من بلد المصالحات إلى موقع المواجهة... لماذا تُصعّد الكويت مع لبنان؟

الخميس 25 نوفمبر 202111:16 ص

"الكويت ضاقت ذرعاً باللبنانيين، وستعمل على ترحيلهم فوراً عن أراضيها"؛ عبارة تصدّرت مواقع التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، بين ناشطين وإعلاميين، على خلفية اعتقال السلطات الأمنية الكويتية يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، 20 شخصاً، قيل إن معظمهم لبنانيون متهمون بالتعامل مع "حزب الله"، ليتزامن هذا الحدث الأمني مع أزمة دبلوماسية تمثلت في طرد سفير لبنان، وسحب سفير الكويت من بيروت، بسبب تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، التي عدّ فيها حرب اليمن "عبثيةً".

جوّ من القلق يسود بين المغتربين اللبنانيين في الخليج عموماً، والكويت خصوصاً، وحتى الساعة، وبعد مرور أسبوع على قرار الحكومة الكويتية وقف منح التأشيرات للبنانيين، ووقف طلبات الجمعيات الخيرية الراغبة في إجراء تحويلات مالية إلى بيروت (التي تعدّها الكويت غطاءً لتمويل أنشطة حزب الله وتبييض أموال المخدرات)، الجالية اللبنانية لا تزال تعيش بشكل طبيعي، خلافاً لما يتم تداوله بين الأوساط الإعلامية اللبنانية. أما موضوع "الترحيل"، فهو مجرّد تكهّنات غير مبنيّة على أي دليل ملموس.

يقول رئيس حزب المحافظين المدني، حماد النومسي، لرصيف22: "البيان الصادر من وزارة الخارجية مجحف بحق الأخوة اللبنانيين، ولا يمثّل نهج أهل الكويت، وثقافتهم، ولا يعبّر عن مواقفنا، ولا عن سياساتنا الخارجية"

اليوم، تنقسم الآراء بين السياسيين الكويتيين حول لبنان. يقول رئيس حزب المحافظين المدني، حماد النومسي، لرصيف22: "البيان الصادر من وزارة الخارجية مجحف بحق الأخوة اللبنانيين، ولا يمثّل نهج أهل الكويت، وثقافتهم، ولا يعبّر عن مواقفنا، ولا عن سياساتنا الخارجية المعتدلة والمتّزنة. كان الأجدى بالكويت، ودول مجلس التعاون الخليجي، توجيه البوصلة بشكل صحيح نحو إيران، وقطع العلاقات التجارية معها، وليس معاقبة البلد الجريح الذي يعاني مما نعانيه من إيران".

يُضيف: "لبنان متضرر أكثر من الكويت. هو يدفع ثمن حرب إيران على المنطقة، وليس إيران فحسب، بل حروب دول أخرى، وقرار الخارجية الكويتية ليس صحيحاً أنه ضد حزب الله، ولو كان كذلك لتوجهت القطيعة إلى إيران مباشرةً، عبر قطع العلاقات، وطرد السفراء، وهذا لم يحصل".

بعيداً عن نظرية المؤامرة، يؤكد السياسي الكويتي أن "هناك فعلاً قوة تريد تركيع لبنان، وليس حزب الله، والكويت عملت ما يشبه إعادة تغريد لمطالب هذه الدول التي تحارب لبنان".

بعيداً عن نظرية المؤامرة، يؤكد السياسي الكويتي أن "هناك فعلاً قوة تريد تركيع لبنان، وليس حزب الله، والكويت عملت ما يشبه إعادة تغريد لمطالب هذه الدول التي تحارب لبنان".

ودرجت العادة أن تلعب دولة الكويت دور الوسيط في الخلافات العربية العربية، من دون أن تأخذ طرفاً مع فريق ضد آخر، "فهي عرّابة المصالحات الخليجية، وكانت في طليعة دول مجلس التعاون التي تدعم لبنان، ولم يصدر منها سابقاً أي قرار مشابه في حق دولة صديقة كلبنان"، وفق النومسي، الذي يجزم بأن "الدولة ستتراجع عن قرارها في وقت قريب، وستبادر إلى تحقيق المصالحة بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، والحل سيكون قريباً".

وحضرت الكويت بشكل لافت عام 2021، على ساحة المصالحات في المنطقة. فهي من رأبت الصدع بين السعودية وقطر، بعد خلافات طويلة بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي لعدة أسباب، أبرزها اتهام هذه الدول قطر بدعم المتطرفين في المنطقة. تزامن الحدث مع مصالحة أخرى بين مصر وتركيا، حين دعت الكويت إلى اجتماع بين مسؤولين من مصر وتركيا، لبحث الخلافات بين البلدين، لإنهاء سنواتٍ من الخصومة.

وقبل خمس سنوات، استضافت الإمارة مؤتمراً شعبياً ضم الفريقين المتخاصمين في اليمن (جماعة علي عبد الله الصالح من جهة، وجماعة الحوثيين من جهة أخرى). وفي مطلع التسعينيات من القرن الماضي، عقب انتهاء الحرب الكويتية العراقية المعروفة، تصالحت الكويت مع الدول التي كانت داعمةً للرئيس العراقي صدام حسين.

من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي الكويتي، الدكتور عبد العزيز القطان، لرصيف22: "الترتيبات، سواء التصريحات الآتية من مسؤولين في السعودية، أو في الإمارات، أو في قطر، وغيرها، تمثّل منظومة مجلس التعاون الخليجي، وقرار وقف منح التأشيرات للبنانيين أمر بديهيّ، طالما لا توجد ممثلية كويتية دبلوماسية في لبنان".

 "المواطنون والمقيمون المتعاملون مع حزب الله (سواء الكويتي أو اللبناني)، أوقِفوا، ويتم التحقيق معهم حتى الساعة. والقضية ليست معاداة شعب لبنان، لأنه كما ذكرت هناك مواطنون أيضاً في القضية"

أما عن قضية ترحيل اللبنانيين التي تُعدّ النقطة الأهم من الخلافات كلها بين الدولتين، يقول القطّان: "جهاز أمن الدولة أوقف مقيمين من جنسيات عدة، لهم ارتباط وثيق بتمويل حزب الله، أو دعمه، وهذه المعلومات الاستخباراتية التي توافرت لدولة الكويت، وصلت من الإمارات والسعودية، لتتخذ حكومتنا الإجراءات في حق مقيمين ومواطنين، وهنا النقطة الأهم".

ويضيف: "المواطنون والمقيمون المتعاملون مع حزب الله (سواء الكويتي أو اللبناني)، أوقِفوا، ويتم التحقيق معهم حتى الساعة. منهم من أُخلي سبيله، وبعضهم قيد التحقيق، ولا بد من الإشارة إلى أن القضية ليست معاداة شعب لبنان، لأنه كما ذكرت هناك مواطنون أيضاً في القضية"، مشدداً على أنه "حتى اللحظة، وطالما لم يصدر أي قرار اتهامي من النيابة العامة الكويتية، لا نستطيع أن نقول متهمين، بل موقوفين".

ويلفت القطّان إلى أن أحداً لا يعلم عدد اللبنانيين الموقوفين في الشبكة الأخيرة، فمنهم من يقول ثمانية، وبعضهم يقول عشرة، وآخرون 15 موقوفاً، لذا لا يمكن تخمين الأعداد، أو إصدار التهم، طالما أن التحقيق لا يزال مستمراً. هناك تضخيم إعلامي من الأطراف الكويتية والخليجية واللبنانية كافة، حول تلك القضية. هذا التضخيم يحدث من دون الرجوع إلى أي مصدر موثوق".

ألقى جهاز أمن الدولة الكويتي في الرابع من تشرين ثاني/ نوفمبر الجاري، القبض على مجموعة متعاونة مع "حزب الله"، بتهمة تجنيد الشباب للعمل في سوريا واليمن، وذلك قبيل محاولة اغتيال رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي.

وألقى جهاز أمن الدولة الكويتي في الرابع من تشرين ثاني/ نوفمبر الجاري، القبض على مجموعة متعاونة مع "حزب الله"، بتهمة تجنيد الشباب للعمل في سوريا واليمن، وذلك قبيل محاولة اغتيال رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي. وحسب وسائل إعلامية كويتية، تقف خلفها ميليشيات مماثلة مدعومة من إيران. ومن بين المجموعة أربعة أشخاص، أحدهم ابن نائب سابق، وآخر شقيق نائب سابق أيضاً، وثالث ورد اسمه في قضايا سابقة منذ خطف طائرة الجابرية في الثمانينيات، ورابع يُقال إنه من كبار رجال العمل الخيري، من دون أي ذكر لجنسية هؤلاء الأشخاص.

ويفنّد القطّان تاريخ حزب الله في الكويت، بدءاً من العام 1983، فيقول: "مارس حزب الله أول أنشطته المسلّحة خارج لبنان، وكانت في هذا البلد، حين نفّذ سلسلة تفجيرات متزامنة استهدفت منشآت حيوية كان من بينها مطار الكويت الدولي، ومصفاة نفط رئيسية، بالإضافة إلى سفارتَي كلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا".

ويتابع في هذا الصدد: "الحرب الباردة بين الكويت وإيران تبلورت في جزء منها من خلال حزب الله، وفروعه في دول الخليج، وأبرزها: قضية خطف طائرة الجابرية عام 1988، والتي كانت آتيةً من بانكوك، وقبلها في العام 1984 اختُطفت طائرة كويتية من قبل أربعة لبنانيين، وأجبروها على تغيير مسارها إلى طهران، مطالبين بالإفراج عن عدد ممن اعتقلتهم الكويت، لضلوعهم في التفجيرات، فضلاً عن محاولة اغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، منتصف العام 1985، عبر سيارة مفخخة، وتفجير مقاهٍ شعبية أدى إلى مقتل العشرات في العام ذاته".

يؤكد وزير الإعلام الكويتي السابق سعد العجمي، أن "الإجراءات ليست ضد الشيعة، فهناك العشرات من السُنّة في الكويت يقبعون في السجون لتورّطهم في تمويل تلك الجهات الإرهابية، سواء حزب الله أو غيرها".

ويصف الإعلام الكويتي "خلية العبدلي"، بأنها من أخطر الخلايا الإرهابية التي ظهرت في الكويت في الألفية الجديدة، وهي خليّة تابعة لحزب الله الكويتي (تأسس في فترة الثمانينيات على يد مجموعة من شيعة الكويت كانت تدرس في الحوزة الدينية في مدينة قم الإيرانية)، تم اكتشافها عام 2015 في المدينة الحدودية مع العراق، حيث عُثر على كمية أسلحة ضخمة مهرّبة من الأخيرة، كانت كفيلةً بحدوث انقلاب في البلد.

في هذا السياق، يؤكد وزير الإعلام الكويتي السابق والأكاديمي الحالي، سعد العجمي، لرصيف22، أن "حزب الله وصل به الأمر إلى تدريب خلاياه في الكويت، وتنشيط حركة التشيّع، ما بات يشكّل خطراً على أمن دولتنا ودول الخليج"، ويضيف: "لنتفق على مسألة مهمة، الإجراءات ليست ضد الشيعة، فهناك العشرات من السُنّة في الكويت يقبعون في السجون لتورّطهم في تمويل تلك الجهات الإرهابية، سواء حزب الله أو غيرها".

"الكويت قد تعيد النظر في قرارها بحق اللبنايين، وتلجأ من خلال قاعدة البيانات الأمنية إلى دراسة ملف كل مقيم على حدة، ومن يُثبت تورطه بشكل مباشر، أو غير مباشر، مع حزب الله، ستُتخذ إجراءات بحقه".

من وجهة نظره، "الكويت قد تعيد النظر في قرارها بحق اللبنايين، وتلجأ من خلال قاعدة البيانات الأمنية إلى دراسة ملف كل مقيم على حدة، ومن يُثبت تورطه بشكل مباشر، أو غير مباشر، مع حزب الله، ستُتخذ إجراءات بحقه".

يتجنّب الوزير السابق الحديث في العواطف، فهو يرى أن "القرار المجحف بحق جميع اللبنانيين (منح التأشيرات إلى الكويت)، أمر طبيعي، طالما أن لبنان مخطوف من إيران، وأيضاً لا ذنب للكوتيين في تحمّل إرهاب حزب لبناني حاكم، فكلا الدولتين تخافان على مصالح أبنائها بكل بساطة".

وبالعودة إلى ملف التوقيفات، يوضح مصدر حقوقي كويتي "مسألة مهمة حدث فيها التباس ورد في الوسائل الإعلامية اللبنانية والخليجية، متعلقة بعدد المقيمين الذين رُفض تجديد إقامتهم، وعدد الموقوفين في قضية التواصل مع حزب الله، ففي القضية الأولى تم رفض تجديد إقامة مئة مقيم من جنسيات عربية وآسيوية عدة، للاشتباه في انتمائهم، أو انتماء أقاربهم من الدرجة الأولى، أو الثانية، إلى حزب الله، لكن في قضية خلية الحزب، أوقف 20 شخصاً متهمون مباشرةً بالتعامل معه".

ويتابع المصدر أنّ "النيابة العامة الكويتية قررت استمرار حجز 18 متهماً من جنسيات عدة (بينهم مصريون، وبنغاليون، وإيرانيون، وباكستانيون)، بعد ساعات طويلة من التحقيقات لم تسفر حتى الساعة سوى عن إنكار التهم الموجهة إليهم".

وحسب كلامه، "فإن ما يخص أحد الموقوفين اللبنانيين (كان منتسباً سابقاً إلى حركة أمل)، فقد وُجهت إليه تهمة المشاركة عام 1998 في معارك مع المقاومة الإسلامية، وكان رده أنه قاوم ضد إسرائيل التي كانت تحتل الجنوب آنذاك، وهو ترك لبنان منذ فترة طويلة".

ويختم بالقول: "حتى اللحظة، الموقوف في حالة المشتبه به، وليس متهماً، ولم يعترف بشيء، لكن رصيده المصرفي الضخم، وحيازته عدداً من العقارات، توسّع دائرة الاشتباه به، وتخضعه للاستجواب ليجيب على سؤال "من أين لك هذا؟".

"صحيح أن الكويت هي راعية المصالحات، وكانت الداعمة الأولى للبنان منذ السبعينيات، لكن الخلاف والاختلاف بين لبنان والدول العربية اليوم، كبير"

يتفق كلٌّ من وزير الإعلام الكويتي السابق سعد العجمي، والباحث والمحلل السياسي عبد العزيز القطان، على أنه "صحيح أن الكويت هي راعية المصالحات في دول المنطقة، وكانت الداعمة الأولى للبنان منذ السبعينيات، لكن الخلاف والاختلاف بين لبنان وبقية الدول العربية اليوم، كبير"، وحسب العجمي: "مهما كانت محبتنا للبنان، وتقديرنا لشعبه، إلا أن الكويت لن تساوم على استقرارها الأمني، واستقرار شعبها. ملف لبنان مختلف كلياً عن ملف قطر والسعودية وغيرها".

اللافت في كُل ذلك ما يقوله القطان الذي يلفت النظر إلى أن "الدول الخليجية التي لها علاقات استثمارية مع رجال أعمال من لبنان، لن تستطيع اتخاذ موقف كامل من لبنان، مثال على ذلك، الأزمة الإيرانية مع الإمارات، فالأخيرة لم تقطع العلاقات التجارية مع الأولى، وهناك مئات الشركات الإيرانية التي تعمل في الإمارات. هذه هي السياسة، ولا أعتقد أن هناك إجراءات أكثر صرامةً ستُتخذ بعد بحق لبنان".  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard