هل كانت السينما العربية أمينة في نقل الوقائع التاريخية أم حرفتها لأجل الحبكة والأرباح؟

الخميس 25 نوفمبر 202101:41 م

كما حال الجدل الدائم حول من جاء أولاً إلى الدنيا، البيضة أم الدجاجة؟ تأبى تجارب الأفلام التاريخية أن تُنهي مسيرة الخلاف الذي يشتعل من حين لأخر بين صناع الفن، حول تلك النوعية من التجارب، خصوصا أن البعض يرى أنها تم تزييفها عمدا لسبب أو لآخر، بينما يرى آخرون أنها غير ملزمة بالأساس بنقل الوقائع التاريخية كما جرت.

وأمام هذا الفيض من الآراء المتصارعة، سألنا صناع الفن وأهله وناسه: هل كانت السينما المصرية والعربية إجمالاً أمينة في نقل الوقائع التاريخية أم أنها أدارت لها ظهرها لأجل الحبكة السينمائية وضمان وسيلة جذب للجمهور وتحقيق الأرباح؟

الناقد الفني كمال القاضي يجيب: "في معظم ما تمّ تقديمه من أعمال تاريخية مصرية وعربية كانت هناك انحيازات فكرية للكتاب، لكنها لم تفسد النص، ولم تخل بوجهة النظر العامة وقليل منها ما غائر الحقائق التاريخية، وهناك أمثلة كثيرة في هذا الصدد، من أهمها فيلم (أسد الصحراء)، المعروف بـ(عمر المختار) للمخرج الكبير مصطفى العقاد وفيلم (الرسالة) لنفس المخرج، وفيلم (الشيماء) المأخوذ عن قصة علي أحمد باكثير، وفيلم (وا إسلاماه). والأخير بالتحديد انحرف ببعض التفاصيل للضرورة الدرامية، كما أن هناك نوعيات أخرى سينمائية مهمة ليوسف شاهين كأفلام (الناصر صلاح الدين)، و(المصير)، و(المهاجر). هذه الأعمال تدخل صناعها في النص التاريخي تدخلاً سياسياً لتمرير وجهة نظر معينة، لكن هذا التدخل لم يفقد النص الأصلي خصائصة التاريخية".

وتابع القاضي: "أتصور أن هناك تعديلات تأتي من قبيل التخفيف لأن ليس كل تاريخي قابلاً للتحويل الدرامي فالجمهور السينمائي مكون من فئات مختلفة، وهذا يتطلب مراعاة الفوارق الثقافية، أما الأعمال التاريخية السياسية كفيلم (مصطفى كامل) للمخرج أحمد بدرخان أو غيره من القصص التي تناولت سير الزعماء، فحتماً يحدث التدخل وتترك العملية الإبداعية لوجهات النظر، وذلك لعدم وجود مراجع تاريخية يتم الاحتكام لها أو لرغبة ما في التسييس، وهو أحد عيوب التوثيق السينمائي؛ فباستثناء قصص الأنبياء والصحابة التي تخضع لمراجعات دقيقة من الأزهر كمسلسل (محمد رسول الله)، لا يتم الاعتناء الكافي بالمراجعة التاريخية".

"باستثناء قصص الأنبياء والصحابة التي تخضع لمراجعات دقيقة من الأزهر كمسلسل (محمد رسول الله)، لا يتم الاعتناء الكافي بالمراجعة التاريخية"

يرى القاضي أن أمراً كهذا يعد خللاً واضحاً في الكتابة والصياغة والإعداد، ومن ثم تحدث دائماً خلافات حول الأعمال التاريخية السياسية، ضارباً المثل بفيلمي "ناصر 56 " و"أيام السادات" لأنهما طرحا السيرتين الذاتيتين للرئيسين جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات بشكل مقتضب ومن وجهة نظر سياسية وهذا ضد التوثيق، بحسب رأي كمال.

ويضيف: "وقد يكون ذلك غير واضح في السينما التسجيلية والوثائقية لأنها خارج دائرة الخيال الدرامي وإن كان القليل منها لا يلتزم حرفياً بالعناصر الموضوعية للتوثيق والتسجيل، لكنها إلى حد ما مضمونة ويؤخذ بها، ولاشك في أن حسابات الإنتاج والسوق والإيرادات تتدخل أحياناً بالنسبة للسينما التجارية في مسألة المعالجة".

"هناك فارق كبير بين الأدب والسينما، بمعنى أن كل وسيط يتناول الوقائع من زاوية، فكتب التاريخ مثلاً تذكر الواقع إما في السينما أو الفن عموماً، فالأمر مختلف". بهذه الكلمات يفتتح الناقد الفني أحمد سعد الدين شهادته، قبل أن يضيف لنا: "صناع الفن محتاجون إلى قصة فيها بداية ووسط ونهاية، حتى إن كانت تستند إلى وقائع حقيقية أو تاريخية لأن هذا الوسيط لو أردنا ترجمته في اللغة العربية، سنجد أن السينما في العربية تعني الخيالة، من التخيل، وهذا التخيل لا ينقل الواقع كما هو وإنما يبحث دائماً عن حبكة تتماشى مع ظهور العمل على الشاشة".

"ومن هنا يمكن لصناع الفن أن يستخدموا الثوابت التاريخية، ولكن يمكنهم أن يلتفوا حولها؛ على سبيل المثال، قائد مثل صلاح الدين الأيوبي يمكن أن نراه في عمل فني وهو متواجد في بيته، الذي لا نعرف عنه شيئاً. هنا يستطيع صناع العمل أن يلعبوا بما يخدم الدراما، ولكن دون أن يظهر صلاح الدين جباناً مثلاً. والمشكلة أن السينما عندما تتناول الأمور التاريخية تتعامل معها بشكل فني، وليس بشكل توثيقي، ولذا سنجد أننا نقرأ كتب التاريخ فنتعرف فيها على الوقائع التي جرت على أرض الواقع، وعندما نراها على الشاشة، نجدها بشكل آخر ومختلف، أو بها بعض التفريعات التي لم تكن موجودة بالقصة الأصلية".

يختتم سعد الدين: "الخلاصة أن السينما نفسها لها قانونها الخاص وهذا القانون لا يُستخدم في السينما الوثائقية لأنها توثق أمراً ما. أما فى الأعمال الروائية، فمن حق الكاتب أن يخلق شخصية أو يستبعد أخرى، لكن المهم هو أن السواد الأعظم لروح العمل لا يتغير".

يعلق الكاتب وائل الشيمي على تلك الإشكالية ويقول: "بعض الكتاب والمخرجين يرون أنه من حق صناع الفن إعمال الخيال فى تجاربهم دون قيود، وهنا أسألهم: ما المانع من اللجوء إلى واقعة تاريخية تضم كل ما يبحث عنه صناع الفن، من حبكة وصراع وغيرها من التفاصيل التي تخدم الدراما، بحيث لا يحتاجون إلى إجراء كثير من التعديلات عليها فى تجربته الفنية، ويصلون إلى حد التشويه؟ خصوصاً أن بعض التعديلات على الوقائع التاريخية، تسهم في تزييف التاريخ، في ظل أن الأغلبية من الشباب يعتمد اليوم في مصدر ثقافتهم وتثقيفهم على السينما والوسائط المشابهة".

ويكمل: "رأينا أصواتاً عالية من قبل تنتقد ما يقدمه الغرب عنا وعن صورة العرب عموماً، وكيف أنها محصورة فى شخصية البدوي والهمجي والقاتل، وحتى اليوم نرى أفلاماً أجنبية يقدمون فيها العرب على أنهم يعيشون فى خيام. وهناك أفلام أخرى تتناول وقائع تاريخية لتشويه العرب وحضارتهم وتاريخهم عن عمد، فهل يجوز أن نقدم أعمالاً تحرف التاريخ مثلهم؟ رأيي الخاص أن من يتصدى لعمل تاريخى عليه نقل الوقائع كما جرت، وإذا كان بحاجة للتغيير فليكن التغيير في أضيق الحدود".

"في الأربعينيات تصدى إبراهيم لاما لإخراج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي، وتنبأ الكثيرون له بتقديم تجربة مبهرة، غير أنه ابتعد في تناوله عن كل الوقائع التاريخية، وارتكب الكثير من الأخطاء حتى أن الفيلم انجرف إلى الرومانسية بعيداً عن أي جانب تاريخي"

ويروي الباحث رامي الحديدي: "تحريف التاريخ أمر تكرر في عدد كبير من الأفلام التاريخية العربية، والأمر ليس وليد اليوم، ففي الأربعينيات تصدى إبراهيم لاما لإخراج فيلم عن القائد صلاح الدين الأيوبي، وكان وقتها حدثاً مهماً، حيث تنبأ الكثيرون له بتقديم تجربة مبهرة، غير أنه ابتعد في تناوله عن كل الوقائع التاريخية، وارتكب الكثير من الأخطاء حتى أن الفيلم انجرف إلى الرومانسية بعيداً عن أي جانب تاريخي. نفس الخطأ وقع فيه إبراهيم لاما مرة أخرى حين تصدى لإخراج فيلم (كليوباترا)، وركز على الجانب الرومانسي بين أنطونيو وكليوباترا دون الاهتمام بتفاصيل أو أسس الصراع الدائر وقتها على السلطة، وتكررت نفس المأساة في فيلم (وا إسلاماه)، الذي خالف الحقيقة في أكثر من موضع، حتى أنه أضاف شخصيات غير حقيقية لخدمة الدراما".

"وفي فيلم (صلاح الدين) يزداد الأمر سوءاً، حيث نرى فيه والي عكا على أنه خائن رغم أنه دافع عن المدينة ببسالة، ولم يستسلم. كما أن عيسى العوام كان مسلماً وليس مسيحياً، ومن جديد سنرى يوسف شاهين يكرر نفس الخطأ في فيلم (المصير) الذي يتطرق إلى حياة ابن رشد، حيث نرى في الفيلم إغفالَ كثير من الحقائق التاريخية لصالح توابل السينما".

ويضيف الحديدي: "من هذا المنطلق أرفض الحديث عن الحق المطلق لصانع المحتوى الفني في التعامل مع الوقائع التاريخية كما يحلو له، ودون ضوابط أو قواعد، وأقول إن صناعة فيلم تاريخي تتطلب من صُناعه أن يكونوا موضوعيين فى نقلهم لوقائع التاريخ، حتى يكون هذا العمل جسراً فاعلاً يربطنا بالماضي، ويعزز من الانتماء الثقافي والحضاري، وحتى يكون الفيلم أيضاً ذاكرة حية لتاريخنا".

أما المخرج عادل جاويش فيدلي برأيه ويقول إنه على مستوى الأعمال العربية يبقى فيلم "عمر المختار" أكثر الأفلام التي تميزت وحفظت لنفسها مكانة خاصة.

ويضيف: "كان سرّ هذا التميز من وجهة نظري أن الفيلم قدم الوقائع التاريخية كما حدثت بالفعل دون تزييف أو تغيير. وشخصياً أرفض فكرة تحريف التاريخ لصالح الحبكة الفنية، كما أرفض في الوقت نفسه أن يتحول العمل التاريخي لمحاضرة تنقل ما جرى فعلياً على الأرض لأن هذا سيؤثر بالسلب على العمل".

بينما تقول الكاتبة رضوى إسماعيل: "الفيلسوف الإيطالى أمبيرتو إيكو يرى أن صانع الفيلم ليس مؤرخاً، وهو يحتل مرتبة أعلى من كاتب التاريخ لأنه يخلق التاريخ مرة أخرى، وهذه المهمة الإبداعية لصانع الفن، لأنه من حقه التدخل بالإضافة والحذف لإن إلزامه بالعرض الصادق للوقائع سيقيده ويحدّ من خياله ويجعله مؤرخاً".

وتضيف رضوى: "الأزمة هنا وحين نتطرق إلى موضوع تناول الأفلام التاريخية في الوطن العربي أن التاريخ يتم تناوله من خلال أكثر من لسان وراوٍ، وإذا تناوله صانع العمل الفني من زاوية أو من خلال كاتب معين وأغفل الكتاب الآخرين ستنقلب الدنيا عليه. ولهذا أرى أنه يمكن أن نمسك بالعصا من المنتصف كما يقال، ونقدم فيلماً تاريخياً، مع توضيح وتأكيد من خلال ندوات أو لقاءات أو أي وسيلة كانت بأن أحداث الفيلم تختلف عن الواقع، وأنها لم تنقله كما جرى فعلاً، تماماً كما يحدث في الدول الغربية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard