من بكر صدقي إلى عبد الفتاح البرهان... تاريخ الانقلابات العربية 1936-2021

الخميس 28 أكتوبر 202112:02 م

منذ أيام، قاد الفريق أول، عبد الفتاح البرهان، انقلاباً عسكرياً في السودان، أطاح بمجلس السيادة الانتقالي وبرئيس الحكومة عبد الله حمدوك. اعتبره كثيرون بمثابة نعي رسمي للربيع العربي، بعد أشهر من الانقلاب الأبيض الذي قاده الرئيس التونسي قيس سعيد على حزب النهضة وزعيمه، رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي.

كانت التجربة التونسية التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي سنة 2011، والسودانية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير بعد ثماني سنوات، من التجارب الناجحة في الوطن العربي، ولكن كلاهما قد أجهض باكراً، الأولى من قبل الرئيس المنتخب والثانية من قبل العسكر. في السودان، عاد العسكر إلى الحكم، ليذكّروا العرب بسطوتهم ورفضهم الخروج من السلطة. وكما قال نابليون ذات يوم: "لقد ذقت طعم السلطة وأحببتها، ولن أتنازل عنها أبداً".

الكثير من المتابعين لما يجري اليوم في السودان اعتبروا أنه مجرد استمرار لسلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، التي بدأت مع انقلاب حسني الزعيم في سورية سنة 1949، وصولاً إلى انقلاب عبد الفتاح البرهان في السودان سنة 2021. ولكننا ولو عدنا إلى تاريخ العرب الحديث نجد أن انقلاب حسني الزعيم لم يكن الأول في المنطقة العربية، وقد سبقه انقلاب آخر في العراق، جرى قبل ثلاث عشرة سنة من وصول العسكر إلى الحكم في سورية، وهو انقلاب الفريق بكر صدقي سنة 1936.

منذ أيام، قاد الفريق أول، عبد الفتاح البرهان، انقلاباً عسكرياً في السودان، أطاح بمجلس السيادة الانتقالي وبرئيس الحكومة عبد الله حمدوك. اعتبره كثيرون بمثابة نعي رسمي للربيع العربي، بعد أشهر من الانقلاب الأبيض الذي قاده الرئيس التونسي قيس سعيد

مهندس الانقلاب الأول

نظراً لكل ما مرّ به العراق في النصف الثاني من القرن العشرين وخلال العقدين الماضيين، نسي الناس تاريخ العراق الأقدم والذي ولدت منه مطامع العسكر في الوطن العربي. معظم الباحثين والصحفيين اهتموا بتاريخ العراق في عهد صدام حسين، وكتبوا كثيراً عن حربه مع إيران وعن احتلال الكويت والغزو الأمريكي، وكل ما نتج عنه منذ عام 2003. ولكن لولا بكر صدقي سنة 1936 لما كان صدام حسين سنة 1979، وربما ما كان الاحتلال الأمريكي.

كان بكر صدقي ضابطاً في الجيش العراقي، وهو من مواليد 1890 لأم كردية وأب عربي. ولد في بلدة عسكر القريبة من كركوك ودرس في الكلية الحربية في إسطنبول، ليشارك في الحرب العالمية الأولى ضمن صفوف الجيش العثماني. وعند تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1920، كان بكر صدقي من أول المنتسبين إليه. خدم في معية مؤسس المملكة العراقية الملك فيصل الأول، وعند وفاته أقسم الولاء لنجله الملك غازي، الذي تولّى العرش في 8 أيلول 1933.

عاد العسكر إلى الحكم، ليذكّروا العرب بسطوتهم ورفضهم الخروج من السلطة. وكما قال نابليون ذات يوم: "لقد ذقت طعم السلطة وأحببتها، ولن أتنازل عنها أبداً"

كان الملك غازي حديث العهد في حكمه وقليل الخبرة عندما تفجّرت طموحات بكر صدقي الانقلابية، ولم يمضي على تسلمه العرش إلّا ثلاث سنوات. وكان فتى يافعاً في الرابعة والعشرين من عمره، ليس له أي من مزايا وقدرات والده، وقد تطاول عليه الكثيرون من العسكر والسياسيين، وحاولوا فرض هيمنتهم عليه. وقد نشبت ضد حكمه عدة ثورات من العشائر، كانت أشهرها في منطقة الفرات الأوسط، التي تولّى بكر صدقي مهمة قمعها وإجهاضها من موقعه في قيادة الفرقة الثانية في الجيش العراقي.

قيل الكثير في بكر صدقي ولكن، وحتى اليوم، لم يثبت علاقة لأي دولة أجنبية في انقلابه، ويبدو أنه كان ناتجاً عن طموح شخصي وغرور كبير في نفسه. لم يكن العسكر قد وصلوا إلى الحكم في الوطن العربي بعد، ولكنهم كانوا ينظرون إلى أقرانهم في أوروبا بإعجاب شديد.

فقبل انقلاب بكر صدقي في العراق كان أدولف هتلر قد تسلّم لقب الفوهرر في ألمانيا سنة 1934، بعد وصوله إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية، وفي روما كان "الدوتشي" بينيتو موسوليني، حاكماً منذ العشرينيات، وفي إسبانيا كان نجم الجنرال فرانثيسكو فرانكو قد بدأ يسطع. من الممكن جداً أن تكون هذه التجارب (الناجحة حتى ذلك التاريخ) قد ألهمت بكر صدقي ورفاقه، فقرّروا التحرك عسكرياً في صباح 29 تشرين الأول 1936، للإطاحة بحكومة الرئيس ياسين باشا الهاشمي، وفرض بديل يرضى عنه الجيش.

يوم الانقلاب

تحركت قوات الفريق صدقي من اليعقوبة باتجاه بغداد، ووصلت إلى مشارفها في الساعة السابعة والنصف صباحاً، مهددة باقتحام المدينة وقصفها إذا لم يستجب الملك غازي لمطالبهم. وقد شارك في الانقلاب كل من قائد الفرقة الأولى في الجيش العراقي، عبد اللطيف نوري، والعقيد محمد علي جواد، قائد القوة الجوية، الذي أمطر العاصمة العراقية بالمناشير، مطالباً بالاستجابة الفورية لمطالب الجيش وإلّا سيتم استبدال الأوراق بالقنابل.

وقد أُعطي الملك مهلة ثلاث ساعات للاستجابة لمطالب الانقلابيين. ومن ضحايا ذلك اليوم الدامي من تاريخ العراق كان وزير الدفاع جعفر باشا العسكري، وهو مؤسس الجيش العراقي الذي خرج إلى مشارف المدينة لمفاوضة بكر صدقي، ولكنه قتل بأمر من قائد الانقلاب، وتم التنكيل بجثته.

الكثير من المتابعين لما يجري اليوم في السودان اعتبروا أنه مجرد استمرار لسلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، التي بدأت مع انقلاب حسني الزعيم في سورية سنة 1949، وصولاً إلى انقلاب عبد الفتاح البرهان في السودان سنة 2021

رئيس الحكومة ياسين الهاشمي كان أيضاً ابن المؤسسة العسكرية، وهو شقيق رئيس أركان الجيش العراقي طه الهاشمي، الذي كان خارج البلاد يوم انقلاب بكر صدقي. كان ياسين الهاشمي يكبر بكر صدقي بأربع سنوات، وقد تخرج مثله من الكلية الحربية في إسطنبول، وخدم في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى. عمل مع الملك فيصل خلال فترة حكمه في سورية (1918-1920) حيث كان رئيساً لأركان الجيش السوري (وهو عراقي لا يحمل الجنسية السورية) ورئيساً للمجلس العسكري في دمشق.

وبعد خلع الملك فيصل عن عرش الشّام وتسلمه عرش العراق، توجه ياسين الهاشمي إلى بغداد وتسلّم فيها عدة مناصب، فكان وزيراً للمواصلات والحربية، ثم رئيساً للحكومة للمرة الأولى سنة 1924. وبعد أن عاد إلى الحكم للمرة الثانية في 17 آذار 1935، قام بضرب جميع المعارضين لحكمه، وأمر بتعطيل الكثير من الصحف المنتقدة له، ومنها جريدة الأهالي المعروفة.

وكان له أفكار تقدمية معارضة للتدين ولرجال الدين، فقد شجّع العراقيات على السفور ومنع إقامة الشعائر الدينية في المناسبات الشيعية، ما أغضب شريحة واسعة من الشعب العراقي. كما أصدر المرسوم رقم 75 في 6 حزيران 1936، الذي قيد من تحركات العائلة الهاشمية الحاكمة، بعد هروب الأميرة عزّة بنت فيصل، شقيقة الملك غازي، مع عشيقها اليوناني إلى جزيرة رودس.

بذلك، لم يتردد الملك غازي بعزله وتعيين حكمت سليمان، المحسوب على بكر صدقي، في رئاسة الحكومة. وكان سليمان، وهو من أصول شركسية، قد عمل مديراً لكلية الحقوق في بغداد ووزيراً للعدلية والمعارف ثم وزيراً للداخلية في حكومة ياسين الهاشمي، ولكنه كان ضعيفاً سياسياً، ويستمد قوته من دعم المؤسسة العسكرية له.

لو عدنا إلى تاريخ العرب الحديث نجد أن انقلاب حسني الزعيم لم يكن الأول في المنطقة العربية، وقد سبقه انقلاب آخر في العراق، جرى قبل ثلاث عشرة سنة من وصول العسكر إلى الحكم في سورية، وهو انقلاب الفريق بكر صدقي سنة 1936

دخل حكمت سليمان إلى رئاسة الحكومة العراقية في منطقة القشلة ببغداد، وخرج منها ياسين الهاشمي مجبراً، حيث نُفي إلى سورية. وفي دمشق أقام في بناء جميل في منطقة الشعلان حتى وفاته سنة 1937. أمّا عن بكر صدقي، فقد أعلن أنه لا يطمح لمنصب أعلى من رئاسة أركان الجيش العراقي، وأنه لا يريد أن يكون رئيساً للحكومة أو رئيساً للجمهورية.

ولكنه، ومن مكتبة في رئاسة الأركان، أصبح هو الحاكم الفعلي للعراق، مستنداً لدعم الجيش له وضعف الملك غازي في مواجهته. وكان له اليد الطولى في الانتخابات البرلمانية التي أجريت بعد أشهر من انقلابه، في 20 شباط 1937، والتي أوصلت العديد من حلفائه وأنصاره إلى السلطة التشريعية. ولكنه مات مقتولاً مثل معظم الضباط الانقلابيين في العالم العربي، حيث تم اغتياله وهو زيارة إلى القاعدة الجوية في الموصل يوم 11 آب 1936.

للتاريخ

وللمقارنة التاريخية، فإن حسني الزعيم قد قتل رمياً بالرصاص بعد أربعة أشهر من تسلمه الحكم في دمشق، ومات مهندس الانقلاب الثاني سامي الحناوي بنفس الطريقة البشعة في أحد شوارع بيروت سنة 1950. أما صاحب الانقلاب الثالث أديب الشيشكلي، فقد لحقه غريمه إلى البرازيل وأطلق عليه النار في أيلول 1964، بعد عشر سنوات من خروجه من الحكم في سورية.

وقد واجه الرئيس عبد الكريم قاسم نفس المصير الأسود، وهو الذي جاء إلى الحكم على متن دبابة عسكرية عند انقلابه على العائلة المالكة وذبح جميع أفرادها سنة 1958، ليتم قتله بعد خمس سنوات، سنة 1963.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard