"كرة النار الحارقة؟"... تحديد سن الترشح لوظيفة الأستاذ/ة يغضب المغاربة؟

الثلاثاء 23 نوفمبر 202102:55 م

بعد قرار تحديد سن اجتياز اختبارات وظيفة التعليم في ثلاثين عاماً، الذي أصدرته وزارة التعليم يوم الجمعة 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، اشتعل جدل واسع في المغرب. مظاهرات عفوية اندلعت في مدن عدة، ورأى كثيرون في القرار رغبةً في التضييق على المرشحين للوظائف الحكومية، ما يضع المغرب أمام ملف احتجاجي "حارق"، قد يؤدي إلى أزمة مجتمعية عميقة، حسب البعض.

"حلمي تبخّر"

تبدو أزمة التعليم في المغرب مثل كرة ثلج تتدحرج، لتزداد تفاقماً مع تعاقب الحكومات والوزراء الذين يتولّون مهمة تسيير هذا القطاع الحيوي.

وإن كان أبرز الملفات هو ملف "الأساتذة المتعاقدين"، أو الأساتذة "أطر الأكاديميات"، كما يطلَق عليهم رسمياً، الذي يطفو على السطح مع بداية كل عام دراسي، من دون أن تتمكن الوزارة من حلحلته إلى يومنا هذا، فإن القرار الأخير بتحديد الترشح لاجتياز اختبارات وظيفة التعليم "زاد الطينة بلّةً"، حسب كثيرين.

قرار تحديد سن اجتياز اختبارات وظيفة التعليم في ثلاثين عاماً، يضع الحكومة المغربية في مواجهة الشارع. فكيف ينتهي هذا الملف الحارق؟

تحوّل الجدل بسبب القرار إلى احتجاجات عفوية في عدد من المدن، خاضها العديد من خريجي الجامعات المغربية الذين رأوا قرارات وزارة التعليم "مجحفةً جداً"، ما ينذر بتصعيد مرتقب للآلاف من العاطلين الذين تقصيهم شروط الوزارة عن تقديم ترشيحاتهم إلى مباريات التعليم، في ظل الحكومة الجديدة التي يغلب عليها الطابع التقني، والمقاربة الاقتصادية، ولا يراعي، حسب العاطلين، حلمهم بالحصول على وظيفة، ما يؤدي "إلى تبخّر أحلامهم".

يؤكد محمد زديكا، الحاصل على الإجازة، أن المتضررين من الشروط الوزارية الجديدة، سوف "يحتجون في كل وقت وحين، وفي جميع المدن".

وقال الشاب في تصريحه لرصيف22: "كنا ننتظر بفارغ الصبر هذه المباراة (اختبارات الوظيفة)، وقد كنت أحضّر طوال هذه السنة، من أجل اجتيازها، لأحقق حلم الطفولة، وكذا الحصول على وظيفة في وطننا تضمن لنا الكرامة، وتسدّ أبسط حاجاتنا اليومية، ونعيل بها أهلنا الذين سهروا طوال سنوات على تربيتنا وتعليمنا، وما كلفهم ذلك من سنوات، وطاقة، وإنفاق".

غير أن حلم محمد، ومثله كثر من المغاربة، تبخّر فجأة عندما "نزل قرار التوظيف الظالم والمجحف الذي حدد ضرورة الحصول على الميزة في البكالوريا والإجازة، أي ما يسمّى بالانتقاء الأولي لاجتياز الاختبارات الكتابية، ضارباً بعرض الحائط مشاعر العاطلين، والقوانين التي تنص على مبدأ تكافؤ الفرص، والحق في العمل، والكرامة، والعدالة الاجتماعية"، يردف محمد زديكا.

"فرصة أخيرة"

ظلّت مباريات التعليم في السنوات الأخيرة في المغرب، بمثابة "الفرصة الأخيرة أمام خريجي الجامعات ذات الاستقطاب المفتوح، خصوصاً أمام ارتفاع عدد المناصب المتنافَس عليها كل سنة، مقارنةً بالسابق"، يقول الفاعل الحقوقي والتربوي، خالد البكاري.

في حديثه لرصيف22، يرى البكاري أن "شَرْطَي السن والانتقاء الأولي بناءً على الميزة، سيحرمان أعداداً كبيرة من اجتيازها".

شرط عدم تجاوز عمر 30 عاما لاجتياز امتحان الأساتذة في المغرب ينذر بتصعيد مرتقب للآلاف من العاطلين الذين تقصيهم شروط الوزارة عن تقديم ترشيحاتهم

وأوضح البكاري أن "شرط 30 سنة لاجتياز المباريات النظامية لأطر الأكاديميات، يطرح إشكالاً قانونياً، إذ إن الأكاديميات الجهوية الاثنتي عشرة، كلها تحدد السن في 40 سنة، ولم يتم تعديل هذا الشرط"، متسائلاً: "كيف يمكن لبلاغ أن يلغي نظاماً أساسياً أصدرته المجالس الإدارية للأكاديميات التي تضم فرقاء متعددين".

صبّ الزيت على النار

كما عدّ المصدر نفسه، أنه "في سنوات سابقة، كان يمكن لهذه الشروط الجديدة أن تمر بهدوء، بحكم وجود فرص عمل أكبر، وبحكم أن الوضع الاجتماعي كان مقبولاً إلى حد ما".

وأضاف البكاري قائلاً: " أما اليوم، وأمام قلة فرص الشغل، وأمام تراجع دخل الأسر، وأمام الاحتقان الاجتماعي المترتب على جائحة كورونا، فإن توقيت هذه القرارات، وبهذه الشروط، يمكن أن يؤدّي إلى توترات اجتماعية".

واستغرب البكاري من العقل الذي يسيّر وزارة التعليم، إذ إن "هناك ورشات مهمة ومستعجلة تتطلب أن يسود الهدوء في المنظومة التعليمية، حتى يتم تجنيد الطاقات كلها لربح هذه الرهانات التي لا يمكن تأجيلها، إذا أردنا إصلاحاً حقيقياً، لكن العقل الذي يسيّر الوزارة عوض أن يخمد الحرائق، يشعلها كل سنة بقرارات مفاجئة، وغير ذات أولوية".

من جهته، يستغرب الكاتب العام الوطني لنقابة "الجامعة الوطنية للتعليم-التوجه الديمقراطي"، عبد الرزاق الإدريسي، من أن وزارة التعليم لم تكلّف نفسها عناء استشارة شركائها الاجتماعيين، قبل إصدار القرار الجديد المثير للجدل.

وأضاف الإدريس في تصريح لرصيف22، أنه لم يتم الإصغاء إلى صوت المركزيات النقابية، على الرغم من أنها "عقدت اجتماعين رسميين مع وزير التعليم في تشرين الأول/ أكتوبر، وتشرين الثاني/ نوفمبر الماضيين، واجتماعاً مع المديرية المركزية للموارد البشرية وتكوين الأطر في اليوم نفسه الذي صدرت فيه إعلانات مباراة التوظيف من طرف الأكاديميات الجهوية".

"أكدنا كنقابة في الاجتماعات كلها، على إشراك النقابات في القرارات التي تهم التعليم، والعاملات، والعاملين فيه، وإخبارنا رسمياً بالقرارات كلها، وتقاسم المعطيات"، يردف الإدريسي.

ووصف النقابي القرار بـ"المتسرع"، إذ إنه "لم يأخذ بعين الاعتبار العاطلات والعاطلين الذين كانوا ينتظرون بحماسٍ وشغفٍ وأمل، اجتياز المباراة التي تنظَّم في الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر". ويضيف: "حصل ما لم يكن منتظراً، من دون أن توفر الحكومة أي بديل لقرارها غير القانوني، والإقصائي، والتعسفي"، وفق الإدريسي.

وعبّر الإدريسي عن أسفه من ظهور إشكالية جديدة في تدبير الوظائف في قطاع التعليم، بسبب قرار الوزارة المحدِّد لشروط ولوج الوظيفة التعليمية".

وأكد الفاعل النقابي أن هذه "المشكلة الحقيقية ستطرَح خلال الاجتماعات المقبلة للمركزيات النقابية مع وزير التعليم"، على أمل أن يجد لها مخرجاً إلى جانب مشكلات أخرى متراكمة.

سقف من زجاج

بالعودة إلى ما قبل "تسقيف" سنّ التقدم لوظائف التعليم، تستمر "أزمة التعاقد" في القطاع العمومي ذاته، في سياق اجتماعي وسياسي دقيق.

ويعتقد رئيس "المركز المغربي للأبحاث حول المدرسة" (منظمة غير حكومية)، عبد الإله دحمان، أن "مقاربة هذا الملف بخطاب التهافت من قبيل ما شهدناه في الحملة الانتخابية، لا يستقيم مع حساسيته، ومع وزن هذه الفئة داخل منظومة التربية والتكوين".

ويرى العاملون في القطاع أن الوزارة تتجه أكثر نحو عقودٍ مؤقتة تسمّى بـ"التعاقد"، بدل الإدماج في الوظيفة الحكومية. وإن كانت الحكومة تبرّر القرار بالرغبة بالاستجابة لحاجيات الأكاديميات بشكل غير مركزي، يضمن توفير مدرّسين في المناطق المعزولة، أو التي تعاني من نقص في الأطر التربوية، فإن منتقدي توجه الوزارة، يرون أنه يأتي ضمن سياسة حكومية تستجيب لضغط المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، اللذين يطالبان الحكومات بالتقشف، من خلال تقليص أعداد الموظفين الحكوميين.

ويرى دحمان في تصريحه لرصيف22، أننا "إزاء كتلة حرجة من الموارد البشرية، وإذا استمرت وتيرة التوظيف بهذا النمط، فسنجد أنفسنا أمام أكثر من 200 ألف أستاذ متعاقد في أفق العام 2024".

كما شدد المتحدث ذاته على أن تملّص الحكومة الحالية من وعودها الانتخابية، سيقوّي نزعة الاحتقان والتوتر، ما قد يؤثّر على استقرار المنظومة".

لهذا، يأمل دحمان مثل العديد من المراقبين والعاملين في القطاع، والعاطلين الذين يحلمون باستقرار وظيفي في بلدٍ لم يتحول كلياً نحو قطاع خاص يوفر وظائف كافية للطبقة النشيطة، وفق شروط عمل كريمة، بأن "يصحح وزير التعليم، شكيب بنموسى، مسار مقاربة هذا الملف، ويفتح إزاءه حواراً حقيقياً ينتهي بإيجاد صيغة قانونية منصفة تحقق الإدماج".

وخلص دحمان، إلى أنه لا بديل بشأن الأزمة في قطاع التعليم، "عن الحوار والإنصات بمسؤولية؛ حوار يضمّ الأطراف كافة ويتضمن تحييد هذا الملف عن أي تهافت سياسي لا ينصف الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد، وبشكل مستعجل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard