السينما الجزائرية... هل سيصلح تبون ما أفسده بوتفليقة؟

الأربعاء 11 مارس 202001:34 م

لم تخضع السينما الجزائرية كغيرها من سينمات العالم إلى شرط التطوّر الذي يفرضه منطق الأشياء، إذ تكون البدايات عادة متواضعة، لتتقدم تدريجياً إلى المتوسط، ومع الخبرة المتواصلة والتجربة بين الصُّناع والاحتكاك بينهم تتجاوز ما وصلت إليه، إلى أن تصبح جيدة ومعقولة، وربما ممتازة ورائدة في المنطقة والعالم.

هذا هو المؤشر الذي يخضع له مبدأ التطور، وقد سارت على دربه كلُّ الفنون والآداب، ولكن السينما الجزائرية شذت عن هذه القاعدة، معاكسة بذلك الموجود والمعروف، إذ قلّبت المعادلة المذكورة رأساً على عقب، لأن سينماها وُلدت كبيرة ورائدة في المنطقة والعالم، ثمّ عادت إلى المتوسط، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم، متواضعة كمثل ما تكون بدايات أيِّ تجربة، تعمُّها الفوضى والفساد والرداءة من كلّ جانب، بعد أن خرجت عن سكة التميز الذي بدأته في ستنييات وسبعنييات القرن الماضي بعد الاستقلال مباشرة.

وكانت آنذاك الأفلام الجزائرية تنافس في أرقى المهرجانات العالمية وأكبرها، وأكثر من هذا، تحصد الجوائز والتكريمات التي ملأتْ خزانتها، بأعداد لم تستطع أي دولة عربية أخرى أن تقترب من نصفها، ومما تحتويه هذه الجوائز مثلا "جائزة أول عمل" التي أصبحت في ما بعد "الكاميرا الذهبية" بمهرجان "كان" السينمائي سنة 1967، عن فيلم "ريح الأوراس" لمحمد لخضر حمينة، وقد اقترب وقتها من حصد "السعفة الذهبية"، غير أن المخرج السينغالي صنبان عصمان امتنع عن تقديم صوته الذي كان سيصنع الفارق لصالح حمينة.

ثمّ عاد حمينة مرة أخرى لمهرجان كان، سنة 1975، وحصد جائزته الكبرى وهي السعفة الذهبية، عن فيلمه الخالد "وقائع سنوات الجمر"، وقبله بـ6 سنوات حصد الفيلم الجزائري/الفرنسي،"زاد" لكوستا غافراس أوسكار، أحسن فيلم ناطق بغير الانكليزية، وقد تسلمّ الجائزة آنذاك المخرج أحمد راشدي ممثلاً لدولة الجزائر، إضافة إلى عدد هائل من الجوائز والترشيحات الأخرى، لاسيّما وصولها العديدَ من المرّات إلى القوائم القصير للأوسكار.

التأسيس لسينما المناسبات وتسليط سيف الرقيب

لأسباب تاريخية معروفة فرملت "العشرية السوداء" في الستيعينات في الجزائر، عجلةَ السينما الجزائرية، وقضت على ما تبقى منها، بعد أن ارتمى هذا البلد في أحضان التطرف والخراب والدّم، وأصبحت صناعة السينما فيه كفراً وإلحاداً وتشبهاً بالغرب الفاسق، ونشاطاً يحرض على نشر الرذيلة والفساد بين المجتمع، ولا يخدم مشروع "الدولة الإسلامية" في شيء. لهذا وجب الابتعاد عنها وتركها، وإلا سيلقى كلُّ من يمارسها عقاباً أليماً.

أصدر بوتفليقة قوانين تحدّ من حرية التعبير وتقيد الصناعة السينمائية في الجزائر، أكثرها سوءاً قانون يذكر في مادة منه: "يحظر تمويل وإنتاج واستغلال كلّ عمل سينمائي يسيء إلى الأديان أو ثورة التحرير الوطني ورموزها وتاريخها 

من هنا بدأ مسلسل الترهيب، لينتقل إلى المرحلة الثانية وهي استهداف الفنانين وتصفيتهم. دَبّ الخوفُ في نفوس الكثيرين؛ شريحةٌ واسعة منهم تركوا الجزائر خوفاً على أرواحهم، ومن بقوا غيّروا نشاطهم الفنّي. أغلقت قاعات السينما في وجه مريديها وعشاقها، وتوقفت عجلة إنتاج الأفلام تماماً، ليدخل الشعب الجزائري في فيلم رعب حقيقي، لم يخرج منه إلا بعد أن لقي أكثرُ من 200 ألف جزائري حتفهم، مع تسجيل خسائر بالملايير.

مع قدوم عبد العزيز بوتفليقة وتبوّئه منصب رئيس الجمهورية بدأ الأمن يعود رويداً رويداً، معلناً عن نهاية مشاهد هذا الفيلم الطويل، ليتزامن تاريخ عودته مع ارتفاع سعر البترول، ومن هنا بدأ يرسم طريقاً جديداً للسينما الجزائرية، مستغلاً الفنَّ السابع لخدمة مآربه وأهدافه الشخصية، من بينها القضاء على التيار الذي زرعه الرئيس الراحل هواري بومدين في السينما، وهذا حين كانت مواضيع الأفلام تعتمد على مبدأ أن الشعب هو البطل الوحيد للثورة، لكن بوتفليقة كان له رأيٌ آخر تماماً؛ يرى من خلاله بأن الأفلام يجب أن تمجّد الفرد الثوريّ وتظهر بطولاته، وحتى تقوم بخلق بطولات زائفة، على حساب التاريخ ومن وجهة نظر التاريخ الرسمي فقط للسلطة، لتأتي معظم هذه الأفلام كبيانات تاريخية جافة لا روح فيها ولا حركة.

يعني ذلك أن بوتفليقة قام برمي المئات من الملايير على المقربين والموالين له، من أجل إنتاج وإخراج أفلام لا تحمل أي قيمة فنية، تعرض مرة واحدة ثم يتمّ رميها في الزوايا المظلمة، وتناسى بذلك الأركانَ المهمة التي تعلي من شأن صناعة السينما الجزائرية. ورغم البحبوحة المالية التي كانت فيها الجزائر، إلا أن عشرات من قاعات السينما لا تزال مغلقة، ولم يكلف نفسه عناء ترميمها وفتحها أمام الجمهور. لم يخلق أي مدينة سينمائية أو استديوهات، ولم يحيّن أي قوانين أو مراسيم تخدم بشكل مطلق الصناعة السينمائية.

وأكثر من هذا أصدر بوتفليقة قوانين تحدّ من حرية التعبير وتقيد الصناعة السينمائية في الجزائر، أكثرها سوءاً  قانون رقم 11-03 مؤرخ في 14 ربيع الأول عام 1432 الموافق 17 فبراير سنة 2011، حيث يذكر في المادة منه ما يلي: "يحظر تمويل وإنتاج واستغلال كلّ عمل سينمائي يسيء إلى الأديان أو ثورة التحرير الوطني ورموزها وتاريخها".

وسبق أن قلت عن هذا القانون حينها: "لم ألمس في مواد القانون أي محاولة لإحياء صناعة السينما الجزائرية، بقدر ما أراه مجحفاً يخول للحكومة بصفة قانونية فرصة التحكم في سيطرتها على كلّ ما يتم إنتاجه في إطار القطاع السمعي البصري. إن ذلك يحدّ من حرية التعبير ومن صناعة السينما في الجزائر. فقد أصبح بمقدورها الآن -بعد الموافقة النهائية عليه– منع أي فيلم أو ممارسة الرقابة على ما لا تراه مناسباً لمواقفها الظاهرية أو الخفية". فالقانون لا يتضمن مثلاً أية تعريفات أو مفاهيم محدّدة عن الموادّ، و لا يقوم بشرحها، كما هو الحال في المادة المذكورة، ما يعني أن الرقابة على سيناريو الفيلم السينمائي ستتم حسب رؤية الحكومة له، وحسب منظورها، بعيداً عن رأي المختصين."

هل سيتمّ إطلاق صناعة سينمائية في الجزائر بخلق ديناميكية تمهيدية من خلال بثّ أفلام روائية طويلة، عبر قاعات السينما وإنشاء المركز السينماتوغرافي الوطني، ورفع الإنتاج السينمائي إلى 20 فيلماً في السنة؟

أثّر نظام عبد العزيز بوتفليقة على الصناعة السينماتوغرافية في الجزائر، وأكثر من هذا أضاع الحلقة التي كانت تجمع سينما ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بسينما اليوم، بعدما أسّس لجملة من العناصر ساهمت بشكل كبيرة في بقائها على حالها إلى اليوم، وسلّط الرقابة على السينما، سواءً بالأنظمة والقوانين، أو من خلال المنع غير المباشر تحت أسباب مختلفة.

هل سينجح يوسف سحايري في ما عجزت عنه تومي

فاجأ رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، شريحة واسعة من المواطنين، خاصة صنّاع السينما في الجزائر وخارجها، حين تمّ الإعلان عن أسماء الطاقم الحكومي، وهذا بعد استحداث وزير دولة مكلفة بالصناعة السينماتوغرافية، نصّب على رأسها الممثل السينمائي المعروف بشير يوسف سحايري، وقد قال وقتها المتتبعون للشأن السياسي بأن هذه الخطوة ما هي سوى حركة من الرئيس تبون لكسب ودّ السينمائيين، وإرضاء لشريحة واسعة من محبي سحايري الذي كان ينشط في صفوف المتظاهرين.

لهذا رؤوا بأن هذه الوزارة إلى زوال في أول تعديل حكومي مقبل، حتى أنهم انتقدوا وزير الدولة بسبب الدعوة التي أطلقها لعقد جلسات استماع بمقرّ وزارة الثقافة تجمع وزيرة الثقافة وكاتب الدولة وبعض المسؤولين مع صنّاع السينما، لمعرفة مشاكل هذا القطاع ومعرفة الحلول التي يمكن تحقيقها من أجل إرجاعها لسكتّها الصحيحة، خاصة وأن هناك العديد من الهياكل والمؤسسات السينمائية الجزائرية بلا روح، ولم تقدّم أيّ شيء لتطوير السينما. لكن بعد أيام بدأت تظهر مؤشرات تؤكد نوايا الوزير الجديد يوسف سحايري لخدمة السينما الجزائرية وتطويرها، من خلال جملة القوانين والاقتراحات التي جمعها رفقة وزيرة الثقافة بن دودة، والتي تمّ عرضها على مجلس الوزارة الذي ترأسه الرئيس عبد المجيد تبون.

وحسب ما ورد في وكالة الأنباء الجزائرية فإن: "مجلس الوزراء صادق على عرضٍ قدّمته وزيرة الثقافة حول تطوير قطاع الثقافة والصناعة السينماتوغرافية. وتضمّن العرض تشخيصاً دقيقاً لواقع القطاع، واقتراحَ إستراتيجية لتطويره في الفترة 2020–2024، تتمّ بالتعاون مع العديد من القطاعات الوزارية الأخرى، إذ سيتمّ إطلاق صناعة سينمائية بخلق ديناميكية تمهيدية من خلال بثّ أفلام روائية طويلة، متوفرة في الوزارة، عبر قاعات السينما وإنشاء المركز السينماتوغرافي الوطني، ورفع الإنتاج السينمائي إلى 20 فيلماً في السنة، والتسوية النهائية لوضعية القاعات السينمائية الواقعة تحت وصاية الجماعات المحلية، أغلبها خارج الخدمة. ومن أجل تحقيق الإقلاع في هذا المجال اقترحت الوزيرة المختصة إعفاءات جبائية وشبه جبائية، لصالح المشتغلين في القطاع."

هذا المعطيات العملية تظهر النية السياسية للنظام الحاليّ من أجل التطوير الحقيقي للسينما، خاصة بعد الموافقة عليها؛ حيث تذكر وكالة الأبناء الجزائرية: "تأكيد رئيس الجمهورية بأن الغاية من بعث الصناعة السينماتوغرافية هي تشجيع الاستثمار في استوديوهات الإنتاج بتقديم كلّ التحفيزات للمهنيين من عقار وقروض بنكية لتنويع هذا الإنتاج حتى يكون وسيلة لتعزيز الروح الوطنية وزرع الشعور في النفوس بالفخر بالجزائر وتاريخها بكلّ مراحله. ودعا من جهة أخرى إلى توجيه السينما التجارية بما يحقق الإشعاع الثقافي العالمي للجزائر كأفضل وسيلة لمواجهة الغزو الثقافي الأجنبي."

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard