إقالة المفتي حسون... هل شرّع الأسد الباب أمام التحوّل الديني في سوريا؟

الخميس 18 نوفمبر 202111:04 م
Read in English:

The termination of Syria’s Grand Mufti position: Has Assad opened the door to secularism?

ما إن أصدر الرئيس السوري بشار الأسد مرسوماً تشريعياً عدل بموجبه القانون (31) لعام 2018 والذي تشكل بموجبه "المجلس العلمي الفقهي" في وزارة الأوقاف، حتى تتالت ردود الفعل حيال المرسوم، وإن كانت ردة الفعل الأولية قد اتسمت بالسخرية من مفتي الجمهورية السورية بدر الدين حسون، فإن العديد من التعليقات بما في ذلك لوسائل إعلامية عربية ودولية تناقلت الخبر بداية على أنه إعفاء للمفتي من مهامه، علماً أن القانون الصادر لم يتطرق لذكر المفتي بل قضى بتوسيع صلاحيات "المجلس العلمي الفقهي" في وزارة الأوقاف، وتعديل مهماته، ما أدى إلى إلغاء منصب مفتي الجمهورية الذي يشغله حسون.

وجاء قرار الأسد بعدما كان "المجلس العلمي الفقهي"، قد أصدر بياناً انتقد فيه تفسير حسون لسورة التين في جنازة الفنان الراحل صباح فخري، حيث اعتبر حسون أن المقصود بـ"الإنسان" في آية "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" الإنسان السوري فقط. كما قام بربط السورة باللاجئين واعتبر أن من ترك البلاد سيلقى عقاباً من الله.

كذلك عزا البعض القرار إلى الخلافات الدائمة بين وزارة الأوقاف وتحديداً الوزير محمد عبد الستار السيد وحسون، إلّا أن الخلاف بين الرجلين عمره ما يقارب العشرين عاماً ومن قبل أن يستلم الرجلين مناصبهما، بل كانت بعض الخلافات تحصل برعاية الأجهزة الأمنية كما جرت العادة في سوريا.

صارت سوريا من دون منصب الإفتاء وهذا ما عاد واعتبره الكثيرون تغيراً في هوية سوريا وإلغاء تاماً لمرجعية المذهب السني في الفتوى وقوانين الوقف وقوانين الأحوال الشخصية، لصالح بقية المذاهب والطوائف

واعتبر آخرون أن السبب هو حجم الفساد المالي للمفتي حسون، ولكن فساد حسون معروف منذ كان مفتي مدينة حلب.

السابقة أنه وللمرة الأولى منذ ما قبل الاستقلال، صارت سوريا من دون منصب الإفتاء للجمهورية ومحافظاتها ومدنها، وهذا ما عاد واعتبره الكثيرون تغيراً في هوية سوريا وإلغاء تاماً لمرجعية المذهب السني في الفتوى وقوانين الوقف وقوانين الأحوال الشخصية، لصالح بقية المذاهب والطوائف، ولتصبح الأغلبية السنية واحدة من ضمن عدة طوائف، ولتسند مهمة الإفتاء إلى مذاهب وطوائف متعددة، حيث أن "المجلس العلمي الفقهي" الذي أسندت إليه مهم الإفتاء يضم رجال دين من السنّة والشّيعة الإماميّة، ومشايخ العقل الدروز، ومشايخ العلويين والإسماعيليين، ومن البطاركة المسيحيين".

وأصدر المجلس الإسلامي السوري بياناً اتهم فيه "العصابة الطائفية الحاكمة لسوريا اليوم بفعل أخطر الجرائم بحق سوريا وشعبها وهُوِيَّتها وانتمائها، وإلغاء منصب المفتي هو خدمة للولي الفقيه، ولتحويل سوريا إلى دولة طائفية بعيدة عن الإسلام والعروبة".

"العصابة الطائفية الحاكمة لسوريا اليوم بفعل أخطر الجرائم بحق سوريا وشعبها وهُوِيَّتها وانتمائها، وإلغاء منصب المفتي هو خدمة للولي الفقيه، ولتحويل سوريا إلى دولة طائفية بعيدة عن الإسلام والعروبة"

وذكر البيان "أن منصب الافتاء ومنذ بداية الفتح الإسلامي لسوريا في بداية الخلافة الراشدة مُصاناً رفيعاً ورمزاً يعبر عن هُوِيَّة أبنائها وانتمائهم"، مشيرا الى ان احدا "لم يجرؤ على إلغائه، وحتى الذين استعمروا سوريا لم يستطيعوا المساس بهذا المقام"، مؤكداً في الوقت نفسه أن "إدانة هذه الجريمة الكبرى لا علاقة لها لا من قريب أو بعيد بإقالة أحمد حسون مفتي البراميل والمُوغِل في دماء السوريين المُساهِم في تهجيرهم والمعتدِي على دِينهم".

وكان المتحدث الرسمي باسم المجلس الإسلامي السوري الشيخ مطيع البطين اعتبر في تصريحات صحافية أن "الهدف الأساس من إلغاء المنصب هو من أجل إدخال عناصر أجنبية موالية لإيران تتبع مشروع الولي الفقيه، وهذه خطوة تسير بسوريا نحو الطائفية والتمزيق والانفصال عن ماضيها". لافتاً إلى أن مرسوم تشكيل المجلس الفقهي "يعطي للوزير الحق بإدخال عناصر سورية أو من جنسيات أخرى للمجلس وهذا يسمح للإيرانيين بدخول المؤسسة"، وهو ما رأى فيه البطين "استهدافاً للمكون السني".

وفي حديث لـرصيف22، اعتبر مدير مؤسسة الذاكرة السورية أستاذ العلوم الاجتماعية عبدالرحمن الحاج أن "ما حصل هو تجريد للمفتي من صلاحياته مع بقاء منصبه"، مضيفاً أنه "من المحتمل أن يصدر نصاً صريحاً في هذا الأمر في وقت لاحق، بعدما أصبح منصب المفتي صورياً ولا عمل له بعد هذا المرسوم".

القرار تكريس للوجود الشيعي في المجال الديني من خلال استحواذ مقاعد المذاهب ونفوذهم في المجلس الذي بطبيعة الحال هو امتداد لنفوذهم السياسي، مما يعني إحكام السيطرة على المجال الديني

وبالنسبة للحاج فإن ذلك سيترتب عليه أمور عدة، منها، "أولاً، تغيير في الهوية الدينية الغالبة في البلاد، وتحويلها إلى مجرد طائفة بين الطوائف من خلال المجلس العلمي الذي يضم كل المذاهب، والذي سيكون وجه الدولة الديني. وثانياً، تكريس الوجود الشيعي في المجال الديني من خلال استحواذ مقاعد المذاهب ونفوذهم في المجلس الذي بطبيعة الحال هو امتداد لنفوذهم السياسي، مما يعني إحكام السيطرة على المجال الديني من خلال مؤسسات الدولة الدينية، وسيشكل هذا أخطر خطوة مقبلة، إذ سيتحكم المجلس العلمي - كما يظهر في مهامه - في دور الدين في المجتمع، الدين كما تريد له المؤسسة السياسية أن يظهر".

ويقول الحاج: "الخطة الاستراتيجية للتدخل الإيراني في سوريا عام 2013 كما سردها الجنرال المقتول أحمد همذاني - تقضي بأن يكون العمل على التحول الديني (التشييع) في البلاد بنداً أساسياً، وتم تأجيل تنفيذه - كما قال هو - بطلب من أمين عام حزب الله لأن الوضع في ظل الحرب غير ملائم لتنفيذ ذلك، ويبدو أن الوقت حان".

الخطة الاستراتيجية للتدخل الإيراني في سوريا عام 2013 كما سردها الجنرال المقتول أحمد همذاني - تقضي بأن يكون العمل على التحول الديني (التشييع) في البلاد بنداً أساسياً

ويتابع الحاج: "ثالثاً، سيؤدي القرار أيضاً إلى تعزيز الطائفية إذ سيدفع قرار تهميش المفتي إلى إنشاء مرجعية سنية بديلة تمثل "السنة"، ربما يقوم المجلس الإسلامي السوري بهذه المهمة، وسيكون هذا خطير جدا أيضاً؛ إذ بقدر ما سوف يُشعر ذلك الأكثرية السنية أن هويّتها محمية رمزياً، فإنها يمكن أن تكون تعزيزاً لتحولها إلى طائفة منافسة في مجتمع منقسم. رابعاً، إلى فقدان الثقة بالمؤسسة الدينية والذي يمكن أن يُنشئ سوقاً سوداء للفتوى تعزز اغتراب المجتمع عن الدولة وتخلق أنماطاً دينية جديدة على الأرجح متطرفة، وخصوصاً إذا ما أخذنا بالحسبان فقدان الأمل والدمار الهائل في سوريا بدون وجود أفق".

ولطالما كانت المؤسسة الدينية في سوريا داعمة لحكم عائلة الأسد منذ انقلاب الرئيس السوري الراحي حافظ الأسد في العام 1970، يومها قاد الشيخ أحمد كفتارو مفتي سوريا الذي دعمه البعثيون في العام 1963 حملة لتبارك المؤسسة الدينية الانقلاب. وطيلة 30 عاماً فترة حكم الأسد الأب تعززت العلاقة بين المؤسسة الدينية والنظام، الذي استطاع استقطاب الشيخ محمد رمضان البوطي، الذي كانت له مكانة علمية عالية، في سوريا والعالم الإسلامي.

ولم يختلف الامر كثيراً مع وصول الرئيس الحالي بشار الأسد إلى الحكم، وكان أحمد بدر الدين حسون، مفتي سوريا وأعلى سُلطة دينية في البلاد، واحداً من أكثر الشخصيات الدينية إثارةً للجدل طوال فترة ولايته، وتحديداً مع بداية الثورة في 2011.

حسون ابن مدينة حلب، كان قد عُيّن في العام 2002، مفتياً لحلب. وفي العام 2005، وبعد وفاة مفتي سوريا أحمد كفتارو بشهور، عيّنه الأسد مفتياً عاماً للجمهورية خلفاً لكفتارو. ومنذ ما قبل تعيينه مفتياً للجمهورية وقبل وصول السيد إلى منصب وزير الأوقاف كانت الخلافات بين الرجلين علنية".

كان لحسون تصريحاً إشكالياً آخر قال فيه: "أقسم لكم بالله أن الرئيس حافظ الأسد مات ولم يملك سوى بيتاً في القرداحة وأتحدى العالم أن يثبتوا لي أن عنده بيت آخر، وأن بشار الأسد لا يملك شيئاً، وأنا أحكي عن قرب"

وسبق وظهر حسون في مواقف لافتة دعماً للأسد، إذ قال: "إلى دول أوروبا وكل المتآمرين، في حال الاعتداء على سوريا ولبنان فإن كل أبنائنا سيكونون استشهاديين على أرض أميركا وفرنسا وبريطانيا. أقول لكل أوروبا، أننا سنعد استشهاديين لهم الآن، وفي أميركا إن قصفت أميركا سوريا، فالعين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم".

وكان لحسون تصريحاً إشكالياً آخر قال فيه: "أقسم لكم بالله أن الرئيس حافظ الأسد مات ولم يملك سوى بيتاً في القرداحة وأتحدى العالم أن يثبتوا لي أن عنده بيت آخر، وأن بشار الأسد لا يملك شيئاً، وأنا أحكي عن قرب".

عندما قتل نجل أحمد حسون اتهمت المعارضة النظام باغتياله، بينما اتهم النظام "مجموعات إرهابية" بالعملية، وخلال التشيع قال حسون "إن الذين يرتكبون هذه الأفعال لا يستهدفون أشخاصاً وإنما يستهدفون الوطن ويريدون لسوريا أن تركع أمام الصهاينة وأميركا"، مؤكداً "أنهم لن يصلوا إلى غايتهم وأنه حتى ولو لم يبق في سوريا إلا رجل واحد فإنه لن يتنازل عن فلسطين ولن يركع أمام أعداء الأمة ولن يكون جبانًا ولن يقتل الأبرياء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard