الرقابة التي تستر والحرية التي تفضح

الأحد 5 ديسمبر 202101:45 م

مازالت الرقابة على المصنّفات الأدبية والفنية قائمة في أغلب دول العالم بأشكال مختلفة، وتشتد أكثر في الدول غير الديمقراطية. وكشف لنا تاريخ الرقابة أن الأعمال الأدبية التي لوحقت، حققت بعد ذلك نجاحاً كبيراً بسبب ريادتها وأفكارها من ناحية، ونبوغ أصحابها من ناحية أخرى.

فلا أحد انتقدها فنياً بعد تحريرها إلا نادراً، بل كان تحريرها حدثاً فنياً كبيراً، لأنه أضاف علامات وأيقونات عززت المكتبة السينمائية أو الأدبية.

مثل "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول، و"لوليتا" لفلاديمير نابوكوف، و"مدام بوفاري" لفلوبير، و"كانديد" لفولتير، و"مدار السرطان" لهنري ميللر، و"مزرعة الحيوان" و"1984" لجورج أورويل، و"دكتور جيفاغو" لبوريس باسترناك، و"الحارس في حقل الشوفان" لجيروم ديفيد سالينجر، و"السيد الرئيس" لميغل أنخل أستورياس، و"عالم جديد جريء" لألدوس هكسلي، و"عشيق الليدي تشاترلي" و"عوليس "لجيمس جويس، و"كوخ العم توم" لهارييت بيتشر ستاو، و"المسخ" لكافكا، و"عناقيد الغضب" لجون شتاينبيك، و"عواء" لآلن غينسبرغ، وحتى أعمال مثل "الغذاء العاري" لوليام س. بوروز، أو "آيات شيطانية" لسلمان رشدي، و"شيفرة دافنشي" لدان براون التي اختلف حول قيمتها ومضامينها، ظلت أعمالاً طلائعية.

وينسحب ذلك على السينما العالمية التي عانت من المصادرة والملاحقة، ولكن النقد أنصفها عندما ظهرت للناس، من فيلم "بيبي دول" لإيليا كازان، إلى فيلم "برسبوليس" لمرجان ساترابي، مروراً بـ"البرتقالة الآلية" لستانلي كوبريك، وأفلام فيلليني وغيرها من أفلام كبار المخرجين التي مُنعت من العرض.

الرقابة و تحصين صنع الرداءة

غير أن الكثير من الأعمال الأدبية والفنية العربية سترت ضعفها الرقابة وفضحتها الحرية، وأثبت لنا تاريخ الأدب كما تاريخ السينما أن الأنظمة الشوفينية والشمولية ساهمت في صنع أبطال وهميين، هلّل لهم الناس فقط لأنهم تعرضوا للرقابة، فتعطي تجربة المنع، كما تجربة السجن، حصانة لتلك الأعمال وأصحابها، فلا يقترب منها النقاد، كأنما كسبت بتلك التجربة التصادمية مع السلطة قداسة.

وكلما انتُقد عمل من تلك الأعمال ذكّر أنه تعرّض للمنع. ولأن السلطة القامعة عادة لا تقدم أسباباً حول منع عرض وتوزيع العمل الفني، تتفشى الإشاعات التي تؤسطر المصنّف الذي لم يظهر، ومتى سقطت تلك السلطة أو تراجعت تلك الرقابة وأطلق العمل الفني، رُفع في وجه كل منتقد للعمل عبارة "هذا عمل منعته السلطة".

مازالت الرقابة على المصنّفات الأدبية والفنية قائمة في أغلب دول العالم بأشكال مختلفة، وتشتد أكثر في الدول غير الديمقراطية. وكشف لنا تاريخ الرقابة أن الأعمال الأدبية التي لوحقت، حققت بعد ذلك نجاحاً كبيراً بسبب ريادتها وأفكارها من ناحية، ونبوغ أصحابها من ناحية أخرى

حجبت الرقابة العربية أعمالاً غاية في الضعف، كان خروجها سيسيئ إلى المشاركين فيها أو أصحابها، وجعلت منهم أبطالاً ممنوعين. لكن نشر تلك الأعمال بعد أن زالت الرقابة شكّل فضيحة فنية للبعض ولم ينج منها إلا من رحل.

فيلم حائط البطولات النموذج

من الأعمال السينمائية التي ظلت مصادرة سنوات في مصر (12 سنة) فيلم "حائط البطولات"، من إنتاج شركة "قطاع الإنتاج" لعام 1999، ومن إخراج محمد راضي، وقصة إبراهيم رشاد وسيناريو وحوار مصطفى بدر ومحمد راضي وإبراهيم رشاد.

وجُنّد له كبار نجوم السينما والدراما؛ محمود ياسين وفاروق الفيشاوي وأحمد بدير وحنان ترك وخالد النبوي وعايدة عبد العزيز ومجدي كامل وندى بسيوني ومها أحمد وبهاء ثروت وخليل مرسي وحجاج عبد العظيم وسميرة محسن وثريا إبراهيم وغسان مطر ومحمد خيري وطارق النهري وغادة إبراهيم، ورصدت له ميزانية تقدر ب 16 مليون جنيه، وهو مبلغ محترم جداً في تلك السنوات.

فيلم عن حرب الاستنزاف

تدور أحداث الفيلم حول ما يعرف بحرب الاستنزاف والغارات الجوية للجيش الإسرائيلي والتي استهدفت أهدافاً مدنية وأخرى عسكرية، وما خلفته تلك الغارات من فظاعات، كقصف مدارس ومنصات صواريخ، ما جعل بعض عناصر الجيش المصري يعتبرون واجب الرد عليها يُعتبر ثأراً، وقاد هذا المخيال الجندي الصعيدي (الذي قام بدوره الفنان أحد بدير) الذي قُتل ابنه الوحيد في القصف على المدرسة.

ويراوح الفيلم بين الحياة الخاصة للمجندين والقادة وساحة المعركة وغرف العمليات، مع الاستعانة بمشاهد من أرشيف الحرب.

منع الفيلم

تُرجع كل الأخبار أن منع الفيلم تم بأمر من الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتُرجع الأخبار سبب المنع إلى عدم رضا مبارك عن الصورة التي قُدّمت بها الحرب، والتي يُرجع فيها المخرج انتصار 6 أكتوبر إلى سلاح الدفاع الجوي لا لسلاح الطيران الذي كان يمثله مبارك.

أثبت لنا تاريخ الأدب كما تاريخ السينما أن الأنظمة الشوفينية والشمولية ساهمت في صنع أبطال وهميين، هلّل لهم الناس فقط لأنهم تعرضوا للرقابة، فتعطي تجربة المنع، كما تجربة السجن، حصانة لتلك الأعمال وأصحابها

أما إجابة محمود ياسين عن سؤال لماذا تأخر وهو يخرج من أول عرض له سنة 2014، فأرجع ذلك إلى عمليات تثبّت من الأمور العسكرية وأمور تخص مدرسة الجيش، وهو تصريح غريب! كيف ينتج فيلم سنة 1998/1999 بالكامل ويُستعان فيه بمتعلقات الجيش والمدرعات ووثائق وأماكن عسكرية دون التثبّت من سيناريو الفيلم نفسه وما يقدمه من معلومات.

وهو ما يؤكده المخرج الذي صرّح أن الفيلم أنجز بطلب من التلفزيون المصري وبموافقة الجيش والطيران المصري، وكتب السيناريو وروجع تحت رقابتهم، المتمثّلة في المشير علي فهمي، قائد قوات الدفاع الجوي في فترة حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وتم استدعاء جميع الضباط الذين شاركوا وحاربوا في ذلك الوقت، وتم التثبّت ومراجعة كل المواقع والأحداث، واعتبره وثيقة هامة جدا في التاريخ العسكري المصري.

ويؤكد أن مقربين من مبارك قالوا له إنه فيلم عن الدفاع الجوي ويبخس دور الطيران الجوي.

أداء باهت وضعيف لنجوم السينما

وعندما عرض سنة 2014 شكل صدمة للمتفرجين، وتساءلنا كيف يرضى كل هؤلاء المشاركة في فيلم ضعيف كل هذا الضعف، من السيناريو إلى الإخراج إلى أداء معظم الممثلين. حيث ظهر محمود ياسين، صاحب أكثر من 150 فيلماً، في صورة سيئة جداً، يسرد نصاً ثقيلاً سيء الحفظ، وهو الذي يُعتبر ليس صاحب لقب "فتى الشاشة " فقط، بل أكثر ممثل شارك في أفلام متعلقة بالحرب ضد إسرائيل التي يدور الفيلم في فلكها.

وقد ظل مرابطاً في مكتبه يرد على الهاتف فقط، في صورة تعكس هزيمة كاملة، بل حتى نجاح بعض العمليات لم تغير من حالته النفسية أو في أدائه الذي جعله يقدم شخصية سطحية جداً، محدودة، متلعثمة في حفظها للدور.

حجبت الرقابة العربية أعمالاً غاية في الضعف، كان خروجها سيسيئ إلى المشاركين فيها أو أصحابها، وجعلت منهم أبطالاً ممنوعين. لكن نشر تلك الأعمال بعد أن زالت الرقابة شكّل فضيحة فنية للبعض ولم ينج منها إلا من رحل

وينسحب الأمر على الفنان فاروق الفيشاوي الذي عمل جاهداً على إعطاء لدوره قيمة وللشخصية عمقاً دون جدوى، مثله مثل أحمد بدير، الذي قدم صورة كليشيه للصعيدي الذي يريد أن يثأر، والذي يجعله الانتصار ينتصر في الفراش وتحبل زوجته من جديد، وحتى هذه الفكرة الكليشيه لم يقع استغلالها جيداً، لأن قدسية الجندي المصري وصورته جعل كتّاب السيناريو الكثر لا يظهرون الوقع النفسي للهزيمة على الجندي في الفراش.

أما خالد نبوي فبدا دوره غير منطقي، لجندي متفتح يصر على الارتباط والزواج بعد مجزرة ألحقتها إسرائيل بالمدنيين ورفاقه من الجنود، ويعود بعد الغارة مباشرة فرحاً ضاحكاً مازحاً كأنما لم يحدث شيء.

ويسند ذلك الضعف تغييب كلي للرأي العام ورؤيته وموقفه من الحرب، فغابت المقاهي والأخبار والراديو والصحف، وكأن العالم كله جنود على الجبهة، وقادة في المكاتب، وجنود يركضون إلى ديارهم، يتوسلون الإجازات في غير وقتها، وقادة يديرون حرب استنزاف يحضرون حفلات زفاف صاخبة في الصعيد.

سيناريو ضعيف وتصوير رديء

لا يرتقي هذا الفيلم ليمثل السينما المصرية في أواخر التسعينيات، ولا ليقدم موضوعاً حساساً مثل حرب الاستنزاف، فلئن جُنّد للفيلم كبار الممثلين، فإن الأداء كان ضعيفاً، بسبب سوء السيناريو من ناحية، حيث لا نكاد نسمع بين الجنود والقادة إلا استعراضاً لأنواع الأسلحة وخططاً عسكرية مكتوبة بشكل رديء، يتلعثم الممثلون في ذكرها وأرقاماً عسكرية.

كما يسجل الفيلم إدارة سيئة للممثلين، حيث لم ينجح المخرج في إدخالهم الفيلم، بل ظلوا خارجه تماماً، حيث لم يلمس المتلقي ذلك الصدق الذي يصل إليه الممثل بعد تقمص الدور وتبنيه، بل كان الفيلم كأنه بروفة أولية، كل الأحاسيس كانت مصطنعة.

أما الديكورات فكانت فقيرة وأحياناً مضحكة، فمكاتب القادة الإسرائيليين لا تصدق، وتكشف عن فقر في الخيال، وكذلك مكاتب إدارة العمليات بالقاعدة الجوية. ونفس الشيء في اختيار اللغة العربية التي تحدث بها القادة الإسرائيليون وتلك النبرة المسرحية المدرسية .

لا يبدو أن سقوط الرقابة كان لصالح تاريخ الممثلين ولا حتى المنفذين، لأنه سيبقى من أضعف الأعمال التي قدمت في تاريخ السينما المصرية عن الحرب، ولا ينافسه في الرداءة الإخراجية ورداءة الديكور والأداء إلا "الكتيبة 418".

وسنبقى كلما قرأنا عملاً أدبياً أو فنياً ضعيفاً هولت منه الرقابة، نقول شكراً للحرية التي أعادت تلك الأعمال إلى حجمها الطبيعي، حتى وإن تحصنت لوقت بقصة المصادرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard