وزير العمل اللبناني يُشرّع عمل الفلسطينيين... دافع أخلاقي-اقتصادي أو "هزّ عصا" لجبران باسيل؟

الخميس 9 ديسمبر 202107:16 م

أصدر وزير العمل اللبناني، مصطفى بيرم، يوم أمس الأربعاء، قراراً وزارياً يعدّل القانون المتعلّق بحصر عددٍ من المهن، باللبنانيين فحسب، وفكّ الحظر المفروض على الفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية، والأجانب المولودين لأمٍّ لبنانية، أو المتزوّجين من لبنانية، والمولودين في لبنان من حملة بطاقة مكتومي القيد، بيد أن القانون تشوبه أمور عدة، وقد يحمل في طيّاته جزءاً من الخلاف السياسي بين حزب الله (وحركة أمل ضمناً)، والتيار الوطني الحر.

وفي قرار الوزير بيرم، تتراوح المهن بين المهن الحرّة، كالهندسة والطب، ومهنٍ أخرى في قطاعات خدماتية وحرفية وإعلامية ومصرفية، وبعض المهن في الإدارات والمؤسّسات العامة. كما حدّد القانون نسب ذوي الإعاقة الواجب توظيفهم في مؤسّسات القطاع الخاص، حسب العدد الإجمالي للموظّفين.

يقدَّر عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بنحو 200 ألف لاجئ، وفق تقديرات الأمم المتحدة، يتوزّع معظمهم على 12 مخيماً، ومناطق سكنية أخرى

والمرة الأولى التي فُرض فيها "الحظر المهني" على اللاجئين الفلسطينيّين، كانت عام 1982، وكانت 24 مهنةً، ثم ارتفع العدد إلى 37 مهنةً أيام رئاسة أمين الجميّل، و73 مهنةً في عهد عبد الله الأمين في وزارة العمل في التسعينيات من القرن المنصرم. وقد شهدت المخيّمات الفلسطينيّة احتجاجاتٍ قبل عامين، مع تفعيل وزير العمل السابق كميل أبو سليمان، قوانين المنع بحقّ اللاجئين الفلسطينيّين.

ويقدَّر عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بنحو 200 ألف لاجئ، وفق تقديرات الأمم المتحدة، يتوزّع معظمهم على 12 مخيماً، ومناطق سكنية أخرى. ولكن خطوة الوزير بيرم لم تخلُ من بعض الشوائب، إذ إنها منوطةٌ بالفترة الوزارية لبيرم، ويستطيع أي وزير عملٍ قادمٍ أن يلغي مفاعيلها. كما أنها حددت أن الاستثناءات تحصل لأجنبي واحدٍ في كل مؤسّسةٍ، مقابل كل ثلاثة لبنانيّين، مما يعقّد تطبيق القرار الوزاري بشكلٍ كامل.

وفي ردٍّ على أسئلة رصيف22، يُشير مكتب الوزير إلى أن مضامين القرار لا تُعقّد تطبيقه، "لأن القانون يعطي الوزير الاستنسابية في التطبيق. فالقانون في الأساس موجود، ولكن الوزراء السابقين لم يفعّلوه، وكل ما قام به الوزير بيرم هو قانوني، ويجب أن يصدر سنوياً في شهر كانون الأول/ ديسمبر".

خطوة الوزير لم تخلُ من بعض الشوائب، إذ إنها منوطةٌ بالفترة الوزارية لبيرم، ويستطيع أي وزير عملٍ قادمٍ أن يلغي مفاعيلها. كما أنها حددت أن الاستثناءات تحصل لأجنبي واحدٍ في كل مؤسّسةٍ، مقابل كل ثلاثة لبنانيّين

وذكر مكتب الوزير، أن "ما كان ممنوعاً ومحظوراً في القوانين والمراسيم والأنظمة النقابيّة وغيرها، ما زال ممنوعاً، وهو باقٍ على حاله. وأنّ ما سمح به الوزير هو توسعة نسبة العمالة الفلسطينيّة فحسب، وضمن ما تتيحه القوانين، ومن صلاحيّات الوزير حصراً".

قال الوزير بيرم، في تصريحاتٍ صحافية، عن توقيت القرار، إن "الجانب الأخلاقي والفائدة الاقتصادية هما الدافعان وراء قرار عمل الفلسطينيين". ويُذكر أنه قد أكّد في حديثٍ إلى تلفزيون فلسطين، في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، أنه سيعمل على تعديل القوانين، مع مجلس النواب، التي "تحول دون إنصاف الفلسطيني في لبنان، في ما يتعلق بحقوق العمل، بما لا يتعارض مع القوانين اللبنانية ومصلحة العامل اللبناني"، مشيراً إلى أن "الفلسطيني هو عاملٌ مُساعدٌ في تنشيط الدورة الاقتصادية اللبنانية، لأنه يُنفق ويعمل هنا، ويُساهم في تطوير الاقتصاد اللبناني"، وواعداً اللاجئين الفلسطينيين بأن يعمل على "تعزيز العمالة الفلسطينية في لبنان، وتوسيعها، مع مراعاة الواقع اللبناني".

في ردٍّ على أسئلة رصيف22، يُشير مكتب الوزير إلى أن مضامين القرار لا تُعقّد تطبيقه، "لأن القانون يعطي الوزير الاستنسابية في التطبيق

أطراف فلسطينية رسمية عدّة أيّدت قرار الوزير، إذ رأت لجان المقاومة في فلسطين، أن "هذا القرار بداية لإقرار الحقوق المدنية والإنسانية للّاجئين الفلسطينيين في لبنان، على قاعدة التمسّك بحق العودة، ورفض التوطين".

ورحّبت الفصائل الفلسطينية في لبنان بالقرار، وقالت في بيانٍ إنها تثمّن خطوة وزير العمل اللبناني، بحيث وسّع هامش فرصة العمل للعامل الفلسطيني، وأضاف بيان الفصائل الفلسطينية: "إننا في قيادة التحالف، ومعنا شعبنا الفلسطيني، نقدّر هذه الخطوة المهمة، ونعدّها خطوةً في الاتجاه الصحيح، وفي الوقت المناسب، في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي يعيشها أهلنا في لبنان".

ومن جهته، أوضح منتدى الأعمال الفلسطيني اللبناني، أن هذا القرار جاء "ليزيل إجحافاً لحق اللاجئ الفلسطيني لسنوات، فيعيد له الحق في ممارسة مهنٍ سبق وحُرم من مزاولتها... كما أنه قرار يليق باحتضان لبنان وشعبه لقضية اللاجئين، والحرص على التخفيف عن أهلنا اللاجئين ما يتشاركون فيه مع إخوتهم اللبنانيين، من تلّقي تداعيات الأزمات الكارثية التي تحاصرهم في معيشتهم وصحتهم وأعمالهم".

قال المتحدث باسم القوات اللبنانية، إن قانون العمل يسمو على القرارات الحكومية الفردية، و"لا أدري كيف سيكون الشقّ التنفيذي بهذه الحال"

ولكن على المقلب الآخر، قال المتحدث باسم حزب القوات اللبنانية، جاد دميان، إن قانون العمل يسمو على القرارات الحكومية الفردية، و"لا أدري كيف سيكون الشقّ التنفيذي في هذه الحال"، متسائلاً عن "إجازات عملٍ تُعطى من بعض الوزارات، فهل هذا سيستمر؟ وهل كل النقابات ستفتح المجال للأجانب؟".

أما اقتصادياً، فقالت الصحافية الاقتصادية محاسن مرسل، إنه "لا جديد في قرار الوزير، فهو يستطيع أن يسمح لعمل الأجانب ضمن إطار القانون، "ولكن في النهاية هناك نقابات وأصحاب مهن حرة هي من تقرر عملياً إن كان القرار سيسري، أم لا، ولا يستطيع الوزير فرض إطار العمل عليهم"، مضيفةً أن "اللاجئين السوريين أثّروا على عمل اللبنانيين، لأن اللبناني يرفض أن يقوم ببعض الأعمال، التي لا يمانع اللاجئ السوري والفلسطيني في القيام بها، لا سيما الحرفية منها".

القرار لا يُفرض على المؤسسات، والأمر يعود إلى النقابات والمهن الحرة. الفلسطينيون والسوريون سُمح لهم بمزاولة مهن عدة، ومنهم من يمارس مهنة الطب، على سبيل المثال، ولكن بطريقةٍ مقنّعة

ومن ناحية التأثير على الاقتصاد اللبناني، نفت مرسل، وجود ذلك لأن القرار لا يُفرض على المؤسسات، والأمر يعود إلى النقابات والمهن الحرة، موضحةً أن "الفلسطينيين والسوريين سُمح لهم بمزاولة مهن عدة، ومنهم من يمارس مهنة الطب، على سبيل المثال، ولكن بطريقةٍ مقنّعة، بيد أن الأمر يعود إلى نقابة الأطباء للموافقة على ذلك، وليس إلى الوزارة".

سياسياً، اعترض رئيس التيار الوطني الحر، النائب جبران باسيل، على القرار الهادف لـ"التوطين المقنّع"، على حدّ تعبيره، قائلاً: "قرار وزير العمل مصطفى بيرم السماح للفلسطينيين ومكتومي القيد بممارسة عشرات المهن المحصورة باللبنانيين، مخالف لقانون العمل، وللدستور، وهو توطين مقنّع ومرفوض"، داعياً "النقابات لكسره أمام مجلس شورى الدولة، واللبنانيين لعدم الالتزام به. لن يمرّ الموضوع هكذا! ولن نسمح بسلب اللبنانيين وظائفهم في هذه الظروف".

هذا الرأي يتقاطع أيضاً مع بعض المسؤولين من حزب القوات اللبنانية الذين يرون أن "القرار يحمل أخطاراً عديدةً، وتطبيقه قد أن يكون مقنَّعاً، إذ يجعل الأجانب يعملون في لبنان، وتحوير القوانين ليس هناك مراسيم تطبيقية لتحديده"، حسب عضو تكتل الجمهورية (القوات) النائب عماد واكيم، الذي أضاف لرصيف22، أنه لدى التيار الوطني الحر الحق في الاحتجاج على القرار، "ولكن هناك كلاماً شعبوياً من جبران لتسعير المشكلات بين المسيحيين والمسلمين".

ورجّح واكيم أن الأمر يعود إلى التوترات، والخلاف بين باسيل من جهة، وحزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري من جهةٍ أخرى، وأضاف أن "باسيل والرئيس (ميشال عون) يقومان بمعركةٍ لباسيل، ولكن هناك استحالةً لوصوله كرئيس للجمهورية، لسقوطه شعبياً عند المسيحيين"، على حدّ تعبيره، وأشار إلى تفضيل حزب الله النائب سليمان فرنجية على باسيل، لمعركة الرئاسة الأولى القادمة.

الأمر يعود إلى التوترات، والخلاف بين باسيل من جهة، وحزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري من جهةٍ أخرى. باسيل والرئيس عون يقومان بمعركةٍ لباسيل، ولكن هناك استحالةً لوصوله كرئيس للجمهورية

وأضاف واكيم أنه في السياسة أي "مشكل" تستطيع أن "تستخدمه في البيع والشراء... نرخي هنا، ونشدّ هناك"، مستشهداً بالخلاف بين الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر في ما يخصّ مسألة القضاء، إذ إن "باسيل لم يتخلَّ عن (المحقّق العدلي) البيطار، كي لا يخسر جمهوراً مسيحياً، ولكن قد يتخلّى عنه مقابل كسب الدائرة 16 في الانتخابات النيابية القادمة (6 نواب)، نظراً إلى أن الثنائي الشيعي شبه ضامنٍ للأصوات في الجنوب والبقاع".

وأشار النائب القواتي إلى أن هناك اتفاقيةً بين باسيل والثنائي الشيعي في ما يخصّ مسألة القضاء، عبر موافقة الأول على فتح المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، كي "تُفتح للتيار الدائرة 16، ولكن باسيل متردد لأن الأمر سيضرّ بصورته أكثر أمام الجمهور المسيحي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard