التطبيع البحريني… لماذا يختلف اتفاق المنامة مع إسرائيل عن الاتفاق الإماراتي؟

السبت 26 سبتمبر 202001:46 م

قد لا تدوم "اللحظات السارة" التي عاشتها الحكومة البحرينية في أعقاب توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات مع إسرائيل طويلاً، إذ تجد السلطات نفسها اليوم أمام تحدٍّ أمني جديد مصدره الداخل، وتهديد خارجي قادم من إيران التي توعدت النظام الحاكم على خلفية هذه الخطوة.

شهدت البحرين خلال الأيام الماضية فرض قبضة أمنية صارمة، خوفاً من حدوث اضطرابات داخلية وأعمال عنف، حذّرت منها السفارة الأمريكية في العاصمة المنامة رعاياها مطالبة إياهم بتجنب التظاهرات والتجمعات.

في البحرين يعتنق 70% من السكان المذهب الشيعي، وهناك تيارت سنية من الإخوان المسلمين والسلفيين وحقوقيين من كل طوائف الشعب يؤمنون بالقضية الفلسطينية ويعبّرون عن دعمهم لها في مناسبات مختلفة.

احتجاجات شعبية

بدأت الاحتجاجات يوم الجمعة، في 11 أيلول/سبتمبر، وأُطلق عليها "جمعة غضب القدس"، حيث خرج المئات في عدد من المناطق والقرى، وسط تشدد أمني لافت.

وأصدرت 17 جمعية سياسية ومؤسسات مجتمع مدني، من بينها نقابة المحامين في البحرين، بياناً مشتركاً أعلنت فيه رفض التطبيع مع إسرائيل، كما وقع العشرات من الشخصيات السنية والشيعية على بيان مماثل.

واتفق كل الرافضين للاتفاقية على أن كل ما يترتب على التطبيع من آثار لن يحظى بأي غطاء شعبي، انسجاماً مع ما نشأت عليه أجيال من البحرينيين في التمسك بقضية فلسطين.

ودعا رجل الدين الشيعي البارز عيسى قاسم، المقيم في إيران، في بيان نشره "حزب الوفاق" البحريني المعارض إلى مقاومة التطبيع مع إسرائيل.

وفي 8 أيلول /سبتمبر، قال قاسم إن ما جرى يتعارض مع فتاوى التطبيع واعتباره "خيانة للأمة وخروج على دين الله وكذب عليه".

وكان البحرينيون قد انتقدوا في السابق ارتباطات حكومتهم مع إسرائيل، بما في ذلك تنظيم مؤتمر اقتصادي في حزيران/ يونيو الماضي لدعم الفلسطينيين بقيمة 50 مليار دولار.

انضم البرلمان البحريني في نيسان/أبريل الماضي إلى دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لمنع رجال الأعمال الإسرائيليين والمسؤولين الحكوميين من حضور مؤتمر دولي لريادة الأعمال ولم يحضر الوفد.

"البحرينيون مستمرون في تنظيم الفعاليات الرافضة لهذا الاتفاق الذي جاء أقل من الاتفاق الإماراتي، لأنه تخلى في الفقرة العاشرة منه عن حقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية وعودة اللاجئين و33٪؜ من الضفة الغربية وضمها لإسرائيل"

وقال المعارض البحريني فاضل عباس إن الشعب البحريني رفض هذا الإعلان والعلاقات مع الكيان الصهيوني بكل مكوناته السياسية، مشيراً إلى أن البحرين عاشت يوم الجمعة الماضي تظاهرات واحتجاجات ضد التطبيع.

وأشار عباس إلى أن البحرينيين مستمرون في تنظيم الفعاليات الرافضة لهذا الاتفاق الذي جاء أقل من الاتفاق الإماراتي، لأنه تخلى في الفقرة العاشرة منه عن حقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية وعودة اللاجئين و33٪؜ من الضفة الغربية وضمها لإسرائيل.

وأضاف عباس لرصيف22: "لا أعتقد أن الاتفاق سوف يساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية داخل البحرين، بل أثار مخاوف من شراء العقارات وليس من حدوث تنمية اقتصادية، وهذا سوف يفقد الدولة قوتها وتصبح مرهونة لإسرائيل عبر تملك مواقع حساسة".

ولفت المعارض البحريني إلى وجود وحدة في صفوف المعارضة والموالاة التي رفضت التطبيع، مشيراً إلى أن تيارات الإخوان المسلمين والسلفيين التي كانت مع الحكومة دائماً رفضت الاتفاق عبر بيانات رسمية.

من جانبه، حذر الكاتب البحريني إبراهيم المدهون من "تداعيات الاتفاق على مناهجنا، وقيمنا وعاداتنا من جهة، وعلى اقتصادنا وأمننا".

وأضاف المدهون أن "تواجد الصهاينة في منطقة الخليج العربي يهدد أمن المنطقة قاطبة، فتأثيره سوف ينعكس على أمن شعوبنا وبلداننا وكذلك على أمن دول الجوار كالعراق و جمهورية إيران الإسلامية التي تقود محور المقاومة".

وتابع المدهون لرصيف22: "كشعوب خليجية، ومن منطلق ديني وقومي وإنساني، نرفض وبشكل قاطع، أي علاقة مع كيان إسرائيل، فضلاً عن اتفاقيات الأنظمة معه، والذي هو خروج عن الدين والعروبة والإنسانية".

وقال المعارض البحريني: "كان رد الشارع البحريني أمضى من السيف، وبرهن ذلك الشعب بكل توجهاته ‘الإسلامية، والقومية والعروبية‘، بالتنكر لهذا الفعل المشين من قبل نظام سلم أمره لإرادة الاستكبار التي تقوده أمريكا والكيان الصهيوني".

واعتبر المدهون أن الاتفاقية خرقت عدة مواد في الدستور، وتعد خيانة للأمة والشعب، واصفاً الحكومة بأنها غير شرعية وغير مُخوّل لها الإقدام على هذه الخطوة.

في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، حذر الدبلوماسي المصري السابق عز الدين فيشر من أن يؤدي اتفاق تطبيع العلاقات الذي أبرمته البحرين والإمارات إلى توسيع الفجوة بين الحكام في تلك الدول وشعوبهم.

وقال فيشر: "الرأي العام العربي يعادي إسرائيل، وغالباً ما تغذي الأنظمة العربية هذا العداء لصرف الانتباه عن إخفاقاتها. وعندما شعرت هذه الأنظمة لاحقاً بالحاجة إلى الاعتراف بإسرائيل، كانت مقيدة بالعداء الذي أشعلته بين شعوبها".

وبرأيه، فإن العالم العربي ينظر إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل على أنه خيانة، ليس فقط للفلسطينيين، ولكن أيضاً لتطلعات العرب وكرامتهم، وسوف يضيفون هذا إلى قائمة المظالم الحالية بشأن عدم المساواة والفساد والتمييز العرقي والطائفي، ما يؤدي إلى تفاقم المخاطر على استقرار الأنظمة.

في المقابل، كان ثمة من رحّب بالاتفاقية، معبراً عن ثقته في الإجراءات التي تتخذها الحكومة وعن رفضه لأي مظاهر احتجاجية أو محاولة للخروج على النظام الحاكم.

وقال المحلل المختص في الشأن الخليجي أمجد طه إن من يدعو إلى رفض الاتفاقية مجموعات افتراضية مدعومة من إيران ولا وجود لها في أرض البحرين، وتقوم بنشر فيديوهات مفبركة لتظاهرات لم تحدث ولم يشهدها الشراع البحريني.

وقال طه لرصيف22: "الشعب يرحب بقرارات قيادته الحكيمة ولا تظاهرات واحتجاجات وكل الكل مرحب بالاتفاقية ويدعمها".

فرصة لإيران وحماية أمريكية

حذر محللون من استغلال إيران توقيع البحرين الاتفاقية مع إسرائيل من أجل حشد الكتلة الشيعية ضد النظام الحاكم لإسقاط شرعيته.

وقال المحلل السياسي الأمريكي جورجيو كافييرو إن إيران لم ترحب بالاتفاقيات الدبلوماسية التي وقعتها الإمارات والبحرين مع إسرائيل، ويمكن للمرء أن يتوقع من النظام في طهران أن يستغل الوضع المتوتر في البحرين لتصعيد مشاكل أمراء آل خليفة.

وقال كافييرو لرصيف22 إن الولايات المتحدة تعتبر البحرين ساحة معركة في الصراع ضد النفوذ الإيراني، ولديها رغبة في رؤية المزيد من الدول العربية تحذو حذو المنامة في إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب، لذلك من المؤكد أن الولايات المتحدة ستظل ملتزمة تماماً بمساعدة الحكومة البحرينية على حماية نفسها ضد أي ردود أفعال داخلية وخارجية تنجم عن توقيعها هذه المعاهدة.

ظهرت حساسية الموقف في البحرين مع إصدار السفارة الأمريكية تحذيراً أمنياً لرعاياها، فيما لم تصدر تحذيرات مماثلة في الإمارات... ومراقبون يلفتون إلى أن الولايات المتحدة ستظل ملتزمة بمساعدة الحكومة البحرينية على حماية نفسها من أي ردود أفعال داخلية وخارجية

من جانبه، اعتبر عضو مجلس النواب البحريني السابق جمال داوود أن "إيران تحاول استغلال اتفاق السلام مع إسرائيل شر استغلال للإساءة للبحرين ومحاولة تفعيل خلاياها النائمة".

وقال داوود لرصيف22: "المواطن البحريني لا يترك فرصة لإيران وميليشياتها التي نشرت الخراب والدمار وسفكت الدماء في كل العواصم العربية".

ورأى سينا أزودي، وهو زميل غير مقيم في مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، أن طهران سوف تأخذ الاتفاق على منحى سيء للغاية، لأن البحرين كانت جزءاً من إيران حتى عام 1971، ولا يزال كثيرون في إيران يرون أن البحرين - ثقافياً ودينياً - قريبة جداً منهم، مع ذلك لا يتوقع أزودي رد فعل كبير سوى ترديد خطاب قاس.

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية أن الحرس الثوري الإيراني شكّل تنظيماً في البحرين تحت مسمّى "سرايا قاسم سليماني" لتنفيذ عمليات إرهابية في المملكة.

وظهرت حساسية الموقف في البحرين مع إصدار السفارة الأمريكية في المنامة تحذيراً أمنياً لرعاياها، فيما لم يتلقَّ الرعايا الأمريكيون في الإمارات تحذيرات مماثلة.

وندّد الحرس الثوري الإسلامي الايراني بقرار البحرين تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، متوعداً المنامة بـ "انتقام قاس" على يد الأغلبية الشيعية في المملكة.

من جانبه، رأى المدهون أن هذه الادعاءات هي من ترويج السلطة في البحرين، بغية تبرير بطشها على الشعب من جهة، وزج اسم ايران في كل مطالب الشعب الوطنية من جهة أخرى، فيما لا تستطيع السلطة إثبات ادعاءات مماثلة.

وأضاف: "لا دخل لإيران من قريب أو بعيد في بالمطالب الوطنية في التحول السلمي نحو المملكة الدستورية، حسب ما وقع عليه شعب البحرين في ما يُعرف بالميثاق الوطني الذي وقع عليه الشعب بنسبة 98.4% والذي يقر بأن الشعب مصدر السلطات جميعاً".

وأصرّ المدهون على أن "الشعب البحريني لا يتعرض للسفارات، ولا أدبيات جمعية الوفاق المعارضة تتضمن ذلك، لكن الكيان الصهيوني لا يمكنه توقع ما سيحدث وربما استشعرت أمريكا غضب الشعب البحريني، لذلك بادر النظام إلى تنظيم مسرحية جديدة".

في تقرير نشره الباحث الأمريكي سايمون هندرسون، وهو مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، رأى أن المجتمع السني في البحرين سوف يتأثر بشكل أكبر بأُسرة آل خليفة الحاكمة التي يُعتبر بعض أعضائها من المتشددين في ما يتعلق بالتهديد الذي تطرحه إيران وقد يَعتبرون هذا التحوّل الدبلوماسي سابقاً لأوانه.

ولفت إلى أن علاقة البحرين المستقبلية مع إسرائيل ستكون بحاجة إلى الحماية من مجموعة مخاطر، حتى أكثر من خطوة التطبيع الإماراتية.

وأشار الباحث الأمريكي إلى أن واشنطن تلعب دوراً كبيراً في استقرار البحرين، قائلاً: "نفوذ واشنطن في البحرين كبير، بالنظر إلى تواجد مقر "الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في المملكة. وبفضل المنافع الاقتصادية التي تدرّها هذه المنشأة، فهي لا تثير الخلاف على الصعيد السياسي المحلي".

من جانبه، قال داوود إن واشنطن ستكون ملتزمة بأمن البحرين بعد توقيع الاتفاقية حتى لو غادر الرئيس دونالد ترامب الحكم.

وأضاف النائب البحريني السابق: "لا أعتقد أنها تتغير بتغير رئيسها لأن الأصل أن البحرين حليف رئيسي من خلال القاعدة الامريكية التي تأسست من الحرب العالمية الثانية، وهي وتكتسب أهميتها لمركزها في وسط الخليج، كما أن السياسة الامريكية تتفاوت وفقاً لمصالحها بين الشدة واللين لذلك لن نخشى أي تغيير في الرئاسة الأمريكية، ومع ذلك الترقب والحذر يبقيان كجزء من المشهد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard