التعددية الحزبية شمّاعة يعلّق عليها النظام الجزائري شرعيته

السبت 4 ديسمبر 202102:39 م

شاهدت قبل أيامٍ، على شاشة التلفاز الجزائري العمومي، رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، السيد محمد شرفي، يقف متأهباً كعادته أمام عشرات عدسات الكاميرات، وما هي إلا لحظات حتى أعلن الرجل عن نسبة التصويت المؤقتة في الانتخابات المحلية والولائية؛ إذ كشف أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية، (بلغ فيها عدد الناخبين 8،517،919)، وصلت إلى 35.97 في المئة، فيما بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الولائية (عدد الناخبين 8،145،226) 34.39 في المئة. إذ تم الإعلان قبل أسابيع، أن مجموع الهيئة الناخبة بلغ 23.7 مليون ناخبٍ، بينهم أكثر من 600 ألف مسجّل جديد، وتمت تعبئة أكثر من 800 ألف عون، يؤطرون أكثر من 13 ألف مركز انتخاب، تضم أكثر من 61 ألف مكتبٍ انتخابي.

بعد انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، بنسبة 58 في المئة من أصوات الناخبين، وبمشاركة لم تتعدَّ الـ40 في المئة، وعد الأخير بالانتقال الديمقراطي، وطيّ صفحة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

تقريباً، انتخب ثلث الجزائريين فقط، الأمر الذي جعل البعض يقلّص من أهمية رهان المشاركة القوية، ومع ذلك لا يمكن القفز على حقيقة أنّ هذه الانتخابات جاءت في فترةٍ حساسة، خصوصاً على الصعيد الاجتماعي الهش جداً، بسبب تدهور أوضاع المعيشة بشكلٍ غير مسبوق، مع الارتفاع الحاد والجامح لمستويات التضخّم، والمخاوف في أوساط فئات المجتمع الهشّة، بعد أن قرّرت الحكومة التّراجع عن الدعم المباشر والعام للمواد الاستهلاكية الأساسية.

السؤال الجوهري في نظر الخبراء والعارفين بمآلات الأمور، يتعلق أساساً بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة على المديين، القصير والمتوسط، فضلاً عن انهيار القدرة الشرائية، وتآكلها، والتي تنذر باتّساع الاحتجاجات، وارتفاع منسوب التذمّر، والغضب الجماهيري، خصوصاً أن مؤشراتٍ عديدةً تدلّ على أن السلطة أغرقت الناس بالوعود، ولا تملك لا الرؤية، ولا الإستراتيجية لإيجاد حلولٍ، أو إجابات للأزمة العميقة!

إذ بعد انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، بنسبة 58 في المئة من أصوات الناخبين، وبمشاركة لم تتعدَّ الـ40 في المئة، وعد الأخير بالانتقال الديمقراطي، وطيّ صفحة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. وحينذاك أجرى بعد تنصيبه ثلاثة مواعيد انتخابية على صفيحٍ ساخنٍ، جرّاء ضغط حركة احتجاجية غير مسبوقة، وما لبث يؤكد ويشدد على أهمية مصداقية الانتخابات ونزاهتها، واستجابتها للتغيير الذي طالب به الحراك الشعبي. فجاءت انتخابات 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 الأخيرة، بعد استفتاءٍ على تعديل الدستور في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 (صوّت عليه 23.7 في المئة فقط من الناخبين)، وانتخاباتٍ تشريعيةٍ مبكّرةٍ نُظمت في 12 حزيران/ يونيو 2021 (شهدت نسبة تصويتٍ هزيلةٍ لم تتجاوز 23%).

بعد أن أدلى الجزائريون السبت الماضي بأصواتهم في انتخابات محلية، لتجديد المجالس البلدية والولائية، يمكن للمتتبع التساؤل عمّا بقي من تعهد الرئيس تبون بطي صفحة فترة حكم بوتفليقة، أم أن ذلك لا يعدو كونه مجرّد إصلاحٍ سياسيٍ شكلي؟

تقريباً، انتخب ثلث الجزائريين فقط، الأمر الذي جعل البعض يقلّص من أهمية رهان المشاركة القوية، ومع ذلك لا يمكن القفز على حقيقة أنّ هذه الانتخابات جاءت في فترةٍ حساسة، خصوصاً على الصعيد الاجتماعي الهش جداً، بسبب تدهور أوضاع المعيشة بشكلٍ غير مسبوق

الانتخابات وعمليات مبادلة الأدوار

منذ سنوات عديدة، وخاصةً في فترة ما بعد أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988، نُظمت العديد من الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر، لكن غالباً ما كان يتم التحكّم بعمليات تبادل الأدوار، وضبطها بإحكامٍ، سواء بين مراكز النظام، أو بين مختلف الأطراف التي تدور في فلكه، بغضّ النظر عن ترتيب النتائج التي أسفرت عنها عملية التصويت.

ظلّت عملية تدوير منصب رئيس الحكومة (الوزير الأول حالياً)، طوال فترةٍ طويلةٍ من الزمن، لا تخرج عن اسمَي عبد العزيز بلخادم، وأحمد أويحي، في عمليةٍ فجّةٍ ومضجرة لتدوير المنصب، ومبادلة الأدوار. الأمر نفسه كذلك ينطبق على مجموع الوزراء، فالمجموعة نفسها لا تتغيّر في كل مرة يتم فيها تشكيل حكومةٍ جديدة، لكن يتبادلون الأدوار في ما بينهم.

هذا الوضع كرّس منطق وزراء مدى الحياة، فبن بوزيد على سبيل المثال ظلّ جاثماً على صدر وزارة التربية والتعليم لسنواتٍ طويلةٍ من الزمن، ولولا ضغط النقابات وتداعيات الربيع العربي لبقي الرجل في المنصب حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة.

عمليات التصويت والمشاركة الهزيلة

يجب هنا الإشارة أيضاً إلى أن المتتبع للمسار الانتخابي، بشكلٍ موضوعي، يفاجأ بدرجة العزوف والامتناع عن المشاركة في المواعيد الانتخابية المتكررة.

فقد سجّلت الانتخابات التشريعية لعام 2007 مشاركةً شعبيةً ضعيفةً لم تتجاوز نسبتها 35.6 في المئة، بحيث لم تصل نسبة المشاركة في ولاية تيزي وزو إلى سقف 17 في المئة، كما لم تتجاوز هذه النسبة 17.77 في المئة في مدينة بجاية، في حين انحصرت هذه النسبة في مدينة الجزائر العاصمة في 18.41 في المئة.

كما عبّرت الاستحقاقات التشريعية التي نُظّمت في شهر أيار/ مايو من عام 2012 (وفق النتائج التي أعلنت عنها وزارة الداخلية)، عن المشاركة الهزيلة في عمليات التصويت (والتي كانت متوقَّعة)، إذ امتنع عن التصويت ما بلغ مجموعه أكثر من 12 مليون ناخبٍ، وقُدِّر عدد الأصوات الملغاة بأكثر من 1.7 مليون صوت، وهي كتلة اجتماعية صامتة كبيرة تقارب 14 مليون مواطن يمكنها أن تُحدث فارقاً كبيراً، لو تيّقنت بمصداقية الفعل الانتخابي، وجدواه في التغيير. في حين صوّت فقط أكثر من 9.3 مليون ناخب من مجموع 21 مليون مسجَّلٍ في القوائم الانتخابية. والمفارقة أنَّ الحزب الذي حصل تقريباً على نصف مقاعد البرلمان (أغلبية المقاعد)، فاز فقط بما يقارب 1.3 مليون صوتٍ مما مجموعه 7.6 مليون صوتٍ تم حسابها.

المشاركة الهزيلة في عمليات التصويت أخذت بعداً انسحابياً وانهزامياً، نتيجة فشل التجارب الماضية، وعدم نزاهتها، والشك في حياديتها، نظراً إلى أن نتائجها معروفة ومحسومة مسبقاً.

وهو ما أثّر إلى حدٍّ بعيدٍ في تأجيج الشعور باليأس من التغيير، وفقدان الثقة في النماذج السياسية الموجودة في الواجهة.

المشاركة الهزيلة في عمليات التصويت أخذت بعداً انسحابياً وانهزامياً، نتيجة فشل التجارب الماضية، وعدم نزاهتها، والشك في حياديتها، نظراً إلى أن نتائجها معروفة ومحسومة مسبقاً

الاستحقاقات الانتخابية واللا حدث في حياة الناس

يذهب كثيرون من المتتبعين للشأن السياسي الجزائري إلى عدّ أنَّ "الانتخابات لا تعدو عن كونها حواراً بين النظام ونفسه. وتالياً يصعب عدّ تلك الانتخابات نزيهةً وحرةً مثلما تعلن عنه السلطات، فهي تبدو عمليةً لإعادة تشكيل الساحة السياسية من فوق، ولا يوجد ما يبرّر أنَّ الانتخابات قد تشكّل تحولاً ديموقراطياً".

لا توجد أصلاً جدوى من الانتخابات، سواء "انتخبنا أو لم ننتخب"، كما يذهب الحقوقي وعضو مجلس الأمة السابق، مقران أيت العربي، لأن حياة الجزائريين لا تغيّرها المشاركة، ولا المقاطعة. فبعد الانتخابات، وقبل تحرّك الشارع لا بدّ من فتح نقاشٍ واسعٍ حول القضايا الكبرى، ومنها الدستور، وضمانات احترامه من طرف السلطة.

الشارع الجزائري ملّ من بقاء دار لقمان على حالها، إن لم يزدد حالها تدهوراً، بعد كل عملية تصويت يقوم بها، فالتعددية الحزبية شمّاعة يعلّق عليها نظام الحكم شرعيته، واستمراره في التحكم بدواليب الدولة كلها، من دون مشاركة فعلية لمختلف الأطراف المكوّنة للمجتمع.

أزمة التعددية الشكلية وضحالة النخبة السياسية

بعد تجربةٍ فتيةٍ كانت رائدةً في التعددية والديمقراطية في المنطقة، عقب أحداث تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1988، لم يُكتب لها النجاح في الاستمرار طويلاً، أصبحت العمليات الانتخابية أسيرة قيمٍ جديدةٍ تتحكم بها درجة الولاء، والانتماء إلى منظومة الحكم، والمال السياسي الملوّث، وقيم العائلة والقبلية والعروشية البدائية. إنّه مشهد متآكل وَضَعَنا أمام تعدديةٍ حزبيةٍ شكليةٍ بلا مضمونٍ سياسي، وأحزابٍ طفيليةٍ ضعيفةٍ بلا هويةٍ واضحة المعالم، وبلا شروطٍ ومعايير.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard