حاجة الفنان إلى الحنان... عن الوصاية والرقابة كأبرز أمراض مهنة السينما

السبت 23 أكتوبر 202107:55 م

أصارح القراء بأن هذا نصٌّ مشوّشٌ، أبدأه ولا أعرف كيف ينتهي. صيغته الأولى، قبل أيامٍ، ‏استندت إلى قضية الأمراض الملازمة للمهن المختلفة، المهن العضلية والذهنية معاً، عندما تتشابه ‏الأمراض وتنتقل عدواها، وتعبر الحدود والجنسيات واللغات والأجيال‎.‎

على سبيل المثال، يُلازم السينما مرض اسمه الرقابة، أنصبة هذا المرض تزيد وتنقص، تبعاً ‏لإدراك أنظمة الحكم لأهمية السينما. ولا يقل الاستبداد المجتمعي في قضية الرقابة عن الغباوة ‏الرسمية‎.‎

أحياناً تسمح الرقابة الحكومية بعرض فيلمٍ، وتكون أكثر مرونةً من الانغلاق العمومي المرتبط ‏بمنسوب الوعي الاجتماعي، ومدى رؤية هذا الانغلاق للسينما كحكايات تتماهى مع الواقع، أو ‏كاستعارات جمالية بريئة وأحياناً سامّة‎.‎

زهدتُ في هذه الصيغة، وانصرفتُ عنها، ولعلها انصرفتْ عني، أمام حروب كلامية بسبب ‏عرض فيلم "ريش"، في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان الجونة السينمائي الخامس (14 ‏ـ 22 تشرين الأول/أكتوبر 2021). قلت لنفسي إن كلمةً سخيفةً قد تحبط فناناً، وتدعوه إلى ‏الاكتئاب أو الموت. الفنان ليس بالضرورة هو الممثل أو المخرج، إنما الكاتب، هو صاحب أي ‏موهبةٍ فطريةٍ ولو كان صانع جرارٍ فخاريةٍ. ‏

يُلازم السينما مرضٌ اسمه الرقابة، أنصبة هذا المرض تزيد وتنقص، تبعاً لإدراك أنظمة الحكم ‏لأهمية السينما

في عام 1970 مات المؤلف والأديب الروائي المصري، محمد عبد الحليم عبد الله، متأثراً بفظاظة ‏سائقٍ غشيمٍ. وفي عام 1981 أدت كلمةٌ مغلّفةٌ بدعابةٍ قاسيةٍ تحمل شبهة اتهامٍ إلى موت الشاعر ‏المصري، صلاح عبد الصبور. المبدع أعصابه عاريةٌ، فإذا كنت عاجزاً عن قول كلمةٍ طيبةٍ فليتك ‏تلزم الصمت، وتعفي نفسك من الاشتراك في جريمةٍ‎.‎

بعد تعرض ثورة 25 يناير 2011 لعثرتين من قوى الثورة المضادة، كتبتُ مجاملاً ومحيّياً كل من ‏يجد في نفسه الجسارة على تجاوز الظرف الغائم، القاتم والقائم إذا شئنا الدقة، ويكتب روايةً أو ‏قصةً. حاجة الفنان إلى الحنان تسمو على قيمة ما ينشر، وفي سنوات ما بعد الثورة نُشر هراءٍ ‏كثيرٍ، وللقارئ أن يتجنب ما لا يعجبه، وللناقد أيضاً أن يصمت عما يراه متواضعاً، وأن يشيد بما ‏يستحق الإشادة. أما الزمن فيصطفي ما يبقى صامداً للاختبار، والزبد يذهب إلى مصيره. هناك ‏حنان ما قبل الإنجاز، وهو نوعٌ مجرَّبٌ، ومضمون المفعول. وهناك حنانٌ ما بعد انفصال العمل ‏الفني أو الأدبي عن صاحبه‎.‎

بعد أن يقرأ السلفي الجهول كتاباً يجرؤ على الإفتاء في قضيةٍ ملتبسةٍ. توجد جرأةٌ، في المقابل، ممن ‏لم يقرأوا كتاباً في مجال فتاواهم. لا تجد في فتاوى هؤلاء وهؤلاء ما يفيد الشكوك، أو يدعو إلى فتح ‏نافذةٍ على اجتهادٍ آخر، والتماس وجهة نظرٍ مختلفةٍ. هذا اليقين القاتل يأتيك من صحفيين مبتدئين، ‏ثقافتهم شفاهية، لم تقرأ لأي منهم مقالاً، لا في السينما ولا في غيرها. وبعد مشاهدة فيلمٍ يحتاج إلى ‏أكثر من مشاهدة، تسمع أحد تعليقين: "الفيلم فيه مشاكل" و"السيناريو فيه مشاكل". ‏

أسمع هذين التعليقين، بعد مشاركة معظم الأفلام المهمة في مهرجانٍ كبيرٍ أو حصوله على جائزةٍ، ‏فأشفق على الحالمين من قسوة ألسنة قتلةٍ صغارٍ، وأتذكر مقارنة المخرج الألماني فريتز لانج ‏‏"صناعة أي فيلمٍ ببناء كاتدرائيةٍ في القرون الوسطى".‏

أعرف مخرجاً كبيراً توقف به الزمن قبل عقودٍ، ولا أسمع منه كلمة استحسانٍ، موضوعيةً لا ‏مجاملةً، عن فيلمٍ لمن جاءوا بعده، وقد تفرغ للتبرّم، وترديد مظلومياتٍ مات أطرافها وشهودها، ‏وإنكار أن الزمن لا يأبه للجنائزيات، وأن مخرجين لاحقين اجتهدوا وصنعوا تياراً له علاماتٌ ‏بارزةٌ حصدت جوائزٌ في مهرجاناتٍ كبرى. لكنه لا يرى هذا؛ فالمعاصرة حجابٌ، والمجايلة أيضاً، ‏واجتماع المعاصرة والمجايلة لدى المحبطين يدفعهم إلى الانتقام، والسخرية من جهود الآخرين. أما ‏الفنان المتحقق فيمدّ يديه إلى زملائه، ويبحث بحنانٍ عن مواضع الجمال والقوة في أعمالٍ غيره، ‏ولا ينتقص منه أن يكبر التلاميذ، ويصيروا أنداداً. الفن لا يعرف التنظيم الهيراركي، ولا غيره من ‏التنظيمات، كما يتحايل على الغباء الرقابي الحكومي، ويجاهد لتفادي الرقابة المجتمعية‎.‎

الرقابة نوعٌ من القسوة على الفنان، عقد إذعانٍ يحتاج إلى ثورةٍ للتخلص منه، وقد فشلت الثورة إلى ‏الآن. وفي مصر مسخرةٌ تتمثل في دفع رسومٍ ماليةٍ للرقابة، لكي تتكرم بالموافقة على السيناريو. ‏رقابةٌ مبدئيةٌ للموافقة على التصوير، تليها رقابةٌ على النسخة النهائية للفيلم. وقد لا يحصل الفيلم ‏على تصريحٍ بعرضه، حتى لو تطابقت نسخة الفيلم مع نص سيناريو نال الموافقة الرقابية مدفوعة ‏الأجر بالإكراه. وفي مصر رقابةٌ دينيةٌ تحيل إليها الرقابة الحكومية ما تراه شائكاً، لإخلاء ‏مسؤوليتها‎.‎

في كثيرٍ من المناسبات الدينية تعرض الفضائيات العربية فيلم "الرسالة". لا تجد أفضل منه فنياً، ‏وقد نجا من انغلاق فقهي لو استجاب له مصطفى العقاد ما كان للفيلم أن يصنع. في عام 1977 ‏أصدر شيخ الأزهر عبد الحليم محمود، باسمه وباسم الأزهر وباسم مجمع البحوث الإسلامية ‏بالقاهرة بياناً يرفض الموافقة على إنتاج فيلم "الرسالة"، أو أي فيلمٍ آخر "يتناول بالتمثيل، على أي ‏وضعٍ كان، شخصية الرسول أو الصحابة رضوان الله عليهم. ذلك لأن ظهور هذه الشخصيات على ‏الشاشة السينمائية ـ تصريحاً أو تلميحاً أو بأية صورةٍ من الصور الخفية أو المعلنة ـ ينقص من ‏قيمتها ويحط من منزلتها في وجدان المسلم". وينتهي البيان بأنه "لا يجوز من الناحية الإسلامية ‏السماح بإنتاج" هذا الفيلم، "كما لا يجوز السماح بعرضه. وندعو حكام المسلمين وأولياء أمورهم، ‏كما ندعو الأمة الإسلامية كلها، إلى إيقاف العمل في هذا الفيلم"‏‎.‎

في السنوات الأخيرة أنتجت مسلسلات تلفزيونية عن أنبياء، جاءنا من إيران "يوسف الصديق"، ولا ‏تزال الفضائيات العربية تواصل عرضه، كما تعيد عرض مسلسل "الحسن والحسين"، وانضم إلى ‏هذه التيار مسلسل "عمر" الذي ظهر فيه كل الصحابة بداية بأبي بكر. ولم يتأثر بذلك وجدان ‏المسلم، كما خشي الدكتور عبد الحليم محمود‎.‎

التعلل بالخوف على وجدان المسلم يشبه الخوف على وجدان المصري. في عام 1977 أيضاً ‏رفضت الرقابة في مصر الفيلم التسجيلي "لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء" الذي أخرجه اللبناني ‏برهان علوية عن المهندس المصري حسن فتحي صاحب مشروع عمارة الفقراء. التهمة الجاهزة ‏هي "الإساءة إلى سمعة مصر". وقد أنصف الزمن هذا الفيلم (74 دقيقة، من إنتاج المعهد الفرنسي ‏للصوتيات والمرئيات)، ففي الدورة الحادية والعشرين لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام ‏التسجيلية والقصيرة (2019)، عرض الفيلم، ضمن تكريم برهان علوية، تضمن إصدار كتاب ‏عن سيرته الفنية للناقد اللبناني نديم جرجورة‎.‎

الرقابة نوعٌ من القسوة على الفنان، عقد إذعانٍ يحتاج إلى ثورةٍ للتخلص منه‏ وقد فشلت الثورة إلى ‏الآن

لا يتعلم أحد من درس تاريخي يؤكد أن معارك الرقابة تخسرها الأنظمة، ويربحها المبدعون، ولو ‏بعد حين. في نهاية عام 1975 عرض فيلم "المذنبون"، وخضع لوصاية مصريين في الخليج، ‏ربما في الكويت، احتجوا بأن الفيلم "يشوّه سمعة مصر". حتى يوسف إدريس شارك في الهجوم ‏على الفيلم. ولا يذكر مشاهدو هذا الفيلم الآن أن الذين سمحوا بعرضه عوقبوا، وهذا إنذار لأي ‏رقيب يريح نفسه من عناء الاجتهاد، فيحيل ملفات الأفلام إلى أجهزة الأمن لتقضي فيها بحكم ‏يوقعه الرقيب. فيلم "آخر أيام المدينة" عنوان على هذا الموقف، ومنذ عام 2016 لا يزال بين يدي ‏أجهزة لم تحسم أمره، ولا تسمح الرقابة بعرضه، ولا ترفض عرضه أيضاً.‏

مقصّ الرقيب الحكومي أرحم أحياناً من رقابة يفرضها النفاق الاجتماعي. في عام 2000 كنت ‏شاهداً على حالةٍ غير مسبوقةٍ من الرقابة المجتمعية. شاهدت فيلم "جمال أمريكي"، أظن في دار ‏عرض بمنطقة مدينة نصر، وكانت تجمّعاً لعائلاتٍ من محدثي الثراء العائدين من الخليج، ربما من ‏سلالة مشمأنطين آذاهم فيلم "المذنبون".

كنت أعمل في مجلةٍ شهريةٍ، وسألني زميلي: هل الأب ـ ‏الذي يمثل شخصيته كيفن سبيسي ـ نام مع زميلة بنته؟ أمْ أنها أخبرته مثلاً بإصابتها بالإيدز؛ ‏فأصابه الرعب وابتعد؟. كان الزميل يجمع المواد المخطوطة على الكمبيوتر صباحاً، وفي المساء يعمل سائق تاكسي. ليس ‏جمِّيعاً حرفياً، بل محترفاً ذكياً ينبهنا إلى ارتباك هنا، أو خلل أسلوبي يحتاج إلى إيضاح هناك. ‏وشاهد فيلم "جمال أمريكي"، واحتار في تفسير ردّ فعل الأب، فسألني وأجبته، وسألت بدوري عما ‏جرى‎.‎

الآن أستعيد المشهد، اعتماداً على الذاكرة بعد هذه السنين. في غرفة النوم سأل الأب زميلة ابنته عما ‏إذا كانت تجربتها الأولى؟ أجابت: "نعم"، فأحسّ بالمسؤولية تجاه بنتٍ صغيرةٍ، وتغيرت نظرته ‏إليها وشعوره نحوها، واحتضنها كابنته، وانتهى الأمر‎.‎

المشهد الإنساني استفزّ عائلةً مصريةً، فاضطر صاحب دار العرض إلى حذفه، هكذا مباشرةً من ‏غير وجع دماغٍ، الدار داره وحقوق العرض تخصّه. وبحذف المشهد فهم زميلي وغيره من ‏المشاهدين، أن الأب استجاب لإغراء الفتاة المراهقة. الخطورة هنا، درامياً واجتماعياً، أن حذف ‏المشهد سلوكٌ غير أخلاقيٌ تماماً، لأنه أوحى للمشاهد بأن علاقةً جنسيةً تمت بين فتاةٍ صغيرةٍ ‏ورجلٍ قام بالتغرير بها. أما ترك المشهد فهو رسالةٌ أخلاقيةٌ وسلوكٌ سويٌّ يحسبه الممسوسون ‏بالنفاق العمومي إثارةً جنسيةً. للتدين الشكلي وتشوّش الرؤية حصادُ بائسٌ يدعوهم إلى الرياء‎.‎

عمر الزهيري - مخرج فليم "ريش"

قلت في البداية إن هذا النصّ مشوّش، وعليّ الآن إنهاؤه بتهنئة المخرج المصري عمر الزهيري ‏بفوز فيلمه "ريش" بجائزة أفضل فيلم روائي عربي‎ ‎طويل، في ختام مهرجان الجونة أمس ‏الجمعة، وغداً يوم آخر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard