رحيل بوتفليقة... لماذا للضحية ميل نحو الدفاع باستماتة عن الجلّاد؟

الثلاثاء 21 سبتمبر 202101:23 م

كان الطّقس رطباً، ومضغوطاً، طوال النّهار، زيادةً على أنّ اليوم هو يوم الجمعة 17 أيلول/ سبتمبر 2021، عطلة نهاية الأسبوع؛ وما يعرفه هذا اليوم من عطالة، وسكون، وموات. في العادة، أغلب المصالح تؤجَّل إلى يوم الأحد، فأبواب الهيئات والمتاجر موصدة في وجه الناس. حالما أذاع التلفزيون العمومي، في السهرة، خبر وفاة الرئيس السابق للجزائر، عبد العزيز بوتفليقة، اشتعلت حرب افتراضية في فضاءات التواصل الاجتماعي وشبكاته، بين الجزائريين؛ فريق يترحم على مناقب الرجل، وإنجازاته وعظمته، وفريق غاضب من رجل استولى على السلطة طوال عشرين عاماً، بقضها وقضيضها (1999-2019)، إلى أن وصل به الأمر، في عهدتيه الثالثة والرابعة، إلى حكم أكثر من أربعين مليوناً من الجزائريين، وهو مقعد على كرسي بعجلتين، جراء معاناته من المرض، والشلل على وجه الخصوص، أي تحكّم من خلف الستار أخوه، السعيد بوتفليقة، بدواليب الحكم: يقرّر، ويعيّن، ويقيل، ويمضي، ويختم باسمه.

سمعت الكثير من أبناء هذا الشعب، ممن لم تتوفر لهم فرص الرحيل إلى الضفة الأخرى، في أوروبا، أو إلى أي منطقة أخرى في العالم، يكررون مقولة: لو بقيت فرنسا في الجزائر، لكان حالنا أفضل بكثير مما هو عليه الآن.

خرج الجزائريون عن بكرة أبيهم، قبل سنتين ونيف، في شباط/ فبراير 2019، في حراك شعبي أزاحه من كرسي الحكم، وأحاله على منفى، أو عزلة إجبارية في إقامة من إقامات الدولة، وزُجّ بأخيه في السجن، وأُبقي هو بعيداً عن تحمّل مسؤولية الخراب والفساد الذي أغرق فيه البلد، ولم تطله المحاسبة، ولم يُستَدعَ إلى جلسات المحاكمة، التي طالت جل رجال حكمه الأوفياء، كرئيسَي الحكومة أحمد أو يحيى، وعبد المالك سلال، وغيرهما من الوزراء، والمسؤولين، ورجال المال الفاسدين. ومع ذلك، لم يتغير النظام الحاكم قيد أنملة، وانقلب على الحراك، بدعم من رجال المؤسسة العسكرية، فضلاً عن استغلال الوضع الصحي الاستثنائي الذي فرضه وباء كورونا، وتالياً، حدث التغيير الشكلي للواجهة فحسب، في ظل الاستمرارية.

بعد فترة حكم تميّزت بالفساد، والتبذير، وتبديد مداخيل البترول الخيالية، فضلاً عن الاختلاسات والفضائح المالية للمقربين منه، والتسلط، والتعسف، والتزوير، والجهوية، والزبائنية الشّديدة، وتمييع المشهد السياسي، وتفكيك المجتمع، وإغراقه في الفقر، والتخلف، وهشاشة الخدمات الأساسية (التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والثقافة)، وغيرها من التناقضات، وحالة من التردي والتراجع لم يسبق لها مثيل، سيحظى هذا الرجل، على الرغم من ذلك كله، بوداع رسمي يليق بالأبطال؛ تنكيس الأعلام، وحداد لثلاثة أيام، وجنازة رسمية كلّها من أجل رئيس انقلب عليه شعبه.

قد أتفهم انقلاب النظام على حراك الشعب، وإعادة تشكيل نفسه، وتكريم رموزه، ومكافأة الموالين له. لكن ما لم أستطع فهمه، أو إدراكه، حتى اللحظة، هو تخندق فئة كبيرة ممن خرجوا في حراك "فيفري 2019"،  منددين طوال أشهر متتالية، بفشل فترة حكم بوتفليقة، في الترحم على زمنه، والتّغزل بمناقبه ومنجزاته. لست أدري لماذا للضّحية ميل وجنوح غير فطريَين، نحو الدفاع باستماتة عن الجلّاد؟! صراحةً، يبدو لي الأمر عصياً على الفهم، والتقبّل، وأفكّر بجدية في إعادة مراجعة متلازمة ستوكهولم. كأنّ هذا البلد استحال إلى مصحة عملاقة، تعجُّ بالمرضى، والمعتوهين، والدهماء، الذين يخوِّنون الرجال، والمناضلين، والشرفاء، والمثابرين، والمجتهدين. ثقافة إخصاء الفحل! والإعلاء من شأن المستبد، والضعيف، والفاشل. لا يحبون الرجل، والناجح يحاربونه حتى بفشل.

بعد فترة حكم تميّزت بالفساد، والتبذير، فضلاً عن الاختلاسات والفضائح المالية للمقربين منه، وتفكيك المجتمع، وإغراقه في الفقر، سيحظى هذا الرجل، على الرغم من ذلك كله، بوداع رسمي يليق بالأبطال؛ تنكيس الأعلام، وحداد لثلاثة أيام، وجنازة رسمية كلّها من أجل رئيس انقلب عليه شعبه

أحلام معطّلة وخيبات متكررة

ستون عاماً كاملة، تقريباً، مرّت على استقلال الجزائر، مليئة بالأحلام المعطلة، والخيبات المتكررة، ولا زالت الكثير من الأسئلة القديمة تنتظر منا الإجابة. بقينا نراوح في المكان ذاته، كأنه ضُرب على آذاننا في الكهف، نصف قرن من الزمن، ثم بُعثنا لنتساءل من جديد عن دائرة من يحكمنا، ومن نحن؟

أظنّ أن مغامرة البحث في هذا المسار، تساهم على الأقل في وضع نقاط الأزمة الجزائرية على حروف من وقف في وجه التغيير.

هذا الوضع الستاتيكي، أرجع ذاكرتي إلى مساهمات كلٍّ من جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، واختلاف مفهوم التغيير بينهما، إذ كان الأفغاني ينظر إلى منطلق التغيير من باب من يحكم آنذاك، وهو المستعمر، أي التغيير السياسي، أما الشيخ محمد عبده، فكان يشك في جدوى التغيير بمفهومه السياسي، وهو ما جعله يؤمن بالتغيير على مستوى أفراد المجتمع، أي المحكومين.

أكثر من نصف قرن يمضي، بينما لا نزال نسمع أصواتاً تتعالى من هنا وهناك، واحدة ترمي الكرة في مرمى من يحكمنا، والأخرى تقذفها في اتجاه المحكومين، ما زاد في خلق جو من الحيرة وعدم اليقين.

في ميزان المكاشفة والنقد الصارم

وهذا ما يدفعنا في البداية، إلى محاولة تفكيك هذا الالتباس، من خلال تحليل ملامح الأقلية الحاكمة، وسمات الأغلبية المحكومة، خاصةً وأن هناك من يغرد خارج سرب الدروس المستفادة من الإخفاق، ويختصر لحظة التقييم والتقويم، بمجرد احتفالات فلكلورية، وفنتازية، ولقاءات روتينية، وبروتوكولية متكررة.

إن الاختفاء خلف أمجاد الشهداء والمجاهدين الصادقين (الذين تحملوا مسؤولياتهم في زمانهم)، وبطولاتهم، لا يعني التهرب والتملص من مسؤولية المأزق، والأزمة الراهنة في الجزائر.

أسوأ ما يصيب الأمم والدول، هو طمس الحقائق، وتزييف التجارب، والكذب على الناس في وضح النهار. إن أغلب الأمم والدول التي نهضت من كبوَتها، وتقدمت من تخلفها، اعتمدت على المصارحة والمكاشفة، وكانت صادقة في تجاربها التنموية.

أتذكر، لما كنت في إحدى المكتبات المشهورة في كوالالمبور، حين لفت انتباهي كتاب بعنوان "معضلة المالايو"، كتبه محمد مهاتير، وينتقد فيه بحدة، ومن دون مجاملة، سلوكيات المواطنين الذين يحملون أصوله نفسها، وطباعهم، وأوضاعهم، والتي قد تعيق ارتقاءَهم إلى مستوى التغيير الذي تصبو إليه الحكومة الرشيدة، مما يساهم في تعطيل التنمية في البلد.

كما قام اليابانيون، من دون مواربة، أو خيانة ذاتية، بدراسة عوامل إخفاق تجربة التحديث في عهد ميجي، إذ تبيّن لهم أن أسباب الاحتلال الأمريكي لليابان، تكمن في أن تجربة الإصلاح والتحديث، كانت في خدمة الجيش، مما عسكر الحياة، وجعل اليابان يرتكب المجازر، ويعتدي على أراضي جيرانه الصينيين، والكوريين. وانطلاقاً من ذلك، وضع اليابانيون تلك التجربة باستمرار، وإلى يومنا هذا، في ميزان النقد الصارم، فاستفادوا من أخطائهم، وكُتب للتجربة الإصلاحية الثانية النجاح، لأنها كانت أساساً في خدمة المجتمع.

أسوأ ما يصيب الأمم والدول، هو طمس الحقائق، وتزييف التجارب، والكذب على الناس في وضح النهار. إن أغلب الأمم والدول التي نهضت من كبوَتها، وتقدمت من تخلفها، اعتمدت على المصارحة والمكاشفة، وكانت صادقة في تجاربها التنموية

البقاء في ثنائية التقديس والتخوين

بعد مسيرة تجاوزت النصف قرن من الاستقلال، ما زال النّص التاريخي يساير، ويمالق، غارقاً في ثنائية التقديس والتخوين، ولم ينتج بعد نصاً موضوعياً متعدداً ومتنوعاً. متى ننظر إلى تاريخنا بتجرد وموضوعية، من دون أن نراه من منظار أنانياتنا الضيقة، وجهويتنا المقيتة، وتحالفاتنا السياسية؟ متى نرفع ستار التغني بالشعارات، عن مرحلة ما بعد الاستقلال؟ ومتى نحرر نظرتنا تلك، من أسر الانطباعات الشخصية الغارقة في الذاتية، كي نبدأ مرحلة جديدة مبنية على تقييم علمي وموضوعي، ونقد احترافي معمق، بعيداً عن تصفية الحسابات؟ متى تتخلص حكوماتنا المتعاقبة من تلك الممارسة الفردانية التي لا تحتكم إلى منطق الأشياء، والتي جثمت على تاريخ الجزائر منذ ما ينوف على خمسين سنة؟

في انتظار تسليم المشعل

ماذا عسانا نقول في ستينية الاستقلال، والمشعل لم يُسلّم، حتى الآن، إلى جيل الاستقلال؟ الشيوخ عندنا لم يهرموا بعد، ولا زالوا يكفرون بقوانين البيولوجيا كلها، وبنواميس التداول. نحن أجيال الاستقلال الذين هرمنا، هرمنا من تلك الممارسات البائدة.

الرئيس بوتفليقة اعترف قبل انتخابات أيار/ مايو 2012، بأنه لم يعد يوجد مبرر الآن أمام إصرار الشيوخ على البقاء والاستمرار في إدارة شؤون الحكم، إذ قال في ولاية سطيف، بملء فيه: "طاب جناننا..."، في إشارة منه إلى أنه حان الوقت لتسليم المشعل، الذي تأخر نصف قرن، إلى الكفاءات والمهارات الجزائرية الشابة المعطلة عن المساهمة في بناء الوطن.

لكن للأسف، أثبتت طريقة تنظيم الانتخابات، ونتائجها، عكس ذلك، وهو ما يشهد عليه تقرير اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التشريعية، التي أكدت على أن هذه الانتخابات لم تمر في ظروف طبيعية، وأن نتائجها فاقدة للمصداقية والنزاهة.

وبسبب هذه الممارسات غير المسؤولة، والمتكررة، وغير المتبصرة بالعواقب، ضاعت منا فرصة ثمينة للتغيير السلمي والديمقراطي، في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها العالم العربي، والعالم عموماً. كأن الجزائر بخير، وفي حاجة إلى الاستمرارية فحسب، كما يتشدق بذلك، صباحاً ومساء، رجالات النظام والحكم عندنا، الذين يأكلون الغلة، وينعمون بالرفاه، بينما أغلبية الشعب يسيرون إلى الجحيم، ومن يقول غير ذلك، يُتهم بالنكران، بل يصل الأمر إلى الإدانة بالتخوين، وهذا ما يحيل دائماً إلى طرح السؤال التقليدي: من يحكم من؟ لأن حصان من يديرون شؤون الحكم، لا يجر عربة المحكومين، بل هو جاثم خلفها، ولا يقوى على الحركة.

بعد مسيرة تجاوزت النصف قرن من الاستقلال، ما زال النّص التاريخي يساير، ويمالق، غارقاً في ثنائية التقديس والتخوين، ولم ينتج بعد نصاً موضوعياً متعدداً ومتنوعاً. متى ننظر إلى تاريخنا بتجرد وموضوعية، من دون أن نراه من منظار أنانياتنا الضيقة، وجهويتنا المقيتة، وتحالفاتنا السياسية؟

سمعت الكثير من أبناء هذا الشعب، ممن لم تتوفر لهم فرص الرحيل إلى الضفة الأخرى، في أوروبا، أو إلى أي منطقة أخرى في العالم، يكررون مقولة: لو بقيت فرنسا في الجزائر، لكان حالنا أفضل بكثير مما هو عليه الآن. لكن على الرغم من تحفظي على هكذا مقولات، والتي من الممكن أن تصبّ في بوتقة أخطر أنواع الخيانة الرمزية للوطن، إلا أن محاولة تفسيرها، أو تأويلها، بهدوء، وبعيداً عن الحماسة المفرطة، يمكن أن تحيلنا إلى حالة مزمنة من فقدان الثقة، وتفاقم درجة خيبة المحكومين، ممن يديرون شؤونهم، ولا تحتاج إلى حبوب مهدئة، أو أقراص الهلوسة، كما يسميها معمر القذافي، بقدر ما هي في حاجة مستعجلة إلى عمليات جراحية عميقة، وجوهرية.

ستون سنة تقريباً من احتكار الأقلية الحاكمة للسلطة، والثروات الريعية، والتضييق على الحريات، وخنق مساحات الرأي، والتفكير الحرّ، والإبداع، وسيادة الأحادية، والخطاب الشعبوي، والقبلية، والإقصاء، والتعسف، والتصلب البيروقراطي، وفقدان الثقة والمصداقية في مؤسسات الدولة، وتدهور سلّم قيم المجتمع.

ستون سنة تقريباً، مضت ولا زالت الطبقة الحاكمة التي بلغت من الكبر عتيّاً، تقوم بعمليات تجميلية، علّها تخفي وهنها، وعجزها المكشوف، في الوقت الذي تخشى أن تضع مسيرتها وحصيلتها في الحكم، أمام مرآة الحقيقة. هذا الرُهاب لازم الحكومات المتعاقبة كلها، وجلّ الرؤساء الذين اختارهم النظام في الجزائر.

الخوف المرضي من مجهر التقييم، يرهن مستقبل التنمية في الجزائر، ويعطل كل إمكانية لاختبار التجارب، وامتحانها، على مدار نصف قرن مضى، أو أكثر، للتعلم من الأخطاء، والاستفادة من الفشل في النهوض، والانطلاق في تجربة التحديث.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard