الصراعات السياسية الخفية لفيلم "الرسالة"... الرسالة بدون الرسول

الثلاثاء 24 نوفمبر 202012:15 م

فيلم الرسالة الشهير الذي يعاد بثّه في كل مناسبة دينية على القنوات العربية، بنسختيه العربية والإنكليزية (توقف بث النسخة الإنكليزية بعد أحداث 11 سبتمبر) وهو فيلم ضخم الإنتاج، للمخرج السوري الأميركي مصطفى العقاد. تم تصوير فيلم "الرسالة" بغير ما "رسول"، واستجلب صراعات سياسية ودينية بعضها مميت، كيف ذلك وما هي حيثيات إنتاج هذا الفيلم الضخم؟

كيف كرّس فيلم "الرسالة" باعتماده رواية الأزهر الرسمية، بالتوازي مع السرد السنّي للسيرة النبوية الصورة التي أراد الأزهر تعميمها عن الإسلام ومُنع فيها تجسيد النبي والصحابة -بتجاهل تامّ لوجهة النظر الشيعية وغيرها من الطوائف الإسلامية

نجاحات العقاد المتواضعة

كان المخرج مصطفى العقاد قد حقق بعض النجاحات في شبابيك التذاكر الأميركية، بإخراج سلسلة من أفلام الرعب العادية "Halloween"، وعندما قدم مشروع فيلم "الرسالة" للمنتجين في هوليوود، تردد أولئك: كيف يمكننا إخبار العالم بميلاد رسول دون رؤيته؟

كان المنتجون الأميركيون متحمسين لإنتاج الفيلم لكنهم مترددين بشأن عدم "تجسيد النبي"، وفي النهاية لم يوافق أي استديو أميركي على مغامرة سوريالية بهذا الحجم، لكن ابن حلب الفقير، الذي أصبح مواطناً أميركياً ثرياً ومسلحاً ببعض الشهرة، لم يعدم الوسيلة للوصول لأباطرة المال الآخرين خارج العالم الفني، فاستُقبل في العالم العربي استقبال السلاطين، ووافق أمير الكويت صباح الصباح، ملك المغرب الحسن الثاني والعقيد معمّر القذافي، على تمويل النسختين، العربية والإنكليزية، كل واحد منهم تحت دوافع شخصية خاصة.

أراد العقاد إشراك الأزهر في كتابة الفيلم وإنتاجه، لتجنب الرقابة لاحقاً، وتم تصحيح السيناريو الذي كتبه الهولندي هاري كريج، بدقة، من قبل علماء جامعة الأزهر، بالاشتراك مع كبار الكتّاب في ذلك الوقت، كتوفيق الحكيم.

ومع ذلك، كانت السياسة تلعب فصولاً غير خفية في وقتها في العام 1974، فعندما رحب الحسن الثاني، ملك المغرب، بفريق الفيلم، انتهز الفرصة لتذكير العالم الإسلامي بأنه "أمير المؤمنين" ومن سلالة النبي.

بدأ تصوير الفيلم في 16 نيسان/إبريل 1974 في قرية صغيرة بالمغرب، على بعد 15 كيلومتر عن مراكش. وبالكاد وبعد أسابيع قليلة، أوعز الحسن الثاني بوقف التصوير تحت ضغط المملكة العربية السعودية التي بذلت جهداً كبيراً لعرقلة المشروع، بتأثير الوهابية التي كانت تسيطر على أذهان رجال الدين في السعودية، والتنافس أيضاً على "المرجعية الإسلامية" بين الأزهر والسعودية.

كما كان الحسن الثاني وقتها في صراع مع جزائر هواري بومدين، حول موضوع الصحراء الغربية، ويحتاج لدعم السعودية في ذلك لاستعادة صحرائه، فانصاع لأوامرها.

وفي النهاية استقر الأمر على صفقة سرية مغربية مع العقاد: يستمر التصوير في الصحراء الليبية وهذا ما كان. بالنسبة لليبيا، وبعد فشل القذافي في أن يصبح "كاسترو" العرب، اعتبر أن تصوير مثل هكذا فيلم في بلده يمنحه سيرة حسنة ليصبح "مرشداً" للمسلمين، كما وجد صباح الصباح، أمير الكويت، في الفيلم فرصة سانحة للتخلص من هيمنة الجار القوي، السعودية.

بالنسبة لليبيا، وبعد فشل القذافي في أن يصبح "كاسترو" العرب، اعتبر أن تصوير فيلم "الرسالة" في بلده يمنحه سيرة حسنة ليصبح "مرشداً" للمسلمين، كما وجد صباح الصباح، أمير الكويت، في الفيلم فرصة سانحة للتخلص من هيمنة الجار القوي، السعودية

هناك تفصيل صغير ألقى الضوء لاحقاً على بعض الحوادث المميتة التي حدثت لاحقاً: تلقى العقاد عرضاً من زعماء السود المسلمين في أمريكا بأن يلعب الملاكم العالمي محمد علي كلاي دور بلال بن رباح الحبشي، أول مؤذن للرسول وأول مسلم من أصل إفريقي، مقابل تمويل فيلمه. كانت فكرة جميلة، لكن العقاد، وبرغم من اعتباره الفيلم جسر تواصل غربي مع 7 مليون مسلم، اعتبر أن نجماً بحجم كلاي سيمثل للجمهور إلهاء عن الموضوع الحقيقي، الرسول محمد، فرفض العرض وهذا ما أثار ردود فعل سيئة في استقبال الفيلم لاحقاً، عند المسلمين الأميركيين من أصل إفريقي.

هناك تفصيل صغير في تصوير فيلم الرسالة يفسّر ردود الفعل السيئة في استقبال الفيلم عند الأميركيين من أصل إفريقي المسلمين وما جاء بعدها من أحداث مميتة

محاولات سابقة

حققت الأفلام المكرّسة ليسوع وموسى والقصص التوراتية العديد من النجاحات، بالرغم من الاحتجاجات الضارية التي واجهتها.

في عام 1925، أرادت شركة إنتاج ألمانية مواصلة إنتاج أفلام دينية من خلال إخراج فيلم عن النبي. وافق كمال أتاتورك، أول رئيس للجمهورية التركية، على تمويل الفيلم، ليثبت "أبو الأتراك" أن العلمانية التي فرضها لم تكن تعني التخلي عن الثقافة الدينية، واقترحت المخرجة وداد أورفي، مخرجة المشروع المختارة، أعظم الممثلين العرب وقتها، المصري يوسف وهبي، لتجسيد شخصية محمد.

وعندما أعلن وهبي عن المشروع، وفخره بتمثيل شخصية محمد، تسارع الجدل في مصر والعالم العربي، وحذّر الأزهر من المضي بهذا المشروع، ودعمه في ذلك الملك فؤاد الأول، ويقال إن الأمر تمّ بتحريض منه، وتم تهديد الممثل يوسف وهبي بحرمانه من جنسيته إذا قبل بـ "تدنيس المقدسات"، وألغي المشروع لاحقاً، الأمر الذي فهمه العقاد وقام، كما أسلفنا، بصناعة فيلمه بمشاركة الأزهر لضمان عدم تكرار الأمر.

إطلاق الفيلم

عندما تم إطلاق الفيلم في 9 آذار/مارس 1977 في الولايات المتحدة، تم مهاجمته من الأميركيين من أصل أفريقي المسلمين، إذ إن الدور البسيط والهامشي لبلال الحبشي لم يرضهم، فقام مجموعة من المتطرفين المسلمين باحتجاز 149 رهينة، توفي منهم اثنان، في ثلاث مبان في واشنطن، مطالبين بوقف عرض الفيلم.

إن الدور البسيط والهامشي لبلال الحبشي لم يرض الأمريكيين من أصل أفريقي المسلمين، فقام مجموعة من المتطرفين المسلمين باحتجاز 149 رهينة، توفي منهم اثنان، في ثلاث مبان في واشنطن، مطالبين بوقف عرض الفيلم

الحلّ الذي ابتكره العقاد لتفادي تجسيد شخصية النبي، غير الحلول الفنية بالكاميرا، هو إظهار شخصية محورية أخرى بالفيلم، لم تكن بالتأكيد شخصية هامشية وليست أيضاً شخصية ممنوع تجسيدها، فكان التركيز الفني على شخصية حمزة بن عبد المطلب (لعب دوره أنتوني كوين في النسخة الإنكليزية وعبدالله غيث في النسخة العربية)، فأصبح فيلم الرسالة فيلماً يدور عن الرسول بدون رسول ويركز على شخصية حمزة وانتقام هند بنت عتبة (لعبت دورها إيرين باباس في النسخة الإنكليزية ومنى واصف في النسخة العربية) أكثر من الرسالة نفسها، بحيث يصحّ القول إن الفيلم روّج لفكرة الانتقام و"الجهاد" أكثر من "الرسالة" الأصلية الداعية إلى التسامح والتعاضد.

كما أن الفيلم، باعتماده رواية الأزهر الرسمية، يسير بالتوازي مع السرد السنّي للسيرة النبوية ويتجاهل تماماً وجهة النظر الشيعية، التي لا تمانع بشكل قاطع تجسيد النبي والصحابة، بدليل وجود الكثير من المنمنمات التي تصور النبي، وهذا ما جعله لا يلقى الكثير من الترحيب في البداية، لكن تحت ضغط البثّ المتكرر وضخامة الإنتاج وشهرة الممثلين، تمّ اعتباره "فتحاً" سينمائياً وكرّس الصورة التي أراد الأزهر تعميمها عن الإسلام ومُنع فيها تجسيد النبي والصحابة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard