السودان... هل وصلت الشراكة بين المدنيين والعسكر إلى مرحلة اللاعودة؟

الأحد 26 سبتمبر 202103:22 م

باتت الشراكة الهشّة بين المدنيين والعسكر في السودان مهددة بالانهيار، جراء تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بشأن المسؤولية عن تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية بالبلاد، بصورة تنفي بالكلية الأحاديث المكرورة عن وجود تناغم في الأداء الحكومي.

ويدار السودان بواسطة سلطة انتقالية قوامها العسكريين والمدنيين، وانضم إليهم لاحقاً قادة الحركات المسلحة، خلال فترة انتقالية كان مقرر لها 39 شهراً منذ توقيع الوثيقة الدستورية الحاكمة في أغسطس/ آب 2019.

وصبَّ رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الجنرال عبد الفتاح البرهان جام غضبه على المدنيين.

وحَمَّلَ في خطاب أمام قواته عقب يوم من إحباط محاولة انقلابية فاشلة، على المدنيين، وحملهم مسؤولية التردي السياسي والأمني والاقتصادي، جراء ما أسماه "تشرذمهم وتكالبهم على المناصب، وتقديمهم لمصالحهم الشخصية على حساب مصلحة الوطن".

وحذر البرهان من الإساءة لعناصر القوات المسلحة، وأبان عن رفضهم القاطع لأية محاولات لإقصائهم من المشهد، وقال إنه طالما لا توجد حكومة منتخبة بالبلاد، فالقوات المسلحة تكون هي الوصية على أمن ووحدة السودان، وهي التي ستحمي ثورته حتى من قوى الحرية والتغيير التي تمثل الائتلاف الحاكم.

وبحديثه المماثل، أعطى نائب رئيس مجلس السيادة، قائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الهجوم على المدنيين الطابع الممنهج.

حميدتي في ذات الفعالية، قال إنهم كمكون عسكري لا يجدون من شركائهم المدنيين خلافاً للإهانة والشتم وعدم التقدير، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام الانقلابيين.

مشدداً على أن المدنيين بتشرذمهم وإهمالهم لمعاش الناس، وانشغالهم بالمناصب، وراء تدهور الأوضاع على مختلف الأصعدة.

باتت الشراكة الهشّة بين المدنيين والعسكر في السودان مهددة بالانهيار، جراء تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بشأن المسؤولية عن تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية بالبلاد

أصل الخلاف

أحاديث البرهان وحميدتي، وردات فعل المدنيين الناحية للذهاب إلى المواجهة واستدعاء الشارع لحماية عملية الانتقال في السودان، تتأسس على خلافات قديمة ومتجددة، وأخرى جديدة بين المكونين اللذين جاءت شراكتهما بعد معارك قاسية لكسر العظم.

القيادي في الحركة الإسلامية المحلولة، قتادة جار النبي، يشدد على أن الخلافات بين المكونين المدني والعسكري منهجية، وبدأت حتى قبل توقيع الوثيقة الدستورية.

ويقول جار النبي لرصيف22 إن كلا الطرفين حاول الانفراد بالحكم ما بعد الإطاحة بالبشير، قبيل أن يجبرا على توقيع الوثيقة، خشية من عودة الإسلاميين للحكم.

وتمترس المكون المدني في دعواه بأنه من نظّم الحراك الداعي لتكوين حكومة مدنية تقتضي أن يتولى العسكر فيها مهام حماية الدستور والديموقراطية.

الأهم من ذلك طبقاً لجار النبي، أن المدنيين "لا يملكون مثقال ذرة من ثقة في شركائهم العسكريين الذين كانوا حتى اللحظة الأخيرة ضمن اللجنة الأمنية المدافعة عن النظام السابق".

في المقابل، يظن العسكر بأنه لولا انحيازهم للثورة في لحظة مفصلية، لما انزاح البشير. ويشددون على أن وجودهم في الحكم ضروري للتأسيس لقيام الدولة المدنية وحماية الانتقال من السياسيين "الذين سبق وأضاعوا ثورتين جراء تناحرهم ومماحاتهم"، زد على ذلك المتربصين والمغامرين الراغبين في الوصول إلى السلطة بكافة الوسائل بما في ذلك سلاح الانقلاب.

وبعد محاولات من الطرفين للانفراد بالأمر بمحاولة المدنيين استمالة الشارع، ووصول العسكريين لفض الاعتصام الذي أطاح بالبشير بالقوة المميتة، اقتنع الطرفان بأنه لا يمكن لأحدهما الانفراد بالحكم، فوافقا على صيغة الشراكة بديلاً عن صيغة الحكم المنفرد.

صراعات ما بعد الوثيقة

نصت الوثيقة الدستورية على ضرورة إصلاح المنظومة العسكرية، وأن يجري ذلك بشراكة من المدنيين.

هذا عن النصوص، لكن الواقع يقول بخلاف ذلك، حيث لم يطَل التحديث الأجهزة الأمنية، بدليل أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في مبادرته لإزالة الاحتقان والجمود في الساحة أعاد طرح مسألة إصلاح المنظومة العسكرية.

يقول القيادي بالتجمع الاتحادي، أيمن سليم، أحد الفصائل الرئيسة داخل المكون المدني الحاكم إن العسكر، وبالرغم من مرور أكثر من عامين على توقيع الوثيقة الدستورية، لا يزالون يمانعون بشدة عمليات الإصلاح، وفي أحسن الأحوال يريدون إصلاحات تتم تحت رعايتهم، وبمنأى عن المدنيين.

وقال سليم لرصيف22 إن البرهان في حديثه الأخير يصف المدنيين بكل الموبقات، فيما يصف الضباط الذين قاموا بمحاولة انقلابية استهدفت إطاحة حكم المدنيين والعسكر على حدٍ سواء بأنهم "أخوانه".

وذكر بممانعة العسكريين وتعطيلهم إنفاذ قانون قوات الأمن الداخلي، المسؤولة عن فرض الأمن مقابل الإبقاء على جهاز الأمن القديم الذي شارك بعض قادته وعناصره في قمع وتقتيل الثوار.

العسكريون عطلوا إنفاذ قانون قوات الأمن الداخلي المسؤولة عن فرض الأمن، مقابل الإبقاء على جهاز الأمن القديم الذي شارك بعض قادته وعناصره في قمع وتقتيل الثوار

معضلة الاعتصام

يعتقد اللواء المتقاعد محمود الشبلي، أن المسؤولية عن مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، هو المعضلة الأكبر في طريق شراكة المدنيين والعسكر.

يقول الشبلي إن الشارع السوداني يعتقد بشكلٍ كبيرٍ إن مسؤولية ما تقع على المجلس العسكري بقيادة البرهان وحميدتي يومذاك، في الولوغ بدماء الشهداء التي سالت في حرم القيادة العامة للجيش.

وسقط ما يزيد عن 130 شهيداً في فض اعتصام القيادة العامة في ما يعرف بمجزرة القيادة العامة، ونفذتها قوات بالأزياء العسكرية والمدنية في 3 يونيو 2019.

وشدد الشبلي بأن قادة العسكر مرعوبين من إمكانية تحميلهم وزر ما جرى أمام القيادة العامة، ولذا تراهم متمسكين بالكرسي، ورافضين لإحالة البشير إلى الجنائية، خوفاً من أن يتكرر ذات السيناريو معهم.

مفسراً إقدام العسكريين على إبرام اتفاقيات مع روسيا لإقامة قاعدة بحرية، ودخولهم في أحلاف دولية عديدة بأنه أحد المظاهر التي تفسر رغبتهم في الحصول على حماية حتى لو جاءت من خارج الحدود.

ملف إثيوبيا

إدارة ملف الصراع مع إثيوبيا يعد أحد المشكلات التي تعتور علاقات المدنيين والعسكريين في السلطة.

فالمكون العسكري يريد الذهاب إلى أبعد الحدود، بما في ذلك خوض حرب ضد نظام الرئيس الإثيوبي آبي أحمد.

يشدد الشبلي على وجود شق في الصراع الدائر حول منطقة الفشقة شديد الخصوبة، يتعلق بتحسين الصورة الذهنية للجيش، من أنه وقف متفرجاً إبان مجزرة القيادة إلى أنه الجيش الوطني المسوؤل عن حماية التراب السوداني، علاوة على انهاء أية تباينات بين مكوناته لا سيما الجيش والدعم السريع.

ولفت إلى أنه بالرغم من عدالة قضية الفشقة، فإن المكون العسكري يبدو ميالاً إلى استمرار العملية العسكرية، ما يقطع الطريق أمام كل جهود التفاوض والتقارب السياسي التي يقودها المدنيين لنزع فتيل الأزمة بين البلدين.

سعياً لاكتساب الشرعية وتحسين صورته لدى العامة، يريد المكون العسكري الذهاب إلى أبعد الحدود، بما في ذلك خوض حرب ضد نظام الرئيس الإثيوبي آبي أحمد

التباين في توصيف الأزمة الأمنية

علَّ أبرز النقاط التي يتجلى فيها الخلاف بين المدنيين والعسكر، هي تلك المتعلقة بتوصيف الأزمات الأمنية التي تعانيها البلاد.

يقول أيمن سليم إن مسؤولية الأمن منوط بها المكون العسكري، وأي حديث عن فشل في هذا الجانب، المدنيين منه براء.

يقول سليم إن تأمين المدن والقرى، وفتح الطرق القومية، ومطاردة العصابات والمجموعات المسلحة، وملاحقة عناصر النظام المُباد، كلها مسؤوليات تقع على كاهل العسكر.

ويعتقد سليم بأن انسحاب العسكر من الشوارع، أو مقابلتهم لأصحاب الشكاوي في أقسام الشرطة بمقولة "دي المدنية الدايرنها"؛ يقدم دليلاً لحاجة الأجهزة الأمنية للإصلاح، لا سيما من العناصر الموالية للنظام البائد، وتلك المفسدة والمتقاعسة.

في المقابل، قطع البرهان اضطلاعهم بمهامهم، وتكوينهم لقوات مشتركة لفرض القانون وحماية المدن والقرى بما فيها الخرطوم، مع توصيفه لأزمة الشرق التي وصلت إلى قطع الطرق المؤدية لموانئ البحر الأحمر على يد مكونات قبلية، بأنها تبدي فاضح للأزمة السياسية في البلاد، وينبغي حلها ضمن هذه الأطر.

وفي جانب ثانٍ للأزمة، نجد أن العسكر ينادون بإعادة الحصانات التي تخول لهم استخدام القوة لفرض الأمن، وسبق أن قال بذلك مدير شرطة ولاية الخرطوم السابق.

ويخشى العسكر من أن تكون تدخلاتهم لفرض الأمن، سبباً في ملاحقتهم قضائياً، لا سيما في ظل وجود حوادث مشابهة.

لكن أيمن يعود ويقول إن الحصانات المطلقة ستكون مدخلاً للتضييق والاستبداد كما كان يجري في حقبة المخلوع.

وتابع "يمكن لأفراد الأجهزة الأمنية استخدام القوة وفقاً للموجهات المعروفة أو بإذن النيابة، وهذا من صميم المتعارف عليه في عمل الجيش والشرطة".

حرب الاقتصاد

يحاول العسكر استدرار العطف الشعبي بالتنصل عن المسؤولية في التدهور الاقتصادي الماثل وتحميل وزره للمدنيين.

يقول سليم إنه، وبناء على تقديرات حكومية قال بها رئيس الوزراء، 18% من المال العام تحت ولاية وزارة المالية، بينما يرفض العسكر الخروج من العملية الاقتصادية، بإخضاع شركاتهم إلى المراجعة، وتوريد حصائلهم إلى الخزينة العامة.

ويواصل "كذلك لا يقوم العسكر بمهامهم في لجنة الطوارئ الاقتصادية - التي يترأسها حميدتي- نحو وقف عمليات تهريب الذهب عبر مطار الخرطوم، وملاحقة المضاربين وتجار العملة والسوق السوداء".

أما قتادة جار النبي، فيضع مسؤولية الفشل الاقتصادي بالكامل على عاتق الحكومة برئاسة عبد الله حمدوك.

ويقول إن إقرار سياسات تعويم الجنيه، ورفع الدعم عن السلع، وزيادة الرواتب دون وجود غطاء لطباعة العملة، يؤدي لانحدار وتردي الأوضاع الاقتصادية في كل يوم وليلة.

طموحات الحكم

تحدث كل هذه الصراعات بين المدنيين والعسكر على بعد أقل من شهر على موعد تسليم رئاسة مجلس السيادة للمدنيين الذين يحوزون بالفعل رئاسة الحكومة.

وحددت الوثيقة الدستورية أغسطس 2019 مدة 39 شهراً للحكومة الانتقالية، وجرى تصفير عدادات الفترة في أكتوبر 2020، ومن ثم تحل فترة المدنيين خلال نوفمبر المقبل.

ويشدد سليم بأن العسكر يطمحون لتمديد وجودهم على رأس المجلس من خلال دغدغة عواطف الشارع، بأنهم قادرين على توفير الأمن ولقمة العيش، بل والتحرك ضمن حواضن سياسية بعضها تخص النظام المباد، أو أهلية تثير القلاقل والاضطرابات.

لكن قتادة ورغم تحفظاته الكثيرة على أداء الحاكمين، فينكر رغبة العسكريين في الإمساك الحكم، لا سيما في ظل الفترة الحرجة التي تمر بها البلاد، ويقول إنه يتفهم رغبتهم في أن يطمئنوا على سلامة الوطن من أطماع وتخبطات مدنيي الحكومة.

الفيصل

لمعرفة موقف الشارع مما يجري من صراع بين المدنيين والعسكريين، نجد أن معظم السودانيين أبدوا الجاهزية لحماية الديموقراطية، حيث شرعوا في تسيير مواكب لحماية الانتقال، شبيهة بتلك التي أعادت المدنيين للمشهد بعد مجزرة القيادة.

لكن الرأي الغالب –بلا شك- في أنهم يفعلون ذلك حباً في الديموقراطية، وحباً في بلادهم، وعلى أمل أن تعود حكومتهم المدنية جادة الثورة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard