أغاني "محظوظة" من التراث المصري أفلتت من رقابة هاني شاكر

الخميس 20 فبراير 202003:17 م

"شروط عضوية أو تصاريح النقابة بالغناء ليست قوامها صلاحية الصوت فقط، ولكن أيضاً هناك شروط عامة يتوجب أن تتوافر في طالب العضوية أو التصريح؛ وهي الالتزام بالقيم العليا للمجتمع والعرف الأخلاقي، واختيار الكلمات التي لا تحض على رذيلة أو عادات سيئة"، هذا ما أوضحه نقيب الموسيقيين المصري، هاني شاكر، في أعقاب أزمة مغنّي المهرجانات، حسن شاكوش وعمر كمال، في استاد القاهرة، بعد الجدل المُثار حول مشاركة الثنائي بأغنيتهم "بنت الجيران" بحفل عيد الحب.

وأكد شاكر في بيان نشرته صحف مصرية، أنه "لا يقبل ما حدث مؤخراً من تجاوز بالألفاظ في حفل أقيم في استاد القاهرة، من أحد هؤلاء، حسن شاكوش، والتعدي بكلمات تخالف العرف القيمي وتتعدى على الرواسخ الثابتة للمجتمع المصري". تجاوز الألفاظ الذي يعنيه شاكر هنا كان ما ورد بكلمات مهرجان "بنت الجيران"، تحديداً مقطع: "تسيبني أكره حياتي وسنيني... أتوه ومش هلاقيني... وأشرب خمور وحشيش".

تاريخ "حافل" يتجاهله شاكر

يتجاهل نقيب المهن الموسيقية المصري حقيقة أن التراث الغنائي المصري المعاصر، خلال آخر 100 عام، حافل بكثير من الأغنيات التي استخدمت كلمات وتعبيرات مشابهة، بل أن الشيخ سيد درويش، غنى لأكثر من نوع من المخدرات ولأصحاب "الكيوف" التي كانت تنتشر في زمنه، نذكر منها "لحن الكوكايين"، "التحفجية" الحشاشين، والمنزولجية "متعاطي المنزول"، الذي كان مخدراً شعبياً انتشر في مصر مطلع القرن العشرين، وورد ذكره في رواية "بين القصرين" للأديب نجيب محفوظ، هنا نرصد 7 أغنيات من التراث الغنائي المصري المعاصر، تخالف العرف القيمي الذي يتحدث عنه هاني شاكر.

يتجاهل نقيب المهن الموسيقية المصري حقيقة أن التراث الغنائي المصري المعاصر، خلال آخر 100 عام، حافل بكثير من الأغنيات التي استخدمت كلمات وتعبيرات "تخالف العرف القيمي"، بل أن الشيخ سيد درويش، غنى لأكثر من نوع من المخدرات ولأصحاب "الكيوف" التي كانت تنتشر في زمنه

أوبريت "العشرة الطيبة"

ربما لو امتلك هاني شاكر هذه الصلاحيات عام 1920، لكان اقتحم مسرح فرقة نجيب الريحاني، ليمنع ملحنها الشاب حينها، سيد درويش، من غناء "على قد الليل ما يطول"، مع حياة صبري. ربما كان ليرى في غزلها الوصفي الصريح تجاوزاً لفظياً يحضّ على الرذيلة. الأغنية عبارة عن ديالوج غزلي بين فلاح وحبيبته، تقول كلماتها التي كتبها بديع خيري:

"أما نهودها فوق عن وقة دانا متبرجل يا حدقة

يا كتاكيتها يا ننوسها يا قطاقيطها يا حنتوسها

اديني بوسة وكمان بوسة

شفّتي بتاكلني انا في عرضك

خليها تسلم على خدك"


لم تُثر هذه الكلمات أي لغط حينها، بل ويعتبر النقاد هذا الأوبريت واحداً من الأوبريتات الخالدة في تاريخ المسرح الغنائي المصري، يبدو أن سيد درويش وفرقة الريحاني كانا أكثر حظاً بعرض هذا الأوبريت للجمهور قبل ميلاد هاني شاكر بأكثر من ثلاثين عاماً.

"ما تخافش عليّ" لعبد اللطيف البنا

في الفترة ما بين 1915 و1923، كان نجم المطرب الشاب عبد اللطيف البنا، عالياً في الوسط الغنائي المصري، يطلبه كثير من الوجهاء لإحياء حفلاتهم، وتمتلئ قاعات المسارح للاستماع له، بقدرته على أداء المقامات والتطريب، وبصوته الناعم كان يغني بضمير المؤنث.

وتضمنت أغانيه الكثير من الإيحاءات الجنسية، التي بالتأكيد سيمنعها هاني شاكر لو استمع لها، نذكر منها: "ارخي الستارة اللي فِ ريحنا"، "إيه رأيك فِ خفافتي"، و"ما تخافش عليّا" التي لحنها الشيخ زكريا أحمد، وتقول كلماتها:

"ولما تشعلل لهاليب نار حبك

أرخي الناموسية... وانام لي شوية

واحبكها واشبكها

بمتين دبوس وأعض وأبوس

وانزل على صورتك... حتتك بتتك

ما تخافش عليا"


بأدائه التمثيلي، انتشرت هذه الأغنيات على كل لسان، إذ يستطيع المستمع أن يتخيل الصورة التي يسمعها عبر صوت حاد، رفيع وأنثوي، وربما أثارت حفيظة البعض، لكنها أعجبت آخرين ولم تُمنع ولم يُمنع مؤديها من الغناء.

"تعال يا شاطر نروح القناطر" لنعيمة المصرية

بأداء غنجي، غنت الست نعيمة المصرية، الملقبة بـ"ملكة الأسطوانات"، العديد من الأغنيات التي "تحضّ على الرذيلة"، بمعايير نقيب المهن الموسيقية المصري الحالي، ومن ألحان الشيخ زكريا أحمد أيضاً نذكر أغنية "تعال يا شاطر"، والتي اشتهرت بـجملة "هات القزازة واقعد لاعبني"، والتي تقول كلماتها من كتابة بديع خيري:

"تعالى يا شاطر نروح القناطر

هاودني ودينك ما تكسر لي خاطر

هات القزازة واقعد لاعبني

دي المزة طازة والحال عاجبني

هنيني بخفتك واسقيني بذمتك

في قربك يا غالي أغني الليالي

كمل صفايا وانت مآنسني"


بالتأكيد القزازة المقصودة والتي تلازمها "المزة" هنا هي زجاجة خمر مثل التي أثارت حفيظة شاكر في مهرجان "بنت الجيران"، لكن زمناً يقارب 100 عام، بين أغنية نعيمة المصرية ومهرجان شاكوش، غيّرت الكثير.

"على مذهب الخلاعة والدلاعة" لأم كلثوم

في العام 1926، كانت الآنسة أم كلثوم القادمة من خلفية دينية، تغني التواشيح والأدوار، وأرادت تجريب شيء جديد، فغنت أغنية غزلية أنثوية توجهها لرجل، من ألحان طبيب الأسنان الوجيه الذي يمارس الموسيقى كهواية، وكلمات الشيخ يونس القاضي، وهي طقطوقة "الخلاعة والدلاعة مذهبي"، التي تقول كلماتها:

"الخلاعة والدلاعة مذهبي

من زمان أهوى صفاها والنبي

لما يخطر حبي عندي بمشيته

تلقى قلبي له يميل من فرحته

شوف دلاله ولا قده وطلعته"


"سلوا كؤوس الطلا"... لأم كلثوم أيضاً

ليست هذه الأغنية الوحيدة التي لا تتفق مع "القيم العليا للمجتمع" التي يصفها هاني شاكر، ثمة أغنية أخرى لكن بالعربية الفصحى، "سلوا كؤوس الطلا" التي نظمها أحمد شوقي ولحنها رياض السنباطي، وتقول كلماتها:

"ما ضر لو جعلت كأسي مراشفها

ولو سقتني بصاف من حمياها

هيفاء كالبان يلتف النسيم بها

ويلفت الطير تحت الوشي عطفاها"


حين غنت أم كلثوم هذه القصيدة عام 1944، كانت تشغل منصب نقيبة الموسيقيين، إذ كانت أول من شغل هذا المنصب، بعدما اقترحت على زملائها وأصدقائها تأسيس نقابة تجمعهم، وكان عدد الحاضرين بأول اجتماع عمومي حينها 160 موسيقياً، كانت الست على رأسهم، وبالتأكيد لم تجد غضاضة في كلمات القصيدة رغم "كؤوس الطلا".

غنت الست نعيمة المصرية، الملقبة بـ"ملكة الأسطوانات"، العديد من الأغنيات التي "تحضّ على الرذيلة"، بمعايير نقيب المهن الموسيقية المصري الحالي، ومن ألحان الشيخ زكريا أحمد أيضاً نذكر أغنية "تعال يا شاطر"، والتي اشتهرت بـجملة "هات القزازة واقعد لاعبني"

"دانتي الكاس وشفايفك حمرا" لكارم محمود

رغم أن كلمات الأغنية التي كتبها الشاعر أحمد منصور ولحنها كارم محمود، تبدأ بـ"دمك خفة وتاج العفة شبكني معاكي"، إلا أن هذا لم يتناقض مع بقية كلمات الأغنية الغزلية التي أنشدها كارم محمود، متغزلاً بحبيبته السمراء:

"سحر الحاجب ده بيتعاجب عالحلوين

شفته بقيت من ناري يا سمرا

تايه كده مش داري يا سمرا

وانتِ الكاس وشفايفك خمرة

يا سمرا يا سمرا حلوة يا سمرا"


الخمر هنا ليست دلالة سلبية على التوهة بعد الانفصال عن الحبيبة، مثل أغنية شاكوش، بل هي الحبيبة نفسها الكأس والخمر، استعارة مثل كثير من استعارات الشعر الأندلسي والعباسي والموشحات والقدود الحلبية، التي تستعمل الخمر وتشبيهاتها، ولكن في مصر الآن أصبح ذكرها في الغناء سبباً للمنع.

"سايس حصان" للشيخ إمام

كان الشيخ إمام ملاحقاً وممنوعاً من الغناء، كما غنى من كلمات أحمد فؤاد نجم في أغنيته "الممنوعات"، لكن منعه كان لأسباب سياسية أكثر منها اجتماعية، تعرّض مع رفيقه نجم للاعتقال والملاحقات لمعارضتهما لسياسات ناصر عقب النكسة، ولسياسات السادات من بعده.

لكن بعيداً عن أغانيهما السياسية، كان للشيخ إمام عدداً من الأغاني العاطفية الغزلية، نذكر منها "سايس حصانك" التي لم تخل من إيحاءات وتصريحات جنسية واضحة، كتب كلماتها الشاعر نجيب شهاب الدين وبالطبع من ألحانه، غنى الشيخ إمام عيسى:

"سايس حصانك ع القنا وتعال

تلقى القوليلة مبخرة وملانة

الصدر مرمر والنهود عريانة

مديت ايدي على النهود اتفرج

نترت دراعي يا دراعي يانا"


لم يكن ممكناً تهديد الشيخ إمام بالفصل أو الشطب من نقابة المهن الموسيقية، إذ لم يكن عضواً بها، لكن هذا لم يمنعه من الغناء وإقامة حفلات بجامعة القاهرة أو جلسات الأصدقاء، أو حتى خارج القطر المصري في تونس ولبنان، ولم يؤثر عليه عدم تسجيله بالنقابة إذ لا تزال أغنياته حية ومحفوظة على المنصات الموسيقية المختلفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard