في اللحظات الأخيرة... قرارات "رقابية" تهدد "بانوراما الفيلم الأوروبي" وتقلق جمهورها

الخميس 18 نوفمبر 202109:25 ص

 ينتظر محبّو الأفلام الأوروبية "بانوراما الفيلم الأوروبي" التي تنظمها سنوياً شركة أفلام مصر العالمية وسينما زاوية التابعة لها، إذ تحولت "سينما زاوية" التي أنشئت لعرض الأفلام "غير التجارية" مصدراً شبه وحيد لمشاهدة تلك النوعية من الأفلام. وكانت قد لعبت دوراً في زيادة جماهيريتها في مصر. 

لكن محبي البانوراما كانوا على موعد مع مفاجأة غير سارة قبل ساعات من انطلاق الدورة 14 للبانوراما المقرر لها يوم الأربعاء 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري. إذ بدأ حاجزو الأفلام عبر موقع السينما دوت كوم في تلقي اتصالات هاتفية تخبرهم بإلغاء عرض الأفلام وتسألهم عن الطريقة المناسبة لاستعادة أموال الحجز... 

محبي الأفلام الأوروبية كانوا على موعد مع مفاجأة غير سارة قبل ساعات من انطلاق الدورة 14 للبانوراما، إذ بدأ حاجزو الأفلام في تلقي اتصالات هاتفية تخبرهم بإلغاء عرض الأفلام وتسألهم عن الطريقة المناسبة لاستعادة أموال الحجز

بداية ونهاية؟ 

تأسست البانوراما على يد المنتجة والمخرجة ماريان خوري عام 2004 لتكون تظاهرة سنوية لعرض الأفلام الروائية والتسجيلية الأوروبية، خاصة الحائزة جوائز عالمية مهمة. وظلت الأفلام حتى الدورة 13- التي أقيمت في وقت مبكر من العام الجاري 2021- تعرض بجودة عالية من دون الخضوع لمقص الرقيب.

كانت البداية في دور عرض مستأجرة، ولكن بمرور السنوات ومع تزايد الإقبال  تدريجياً على متابعة أفلام البانوراما، أصبحت عروضها تجري في أكثر من دار عرض في القاهرة وبعض المحافظات، ثم تأسست سينما زاوية عام 2014 في صالة عرض صغيرة ملحقة بسينما أوديون المملوكة لشركة أفلام مصر العالمية لتصبح مركزاً رئيسياً للبانوراما وامتداداً لها، حيث باتت تعرض أفلاماً أوروبية وأفريقية وآسيوية منتقاة على مدار العام، كما باتت تستضيف الأفلام العربية المستقلة والتجريبية التي لا تحظى عادة بفرص عرض جيدة في صالات السينما. هكذا غدت بانوراما الفيلم الأوروبي نقطة انطلاق لمشهد ثقافي يحمل ذائقة مميزة ومتمردة على السينما التجارية العربية والهوليودية، وتحمل طابعاً مستقلاً. إلا أن هذا الاستقلال بات محل شك وتهديد مع انطلاق الدورة الجديدة. 


ارتباك وهجمة "رقابية"

عندما تأسس مهرجان القاهرة السينمائي على يد الكاتب كمال الملاخ، كان استثناء الأفلام المعروضة في المهرجان سواء في مسابقته الرسمية أو في مسابقاته وعروضه الفرعية والجانبية من مقص الرقيب، أحد الشروط التي فرضتها الجمعية الدولية للنقاد كي يحصل المهرجان على صفة الدولية. واستثنت مصر بعدها عروض المهرجانات السينمائية من التدخلات الرقابية.

أثارت هذه التغييرات غضب الجمهور، خاصة أنه لا يوجد تفسير واضح من إدارة المهرجان التي اكتفت عبر صفحتها الرسمية بعبارة "لظروف خارجة عن إرادتنا". وثارت الشكوك بوجود "تدخلات أمنية" تستهدف التضييق على متابعي البانوراما

عام 2016 اختلف الوضع، إذ تدخلت الرقابة على المصنفات الفنية لأول مرة في مهرجان القاهرة السينمائي لتفرض كود عرض حسب الفئة العمرية، وهو ما رحب به متابعو المهرجان من جمهور السينما والفنانين والنقاد. علماً أن علاقة الرقابة على المصنفات الفنية بالمهرجانات السينمائية لا تزيد على المطالبة بوضع لافتة "للكبار فقط" على الأفلام التي تحوي مشاهد جنسية أو تتناول مضامين لا تناسب الصغار. لهذا جاءت قرارات الرقابة بمنع عرض فيلمي "توفي Tove" و"الكابينة رقم  compartment no 6-  6" - الذي أعيد لاحقاً إلى جدول العرض- مفاجأة غير متوقعة. لكنها كانت الأولى في سلسلة من المفاجآت. 

  قبل انطلاقها بساعات قليلة أعلنت الصفحة الرسمية للبانوراما عن تغيير جدول العروض. وبعد إعلان مؤسسة البانوراما المخرجة والمنتجة ماريان خوري عن عودة العمل وإعلان الجدول الجديد، أعلمت جمهور المهرجان بضرورة استخراج كارنيهات مجانية تحدد الفئة العمرية قبل حجز التذاكر، وكذلك منع حجز تذاكر بعض الأفلام من خلال شباك التذاكر واقتصارها على الحجز الإلكتروني من خلال موقع السينما دوت كوم. أما الجدول الذي اعتاد الجمهور فيه عرض الفيلم أكثر من مرة في حفلات وسينمات مختلفة، فقد فوجئ الجمهور بنسخته الجديدة وقد حوت عرضاً واحداً لبعض الأفلام من دون فرصة اخرى لمن قد لا تسمح ظروفهم بمشاهدته في الحفل المعيّن له.


أثارت هذه التغييرات غضب الجمهور، خاصة أنه لا يوجد تفسير واضح من إدارة المهرجان التي اكتفت عبر صفحتها الرسمية بعبارة "لظروف خارجة عن إرادتنا". وثارت الشكوك بوجود "تدخلات أمنية" تستهدف مراقبة جمهور البانوراما أو "تحديث ملفات رواد وسط البلد" كما كتب بعض جمهور البانوراما على صفحاتهم تعليقاً على القرارات المفاجئة. 


وقال الناقد طارق الشناوي لرصيف22: "إن الضجة التي صاحبت عرض فيلم ريش في مهرجان الجونة ربما كانت وراء قرار الرقابة التدخل في الأفلام المعروضة تفادياً لثورة زوابع جديدة. وأضاف: "ربما تكون الضجة هي السبب فى زيادة شراسة الرقابة تجاه الأفلام المعروضة في المهرجانات والفعاليات السينمائية مثل بانوراما الفيلم الأوروبي، لطالما كانت أفلام المهرجانات تعرض على الرقابة أولاً، ولكن ليس من حق الرقابة أن تتدخل بالحذف، من حقها فقط الاعتراض على عرض الفيلم. لكنها دائما ما كانت تعامل أفلام المهرجانات معاملة خاصة، لأن الأفلام المشاركة والجمهور له طبيعة خاصة، وغالباً ما يتم التعامل بالتصنيف العمري وبالتأكيد جمهور المهرجانات والفعاليات المماثلة فوق سن 18 سنة لأنه ليس مهرجاناً للطفل".

الناقد طارق الشناوي: سحب الأفلام بعد إعلان الجدول يعني أن الرقابة كانت قد وافقت على الأفلام ثم تراجعت 

وتابع أنه لا توجد مشكلة فى وضع تصنيف عمري، "ولكن المشكلة الحقيقية فى منع عرض فيلم، هذا التشدد بالتأكيد يؤثر على عمل المهرجانات والفعاليات السينمائية، والقيود الرقابية تلعب دوراً عكسياً، ومرفوضة تماماً. أما التنصيف العمري فمتفق عليه في العالم أجمع لأنه يشكل إلغاءً ضمنياً لفكرة الرقابة والتقييد".

وكشف الشناوي أن سحب الأفلام بعد إعلان الجدول يعني أن الرقابة كانت قد وافقت على الأفلام "لأن ماريان خورى لا تعلن عن مشاركة الأفلام إلا إذا حازت موافقة الرقابة أولا، ورفعها يعنى أنه تم الاعتراض عليها في اللحظات الأخيرة، وفكرة الكارنيهات هي نوع غريب من المزايدة".

أمير رمسيس: أستبعد أن تكون لضجة فيلم ريش علاقة بما حدث وربما يتصل الأمر بضبط الوضع القانوني للبانورما

وقال المخرج أمير رمسيس، المدير الفني السابق لمهرجان الجونة، لرصيف22 إن  وضع البانوراما "ربما يكون مختلفاً عن وضع المهرجانات السينمائية التي تحصل عادة على تصريح بعرض الأفلام للمهرجانات"، مشيراً إلى أنه لا يعرف طبيعة التصريح الذى تحصل عليه البانوراما، و"لكنها بالتأكيد لا بد أن تحصل على موافقة الرقابة. وما حدث ربما يكون متعلقاً بتنظيم الشكل القانوني لعرض الأفلام في البانوراما. ولكن الغريب أن يحدث هذا في اللحظات الأخيرة ومع فاعلية كبيرة من هذا النوع عمرها 17 عاماً وفي دورتها الـ14".

ورجح أن تكون القرارات المربكة متصلة بتقنين أوضاع البانوراما، واستبعد أن تكون للضجة التي صاحبت عرض فيلم ريش علاقة بما جرى.

وأكد رمسيس أنه سبق أن تواصل معه أحد القائمين على تنظيم البانوراما قبل مهرجان الجونة ببعض الوقت، للتعرف على المستندات المطلوبة للتقدم بها لوزارة الثقافة واللجنة العليا للمهرجانات لتقنين أوضاعهم كمهرجان سينمائي والحصول على التصاريح اللازمة.           

واعتبر الناقد عصام زكريا في حديث لرصيف22 أن "الحساسية المتزايدة تجاه الأعمال الفنية الموجودة حالياً لا مبرر لها". وهو ما عدّه "انتكاسة كبيرة وعودة إلى الوراء"، مبدياً غضبه من "المزايدات المستمرة التي تصيب البعض بالخوف"، ومؤكداً أن هناك "حالة من التربص من الطبيعي أن تصيب الرقباء والمسؤولين ومنظمي المهرجانات بالخوف، لأنها تمثل نوعاً من التهديد المستمر. هذا النوع من المناخ وانتقال الخوف من شخص إلى آخر يدفعهم للتخلي عن مسؤولياتهم والاستسلام للمناخ العام ومجاراة المنتقدين".

وأشار إلى أن ما تشهده قاعة البرلمان المصري من طلبات إحاطة وأسئلة تتربص بالفن والإبداع إذ "كل يوم يتقدم نائب بطلب إحاطة جديد ضد فيلم أو مسرحية، وآخر مثالين 'ريش' و'المومس الفاضلة'. أو يقوم محام مغمور برفع قضية على عمل أو فنان. وكأننا استبدلنا ما كان يسمى بالحسبة الدينية التي كان يقوم بها من اعتبروا أنفسهم متحدثين باسم الدين في التسعينيات، بما يسمى الآن بالحسبة الوطنية التي يتولاها أشخاص يعتبرون أنفسهم محتسبين المجتمع باسم الأخلاق والوطنية، ولكن الحقيقة أنها بحث عن منصب أو دور لهم وليس لها علاقة بالأخلاق".


 ويعتبر زكريا أن "محاولات المنع تلك عبثية"، مضيفاً: "العاقل يعي جيداً أننا في زمن لا يمكن منع أي شيء مع التقدم التكنولوجي الحديث، وهذه الحملات تأتى برد فعل عكسي وهو أنها ترفع نسبة الاهتمام بالأعمال الممنوعة، فيبدأ الناس في البحث عنها وقرصنتها على الإنترنت لمشاهدتها كما حدث مع فيلم ريش".

وحاول رصيف22 عدة مرات التواصل مع ماريان خوري وعدد من منظمي المهرجان للتعرف على كواليس ما حدث، وكذلك مع الدكتور خالد عبدالجليل، مدير عام الرقابة العامة على المصنفات الفنية، إلا أننا لم نتلق رداً من أي منهم حتى نشر هذا التقرير. 


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard