أحذية أطفال وطلقات دوشكا وباكيتات دخان... زغلولة يصور الموت السوري

الخميس 25 نوفمبر 202105:04 م

حدَّثني فنان التصوير الضوئي نصوح زغلولة، أن صداقةً جمعته مع الشاعر نزيه أبو عفش، إحدى أساساتها كانت محبَّة العصافير. وجاء يوم اضطر فيه نزيه للسفر، ولمحبته الكبيرة لحَسُّونٍ كان لديه، أوْكَلَ أمر رعايته إلى نصوح.

وفعلاً بعد ساعة من سفر صديقه، هَرَعَ إلى منزله ليتفاجأ بأن الحسُّون ميّت داخل القفص. ولسبب لا علاقة له بالمصداقية والثقة، بل رُبَّما للحساسية الإنسانية العالية لكلا الصديقين، أبقى زغلولة الحسون الميت في قفصه لحين عودة صديقه الشاعر أبو عفش بعد عدة أيام، إذ نظر إلى الموضوع من زاوية حق الإنسان بالتأكُّد والتَّيَقُّن من وفاة من يحب، حتى لو كان عصفوراً، بحيث لا يبقى هناك أي شكّ في حقيقة الأمر مهما كانت مؤلمة.

ربما هذه الحادثة التي يعود تاريخها إلى ما يزيد عن الثلاثين عاماً، ظلَّت راسخة في وجدان زغلولة، لدرجة أنه أعاد تخليقها ضمن معرضه الأخير المُقام حالياً في "غاليري جورج كامل" بدمشق، عبر ثماني عشرة لوحة عابقة بالموت، وبقدر ما تحتفي بالغياب، فإنها توثِّق حضوره وترصد تغيُّراته وآثار وجوده المتبقية، ليس بالمعنى الواقعي، وإنما بتعبيرية عالية وفكرة فريدة، جعلت العصافير المقتولة بيادق على رُقع شطرنج، وفي مَرَّات أخرى وَضَعَهَا في مواجهة مع "طلقات الدّوشكا".

ضمن معرضه الأخير المُقام في دمشق، في ثماني عشرة لوحة، وثّق فنان التصوير الضوئي نصوح زغلولة الغياب وآلامه 

وبروح ساخرة كانت "باكيتات الحمراء الطويلة" خصماً للكناريات الميتة في إحدى اللوحات، وإمعاناً في تصوير الموت وآلامه، استُبدلت العصافير بأحذية أطفال مُلطَّخة بالدِّماء، ولأن الحرب دائماً جائرة، فإنها غيَّرت قوانين اللعبة برُمَّتها، فزاد عدد أحجارها ليُغطي كامل رقعة الشطرنج، ولم يعد هاماً تكتيك اللعب ولا مهارة النقلات، ولا الحسابات الذهنية المعقدة واستشراف حركات الخصم وبناء استراتيجية في تحريك الأحجار، بقدر الاهتمام بتصوير بلاغة الموت، مع مراعاة جماليات التكوين، وتوزيع عناصر كل لوحة على المربعات الأربعة والستين، التي نستنتج أن كلاً منها في اللوحات الثماني عشرة هو صورة لا تتكرر نهائياً.

ومع قليل من التدقيق، نرى أن جميع العناصر تم تصويرها على رمال صفراء وأخرى مصبوغة بالأسود، وتبدو ملساء هادئة في البداية، لكنها لا تلبث أن تشهد هي الأخرى حربها وخرابها الخاص.

خاصةً في اللوحات التي ترمز إلى المقابر الجماعية، حيث تُغطّي الرمال الكناريات المتفسِّخة، ضمن تناص تشكيلي مُبهِر للحرب السورية، بحيث يمكننا القول إن زغلولة اشتغل على فكرة معرضه بالبداية وأولاها الأهمية الكبرى، جاعلاً من لوحاته بمثابة مقاربات فلسفية جمالية، تتناول حياة الإنسان السوري في حربه الوجودية المستعرة منذ ما يزيد عن عشر سنوات وحتى الآن، ولإيضاح رؤيته كان لرصيف22 هذا الحوار:

البعد الجمالي في المعرض ينصب أساساً في فكرته الفريدة، كيف بدأت فكرة هذا المعرض؟ وكيف تطوَّرت؟

كان عندي 300 عصفور كناري في منطقة الدويلعة ضمن دمشق، ومع القصف بدأوا يموتون واحداً بعد الآخر، وكلما مات واحد كنت أُصوِّره، والموضوع في البداية كان تصويراً عشوائياً للعصافير، ثم لعُلَب الدخان التي أنتهي من تدخينها، وبعد ذلك عندما كنت أفتح ملف الصور على الحاسوب، بتُّ أراهم ضمن مربعات، ثم جاءتني فكرة لعبة الشطرنج، لكن موضوع الخلفية عذَّبني جداً، حتى فكرت بقصة الرمل والبحر الذي بلع الناس، وبدأت التجريب.

نصوح زغلولة: "كان عندي 300 عصفور كناري في منطقة الدويلعة ضمن دمشق، ومع القصف بدأوا يموتون واحداً بعد الآخر"

ثم اقتنعت بأن هذا ما أريده، وبدأت مغامرتي في هذا المعرض بباكيتات الدخان ثم العصافير، ثم زادت العناصر قليلاً فتضمنت طلقات الدوشكا، ثم أحذية الأطفال، ثم زهرة الحُمِّيضة.

كل الصور تتم محاكمتها جمالياً من خلالها الزاوية والمنظور والإضاءة والتكوين... لكن المُلاحظ في جميع لوحاتك أن صورك الألف ومئة واثنتين وخمسين صورة كانت جميعها تُلتَقَط من الأعلى.

كان ذلك بالنسبة لي حلَّاً لضبط العمل ككل، وفي لعبة الشطرنج هناك لاعبان، وهناك عناصر يُلْعَب بهم، لذا كان هناك ما تخيّلته خارج اللوحة، أي اللاعبين، وهناك العناصر الملعوب بها والعلاقات فيما بينها، فمثلاً كان في الدخان نوع من الفُكاهة، حيث أن عُلَب دخان الماستر تشبه إلى حدٍّ كبير عُلَب الوينستون، وهكذا أوحيت إلى أن المنتج الوطني المُتمَثِّل في الحمراء الطويلة يقع في مواجهة المنتج الأجنبي.

يقول المهاتما غاندي: "رفضت دائماً لعب الشطرنج لأني لا أريد أن أقتل جيشي وجنودي وكل ما هو على أرض الشطرنج لكي يحيا الملك"، ألا توافق هذه المقولة؟

أنا صوَّرت الجميع ضحايا، بمن فيهم الملك، فهو ضحية بالنهاية، وفي بعض اللوحات الختامية أفلتت اللعبة من يديّ، ولم تعد هي المهمة، بل صار هناك مدافن جماعية ومجازر جماعية بدأت تتوضح معالمها، إذ إن المخاض الذي عشناه طيلة العشر سنوات من الحرب، جعلني أقوم بتحليل نقديّ ذاتيّ، وأحسست أنني إن لم أقله سأختنق، لذلك قلته من خلال هذا المعرض.

ألم تقيدك فكرة الرقعة المؤلفة من 64 مربع؟

على العكس أراحتني كثيراً، وضبطتني، وبتّ أفكر بالجوهر أكثر، ولم يعد الديكور الخارجي يعني لي شيئاً، بل تعنيني الحركة، التكوين والموضوع، بحيث باتت الرقعة بمثابة البرواز الضابط للكل من دون أي تمييز. طبعاً لجأت في بعض اللوحات بناء على ألعاب حقيقية، جمعت بين أبطال الشطرنج العالميين، ساعدني فيها يوسف عبدلكي الذي يمتلك موسوعة عن تلك اللعبة، وبدأت أبحث عن التكوينات الجميلة وأوزع العناصر على أساسها.

وفق قراءتي أرى أن أحذية الأطفال الملطخة بالدماء ترمز لموت المستقبل، والعصافير تحيل إلى موت الجمال والرهافة، بينما عُلب السجائر توحي بموت البهجة وقتل الوقت، هل توافقني في ذلك؟

بالنسبة لي، رأيت الأحذية هي الأطفال، والعصافير هي نحن ببساطة، بينما الدخان ولاسيما الحمراء الطويلة فهو رمز للعمال والطبقة الفقيرة، وأنا من مدخني هذا النوع، وأعرف من يطردك من غرفته إن كنت ستدخن حمراء طويلة. لكن مهما كان العنصر أو الموضوع الذي نشتغل عليه، عندما نتعامل معه بشكل جدي، نستطيع أن نُحمِّله الكثير من الأهمية. فليست أهمية العنصر في ذاته، بل ما تضفيه عليه، لذا استمتعت مع كل صورة من تلك الصور التي تتجاوز الألف، وكل منها وضعت لها إضاءتها الخاصة.

نصوح زغلولة: رغم أنني "مصور شارع" وأحب أن أشتغل ريبورتاجات، ولعل أسوأ ما يمكن أن يحصل معي هو أن أصوّر ضمن الاستوديو، لكن في سنوات العشر الأخيرة سحبوا منا الكاميرا، فما عاد بإمكاننا النزول إلى الشارع

ورغم أنني "مصور شارع" وأحب أن أشتغل ريبورتاجات، ولعل أسوأ ما يمكن أن يحصل معي هو أن أصوّر ضمن الاستوديو، لكن في سنوات العشر الأخيرة سحبوا منا الكاميرا، فما عاد بإمكاننا النزول إلى الشارع، ولأن هناك شيئاً أريد الحديث عنه، لذا أُجبرت أن أعمل ضمن الاستوديو، مع أن ذاك العمل لا يعني لي شيئاً في الأساس، والمتابع لمعارضي السابقة، منذ تخرجي من قسم الاتصالات البصرية في كلية الفنون الجميلة بدمشق، فإن هاجسي الدائم هو تصوير الشام، والنقلة النوعية الثانية في مسيرتي الفنية عندما حصلت من فرنسا على دبلوم في الاتصالات الضوئية من المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية في باريس، حينها انتقلت إلى تصوير الشارع الذي أبهرني.

لذا أعتبر معرضي هذا طفرة، فليس هذا ما أهواه، ولو قُيِّض لي الذهاب إلى سوق الحرامية أو سوق الهال، لاستطعت أن أقيم معرضاً كل ستة أشهر بالحد الأقصى، لأن الحياة شيء مختلف تماماً، أما هنا فموت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard