلال وجودها فيه. يُقتل يومياً أشخاص داخل المخيم، وعلى الرغم من الانتشار الكثيف جداً لكاميرات الفصائل المختلفة، في أزقّته كلها، إلا أن أحداً لا يكشف عمن هو المسؤول عن الجريمة، كما لا يجرؤ أحد على الكلام، وتستمر الحياة بشكلٍ طبيعي".

الفصائل كلها مدججة بالسلاح، وتخزّنه بين المدنيين، حسب ما تقول الحلو، والسلاح يدخل إلى المخيمات عبر التهريب، ومن السوق اللبنانية. وهذا السلاح، تهدف الفصائل إلى فرض السيطرة من خلاله، "لأنه كلّما عززت سيطرتها داخل المخيمات، كلّما حصلت على مكتسباتٍ أكبر من الأجهزة الأمنية اللبنانية والإقليمية. والمخيمات تُحكم اليوم من خلال "نظامٍ مافيوي لديه جانب سياسي، وجانب أمني، وجانب تجاري كبير جداً، وتتورط فيه الدولة اللبنانية عبر أجهزتها، لتحقيق مكاسب شخصية لمسؤوليها، إلى درجةٍ يصبح مدير عام الأمن العام، اللواء عباس إبراهيم، على سبيل المثال، محبوباً في مخيم عين الحلوة، فيدخل  ويخرج باستقبالاتٍ كبيرة، وهو يستفيد من هذا الواقع عبر تسجيل بطولاتٍ من خلال تسلّم مطلوبين، أو مصالح أخرى".

المخيمات تُحكم اليوم من خلال "نظامٍ مافيوي لديه جانب سياسي، وجانب أمني، وجانب تجاري كبير جداً، وتتورط فيه الدولة اللبنانية عبر أجهزتها، لتحقيق مكاسب شخصية لمسؤوليها

"السلاح المنتشر في المخيمات يبقي على التعامل الأمني مع ملف اللاجئين الفلسطينيين، إذ يذوب البعد الاقتصادي والاجتماعي والإنساني لقضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لصالح البعد الأمني، وترتفع التوترات، ويزيد خطاب الكراهية في الداخل اللبناني ضدهم، والثمن الأساسي يدفعه اللاجئون من النواحي كلها، نفسياً ومعنوياً وسياسياً وأمنياً ومعيشياً"، تقول الحلو.

وتؤكد أن "السلاح هو الوقود الأساسي لنمط حياةٍ من الواضح أنه يناسب الفصائل المسلحة كلها"، فيما الدولة تستمرّ في تشديد تضييقها الأمني على المخيمات، وفي زيادة تشبيكاتها مع الفصائل المسيطرة على الأرض فيها، فيما الثمن الأكبر يدفعه اللاجئون الذين يبقى أمامهم خياران لا ثالث لهما، إما العيش مع خطر الرصاص الطائش، والفقر، والبطالة، والأزمات الاجتماعية والنفسية، وإما الهجرة، وهو هدف إسرائيل التي تريد أن ترى اللاجئين أبعد ما يمكن عن حدودها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard