"اشتباكات الطيّونة"... حرب صغيرة في بيروت

الخميس 14 أكتوبر 202105:31 م

إطلاق نار كثيف، حرائق، إطلاق قذائف "آر بي جي"، مقاتلون يرتدون جعباً عسكرية وأقنعة وعدد كبير من جنود الجيش اللبناني وآلياته ينتشرون، وسيارات إسعاف تنقل جرحى وقتلى... هكذا بدا مشهد اليوم في العاصمة اللبنانية، بالتزامن مع الاعتصام الذي دعى إليه الثنائي الشيعي تنديداً بما اعتُبر من قِبلهم تسييساً فاضحاً للتحقيق الذي يقوم به قاضي التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار.

سيدخل البلد في متاهة تحديد مَن بدأ بإطلاق النار، ومَن استفز مَن، وسيُقال الكثير حول هذه النقطة، وستبني عليها القوى السياسية المختلفة استراتيجيات مستقبلية للتحشيد الانتخابي وشد العصب الطائفي وسندخل في دوامة الشك والتشكيك، لكن هناك حقيقة واحدة نستطيع تأكيدها وهي أن تبادل إطلاق نار كثيف حدث، سقط خلاله قتلى وجرحى وأرهب سكان العاصمة.

اليوم الدامي

وقعت الأحداث بعد ليلة طويلة من التحشيد الإلكتروني والإعلامي والتحشيد المضاد. ففي اليوم السابق، أطلقت الماكينة الإعلامية الإلكترونية لحزب الله وحركة أمل حملات على تويتر تحت عنوان "البيطار يلعب بالنار" و"لن يتكرر سيناريو الـ2005"، في إشارة الى تكرار تجربة التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري حينذاك، وظهر وسم "البطشة الكبرى"، في إشارة إلى قرب المعركة الحاسمة التي ستُخرج "عملاء" الإدارة الأمريكية من الدوائر الحكومية في لبنان، على ما أشار أحد مسؤولي حزب الله في وقت سابق.

في المقابل، أُطلق وسم "العدالة أقوى من ترهيبكم"، وغرّد تحته مناصرو الكتائب والقوات اللبنانية، كما نشط مؤيدو القوات اللبنانية تحت وسم "7 أيار"، في إشارة إلى أن يوم 7 أيار/ مايو 2008 الذي اجتاح فيه حزب الله بيروت لن يتكرر، وغردوا أيضاً تحت وسم "لبنان تحت الاحتلال"، في إشارة إلى النفوذ الإيراني في لبنان.

عند الساعة 11 صباحاً، بدأ تجمّع مناصري أمل وحزب الله. كانوا يرتدون إلى حد ما لباساً أسودَ موحداً، وأطلقوا عبر مكبرات الصوت شعارات معادية للقاضي بيطار رمته بنعوت نابية، ومستنكرة لـ"تسييس" التحقيق.

وأحرق المحتجون صور قاضي التحقيق وداسوها بأقدامهم، كما أطلق المتجمهرون أمام وزارة العدل شعارات منددة بقائد القوات اللبنانية سمير جعجع، نعتته بـ"الصهيوني". أثناء ذلك، بدأت تتوارد أخبار حول رشقات إطلاق رصاص في منطقة الطيونة وشارع سامي الصلح القريبين من قصر العدل، حيث يتجمّع متظاهرون، ثم ما لبثت أن تحوّلت المنطقة إلى ساحة حرب حقيقية استُخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والمتوسطة وأطلقت خلالها قذائف الـ"آر بي جي"، ما أسفر عن وقوع عدد كبير من الإصابات بينهم إصابات داخل المنازل، وستة قتلى، خمسة منهم من مؤيدي الثنائي الشيعي، والمدنية مريم فرحات التي قتلتها رصاصة طائشة.

استعاد اللبنانيون مشاهد الحرب الأهلية وخطوط التماس، خصوصاً أن المحلة التي حدث فيها تبادل إطلاق النار الكثيف كانت خلال الحرب الأهلية منطقة اشتباكات دائمة وخطَّ تماس

استعاد اللبنانيون مشاهد الحرب الأهلية وخطوط التماس، خصوصاً أن المحلة التي حدث فيها تبادل إطلاق النار الكثيف كانت خلال الحرب الأهلية منطقة اشتباكات دائمة وخطَّ تماس.

استمرت المناوشات على طول خطّ التماس السابق ساعات طويلة، وخاصة من جهة الطيونة والجهة الممتدة إلى قصر العدل، وسُجّل إطلاق قذائف ورصاص كثيف في منطقة بدارو أيضاً وشارع سامي الصلح وسُمع دوي الانفجارات في أرجاء العاصمة.

أما بالنسبة إلى الوقفة الاحتجاجية فقد فُضّت سريعاً ولم تَدُم أكثر من نصف ساعة.

وكانت قاسية صور تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر تلامذة متجمهرين في أروقة المدارس، خوفاً من الرصاص الطائش، يتملّكهم الرعب، ما دفع عدداً كبيراً من المتابعين إلى انتقاد وزارة التربية على عدم اتخاذ أي قرار بتعطيل المدارس في المنطقة التي كان من المرجّح أن يحصل فيها ما حصل.

وسجل على هامش الأحداث المتوترة اعتداء على فريقي محطة "أم تي في" و"تلفزيون الجديد" في منطقة الطيونة.

مواقف متفرقة

أثناء الاشتباكات، تناقلت وسائل الإعلام أن رئيس الوزراء نجيب ميقاتي تابع مع قائد الجيش الوضع، وصدر عنه تصريح دعا فيه إلى الهدوء.

لاحقاً، عقد وزير الداخلية مؤتمراً صحافياً، بعد اجتماع لمجلس الأمن المركزي، تحدث فيه عن إطلاق نار باتجاه المتظاهرين السلميين الذين وصفهم بالنخب، وعندما سُئل الوزير عن القذائف التي أطلقت في المنطقة، قال إن وجهتها الهواء!

دخل لبنان في أزمة جديدة متفجرة عنوانها "اشتباكات الطيونة"، وليس من المعلوم إذا كانت ستطوي حقبة التحقيق في انفجار المرفأ وستودي بالمحقق طارق بيطار، لكن ما هو معلوم ومؤكد أن هذه الأزمة هي ضريبة من الضرائب التي يدفعها اللبنانيون في أمنهم

أما الجيش اللبناني، فقد أصدر بياناً تحدّث فيه عن إطلاق نار باتجاه المتوجهين إلى الاعتصام وكان قد سبق بيانه تحذير وجّهه إلى المتشتبكين بأنه سيطلق النار باتجاه أي مسلح. رغم ذلك، نقلت فيديوهات متناقلة على وسائل التواصل مشاهد تواجد مسلحين ينتمون إلى الثنائي الشيعي بأسلحتهم المتوسطة على مسافة قريبة جداً من الجيش اللبناني.

وصدر بيان مُهر بتوقيع حركة أمل وحزب الله معاً، تحدث عن تعرّض المتظاهرين، عند وصولهم إلى منطقة الطيونة، "لإطلاق نار مباشر من قبل قناصين متواجدين على أسطح البنايات المقابلة، ‏‏تبعه إطلاق نار مكثف أدّى إلى وقوع شهداء وإصابات خطيرة، حيث أن إطلاق ‏‏النار كان موجهاً إلى الرؤوس"، داعياً إلى الهدوء وعدم الانجرار إلى "الفتنة الخبيثة".

ثم صدر لاحقاً بيان عن قيادتي حزب الله حركة أمل اتّهم حزب القوات اللبنانية بإدارة اعتداء مسلح على الاحتجاج السلمي، واعتبر أن ما حدث كان مقصوداً فحزب القوات "مارس قتلاً متعمداً" أوقع هذا العدد من "الشهداء والجرحى".

وانتشر إثر ذلك على تويتر وسم "كمين قوات الغدر"، في إشارة إلى حزب القوات اللبنانية.

أما رئيس حزب القوات سمير جعجع، فقد دعا "رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الدفاع والداخلية إلى إجراء تحقيقات كاملة" من أجل تحديد المسؤوليات، واستنكر بدوره الأحداث التي جرت بمناسبة "التظاهرات التي دعا إليها حزب الله".

هكذا، دخل لبنان في أزمة جديدة متفجرة عنوانها "اشتباكات الطيونة"، وليس من المعلوم إذا كانت ستطوي حقبة التحقيق في انفجار المرفأ وستودي بالمحقق طارق بيطار، لكن ما هو معلوم ومؤكد أن هذه الأزمة هي ضريبة من الضرائب التي يدفعها اللبنانيون في أمنهم وأمانهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard