"بطّة" السودان... هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟

الأربعاء 24 نوفمبر 202111:13 ص

"لو كان يمشي كبطة، ويصيح كبطة، إذن فهو بطة". كان هذا رد السيناتور الأمريكي الراحل جون ماكين حينما سأله أحد الصحافيين سنة 2013 عن تعريفه لما حدث في مصر.

ربما كان ماكين يقصد أنه غير معني بإعادة تعريف ما حدث في مصر لأنه بالفعل له اسم، لكنه معني بكيف يتعامل وتتعامل بلاده مع المعطيات الجديدة التي أنتجها الحدث.

كذلك الحال في السودان. ربما لن يفيد كثيراً الكلام عن التعريفات، وسيكون أكثر إفادة الحديث عن المسارات التي أدّت إلى حدوث ما حدث والمسارات التي يمكن أن تُحدث انتقالاً ديمقراطياً في بلد غني بالحالة الثورية والاحتجاجية لكنه، ككل البلاد العربية، فقير في البنية التحتية للديمقراطية.

كل الطرق كانت تؤدي إلى انقلاب؟

تَحدُث الانقلابات حينما تتوافر لها عوامل سياسية وثقافية وتاريخية. وأهم العوامل السياسية هي عجز النخب الحاكمة عن تحقيق إنجاز يؤكد شرعيتها، وانقسامها وعدم وضوح رؤيتها وفقدانها شرعيتها عند قطاع كبير من المجتمع، ما يؤدي إلى حالة تمرد صامت يشل حركة النخب الحاكمة ويخلق فراغاً يملأه قطاع آخر من النخب، وفي أغلب الحالات يتكون هذا القطاع من عسكريين لهم مصالح سياسية.

وتاريخياً، كثرة الانقلابات في ثقافات سياسية معيّنة تخلق ميلاً عند الجنرالات للتدخل في الشأن السياسي وصناعة السياسات لا الالتزام بالاحترافية العسكرية التي تتطلب إطاعة السلطة المدنية. وتنتشر هذه الثقافة مع ضعف المؤسسات السياسية والتنفيذية وظهور المؤسسة العسكرية كمؤسسة وحيدة متماسكة وسط مؤسسات أخرى هشة.

لكن هل ينطبق ذلك على السودان؟

توفرت كل العوامل تقريباً لحدوث انقلاب يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر، وتوفرت عوامل أخرى لحدوث خرق في جسد الانقلاب أدى إلى اتفاق يوم 21 تشرين الثاني/ نوفمبر. أهم هذه العوامل:

1ـ انقسام الشارع

يستسهل البعض اختصار الشارع السوداني بنخب الخرطوم والظهير الداعم لها التي استطاعت أن تحشد لمواجهة الانقلاب حشداً أصغر نسبياً من حشد الثورة. ورغم نجاح الحشد نسبياً في دفع الانقلابيين للقبول بحلول وسطى، إلا أنه يدل على أن الشارع في السودان لا يملك نفس زخمه ووحدته مقارنة بأيام الثورة على نظام عمر البشير عام 2018.

هناك خلل ما حدث وأثّر على انكماش القوة الشعبية الحاضنة لقوى الحرية والتغيير (قحت)، الكيان التنظيمي والسياسي الأكبر خلف الثورة. فإذا ما خرجنا خارج الخرطوم، يمكننا أن نرصد مظاهر تمرد شعبي ضد حكومة قحت. وقد ظهرت اضطرابات كبيرة في بورتسودان وفي الشرق بشكل عام أدت إلى إغلاق ميناء بورتسودان في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ما هدد مخزون السلع الاستراتيجية مثل القمح والسكر والوقود.

هذا الخلل دفع أيضاً مكوناً قبلياً كبيراً مثل مجلس نظارات قبائل البجا إلى مقاطعة الحكومة واتهامها بالتمييز، والمطالبة بعزلها وتأييد أي خطوة في اتجاه عزل الحكومة، وهو ما جرى بالفعل بعد السماح بإعادة فتح ميناء بورتسودان.

وفي منطقة مروي، في شمال البلاد، ثار غضب الأهالي من تردي الخدمات، فحاصروا سد مروي (أهم سدود السودان على النيل)، ومنعوا العاملين فيه من الدخول، ما أدى إلى إضراب العاملين والإنذار بكارثة في موسم الفيضان بسبب عدم صيانة السد.

"ربما لن يفيد كثيراً الكلام عن التعريفات، وسيكون أكثر إفادة الحديث عن المسارات التي أدّت إلى حدوث ما حدث والمسارات التي يمكن أن تُحدث انتقالاً ديمقراطياً في بلد غني بالحالة الثورية والاحتجاجية لكنه، ككل البلاد العربية، فقير في البنية التحتية للديمقراطية"

تقفز بعض نخب الخرطوم "المدنية" إلى استنتاج خاطئ هو تخوين المكونات المناوئة واتهامها بالموالاة للقوى المعادية للديمقراطية، لكن ربما تشير تلك الاحتجاجات والتمرد ضد نخب الخرطوم إلى ما هو أبعد وأكثر تعقيداً من هذا الاستنتاج، وهو أن الإحساس بالتهميش على أساس عرقي وفئوي وجغرافي لا زال مستمراً حتى بعد سقوط البشير، كما أنها مؤشر على عدم قدرة حكومة "قحت" على دمج القبائل والفئات وعدم قدرتها على التعامل مع التحديات واختراق المكونات القبلية لصالحها. وهنا لا تظهر الحكومة على أنها تمثل "الشارع السوداني" لكنها تمثل جزءاً منه وعلى الجزء الآخر أن يبحث عمّن يدعمه وهو ما خلق فرصة مؤاتية للاختراق العسكري للحكم.

2ـ انقسام المكون المدني

انقسمت قوى الحرية والتغيير نفسها، سواء على السياسات أو على التوجه. فقد انشقت قوى "ميثاق التوافق الوطني" عن التيار الرئيسي لقوى الحرية والتغيير التي تشكل الحكومة، ونشطت في احتجاجات ضد الحكومة وطالبت بتغييرها.

كذلك، نشطت مجموعات سياسية أخرى في احتجاجات مناوئة للحكومة منها مجموعة حركات سياسية ومسلحة، من بينها حركة تحرير السودان بزعامة حاكم دارفور مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وزير المالية في حكومة "قحت".

وتصاعدت الانقسامات حول السياسات الاقتصادية في بلد يعاني من أزمات اقتصادية وأزمات نقدية، وأزمات حول الهوية والتوجهات، وأزمات حول مدى تمثيل الحكومة لتنويعات الشعب السوداني.

كل هذه الانقسامات خلقت فرصاً متزايدة لدعم طموح العسكريين في الإطاحة بالمكون المدني المنقسم على ذاته.

3ـ "تصفية حسابات"

انشغلت "قحت" وحكومتها بمطاردة الخصوم كاستراتيجية تعبئة وحشد. وظهر الخطاب الانتقامي أقوى من الخطاب التوافقي. وطالت "لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد"، وهي لجنة تشكلت بغرض تفكيك نظام البشير، انتقادات حتى من داخل النخبة الحاكمة ووُصفت بأنها لجنة تصفية حسابات.

رغم تأييده للجنة ووصفه لها بأنها "روح الثورة"، إلا أن المستشار السياسي لرئيس الوزراء والقيادي في الحركة الشعبية/ شمال ياسر عرمان دعا في مقال له إلى "عدم استخدامها لتصفية الحسابات وإبعادها عن شبهات الفساد".

"سيكون من السذاجة أن يصرّ البعض على لهجة تخوين اتفاق 21 نوفمبر في السودان، أو رفع شعار كل شيء أو لا شيء، فهذا الميل يتجاهل الحقائق على الأرض ويتجاهل موازين القوى التي سبقت الانقلاب والمستمرة إلى حد بعيد حتى يومنا"

لم يقتصر عمل اللجنة على عزل قيادات حزب المؤتمر، بل امتدت قرارتها لفصل عدد من الموظفين بمختلف قطاعات الدولة. وزعمت تقارير أن آلاف الموظفين فُصلوا تعسفياً لأسباب متعلقة بالانتقام السياسي، ما يهدد تسيير العمل في مؤسسات الدولة ويحشد مزيداً من الغاضبين ضد الحكومة.

تحولت لجنة إزالة التمكين إلى مطاردة الساحرات فأصبح قطاع كبير في حالة ترقب ورفض لقراراتها والتي بدا أنها سيف مصلت على كثيرين.

4ـ خلاف حول إثيوبيا

بعد تقارب المكون المدني مع حكومة أبي أحمد في إثيوبيا، استطاع المكون العسكري إعادة تقديم إثيوبيا كمصدر تهديد نشط للأمن القومي السوداني خاصة بعد تصاعد الصراع بين البلدين حول ملكية أراضي إقليم الفشقة الذي يقع داخل الأراضي السودانية، وكان تحت سيطرة ميليشيات ومزارعين إثيوبيين.

كان نجاح المكون العسكري في استعادة أغلب الإقليم أحد أهم مرتكزاته في صناعة شرعيته وحصار المتعاطفين مع إثيوبيا داخل المكون المدني وحكومة "قحت".

خلاصة

كل ما تقدَّم لا يعني قدرة المكون العسكري على فرض إرادته، أو انهيار الحاضنة الشعبية المتعاطفة مع حكومة "قحت"، لكنه يدلل على انحسار هذه الحاضنة وعدم قدرتها على فرض رؤيتها منفردة.

لذا يظهر اتفاق 21 تشرين الثاني/ نوفمبر كتعبير عن درجات توازن القوى بين المدنيين والعسكريين أو بين طريقتين لإدارة سودان ما بعد البشير.

"تقفز بعض نخب الخرطوم المدنية إلى استنتاج خاطئ هو تخوين المكونات المناوئة واتهامها بالموالاة للقوى المعادية للديمقراطية، لكن ربما يشير ما حصل إلى ما هو أبعد وأكثر تعقيداً، وهو أن الإحساس بالتهميش لا زال مستمراً"

كانت عودة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك والإفراج عن المعتقلين نقطة تحوّل جيدة لصالح المدنيين الذين لم يفقدوا كل زخمهم. لكن سيكون من السذاجة أن يصر البعض على لهجة تخوين الاتفاق أو رفع شعار كل شيء أو لا شيء، فهذا الميل يتجاهل الحقائق على الأرض ويتجاهل موازين القوى التي سبقت الانقلاب والمستمرة إلى حد بعيد حتى يومنا.

حشد الشوارع قد ينصفك أحياناً، وقد يخدعك أحياناً، لكنه أبداً لا يغني عن الحاجة إلى النظر أين تقف قدميك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard