قرن من إيتيل عدنان... جبل يترك وراءه جبال

الأربعاء 17 نوفمبر 202102:53 م

توفيت إيتيل عدنان، الشاعرة والكاتبة والفنانة التشكيلية اللبنانية/ الأمريكية المؤثرة، يوم الأحد عن عمر يناهز 96 عاماً، بسلام في منزلها في باريس. تترك وراءها شريكة حياتها الفنانة السورية اللبنانية الشهيرة سيمون فتال.

على مدار حياتها التي امتدت لما يقرب من قرن من الزمان، عاشت عدنان حيوات متعددة، من خلال عملها في الصحافة والتدريس والكتابة والرسم والشعر، كان لها تأثير عميق على العديد من الناس. يستمر سيل من عبارات التحية والذكريات والتعازي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يحتفل العديد من الناس بحياتها، اعتزازاً بذاكرتها، ويأسى الكثيرون على فقدانها في جميع أنحاء العالم.

إيتيل عدنان وسيمون فتال في منزلهما في بريتاني، يوليو 2021. صور لويس كاناداس لفن بازل

تأتي جوانب حياتها المهنية التي لا حصر لها جزئياً من هوياتها المتعددة، حيث نشأت في أسرة مختلطة، مع والدتها اليونانية المسيحية من سميرنا (الآن مدينة إزمير) ووالدها السوري المسلم من دمشق، والذي كان ضابطاً عثمانياً رفيع المستوى، في مدينة بيروت التي كانت عزيزة على قلبها. ألفتها للغات ومعتقدات متعدّدة منذ صغرها، بالإضافة لفترة إقامتها في لبنان، شكلّت هذا التكوين المميّز لهويتها.

اعتبرت إيتيل عدنان نفسها "حارسة ذكريات لبنان"، حيث ولدت بعد تأسيس الدولة اللبنانية بخمس سنوات وشهدت الحرب العالمية الثانية والجيل الأول من النساء اللاتي استطعن السباحة واستطعن العمل، وشهدت تحرير نساء جيلها

كانت تعتبر سنّها "هدية من السماء" (un cadeau du ciel) بفضل المنظور الذي قدمه لها. في التسعينيات من عمرها، زعمت أن لديها منظوراً فريداً لبلد لبنان، لأنها ولدت عام 1925، بعد سنوات قليلة من تأسيس الدولة اللبنانية. اعتبرت نفسها حارسة ذكريات لبنان، في مقابلة مع ريكاردو كرم في عام 2019، وتحدثت عن نشأتها في لبنان كوزموبوليتاني، وشهدت فترات عديدة من تاريخه. ووصفت رؤيتها لفترة الحكم الفرنسي، الحرب العالمية والجيل الأول من النساء اللاتي استطعن السباحة واستطعن العمل، وشهدت تحرير نساء جيلها.

شاركت بنشاط في تحرير جيلها، وكانت من أوائل النساء اللبنانيات اللواتي عملن في مكتب. في سن السادسة عشر عملت في مكتب صحفي، حيث كتبت عن نهاية الحرب. رسمت عدنان الحرية من خلال لوحاتها النابضة بالحياة، وهي ترسم وتنشر ألواناً مشبعة من الحيوية بسكين لوح الألوان الخاص بها. كانت تؤمن أن الحرية هدية يجب كسبها، بالنسبة لها، كان  الحب يولد بين حريتين. حريتها المطلقة تكمن في قدرتها على الحفاظ على روحها الطفولية وقدرتها على الحلم. في نفس المقابلة، وصفت حلمها بعالم أفضل: "أحلامي ليست لي، لكن بالنسبة لبيئتي، أحلم بلبنان متصالح مع ذاته، ولبنان على مستوى جودة الناس التي تعيش في هذا البلد". شعرت طوال حياتها بالمسؤولية تجاه لبنان والعالم العربي، وشيدت جبالها من حولهما.

إيتيل عدنان في غرفتها الطلابية في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، حوالي 1955. إيتيل عدنان، بدون عنوان، 1961، زيت على قماش مشدود على خشب (متحف بيرا)

تلقت إيتيل عدنان تعليمها في مدارس فرنسية في بيروت، ودرست الفلسفة في جامعة السوربون في باريس. انتقلت لاحقاً إلى الولايات المتحدة للحصول على دراساتها العليا في الفلسفة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي وهارفارد. درَّست عدنان بتدريس الفلسفة وكتبت بشغف القصائد والمقالات والمسرحيات لتلقى استحسان النقاد على نطاق واسع. عادت إلى لبنان عام 1972، حيث عملت كمحررة ثقافية في مجلتين ثقافيتين، الصفا ولوريان لوجور (L’Orient le Jour)، والتقت سيمون فتال في بيروت. هربت مع فتال من الحرب الأهلية إلى باريس، حيث كتبت روايتها الحائزة على جوائز ست ماري روز (Sitt Marie-Rose)، والتي أصبحت من كلاسيكيات أدب الحرب. تصف سيمون فتال كتاباتها بأنها "قاطعة وشجاعة وشرسة"، وصف مناسب لشخصيتها وعملها عبر التخصصات.

أحلم بلبنان متصالح مع ذاته

في مقابلة مع متحف الفن الحديث في سان فرانسيسكو عام 2018، وصفت أول لقاء لها مع الرسم في سن العشرين، عندما ذهبت للدراسة في فرنسا. ذهبت إلى متحف اللوفر ووصفت أنها كانت "بريئة تجاه الفن" فأثار إعجابها لحدّ بعيد. حول ذلك قالت: "لقد اعتبرت نفسي محظوظة لأنني لم أتواصل مع الفن من قبل. لقد ضربني بكامل القوة"! على الرغم من أنها وصفت حبها للرسم في المدرسة، إلا أن إيتيل عدنان لم تبدأ الرسم إلا في منتصف الثلاثينيات من عمرها، وكانت الفنون البصرية مرتبطة بكتابتها. رأت أن الكتابة هي الرسم والرسم هو كتابة، وجوهر كل منهم شكل من أشكال تصوير الروح، يتم إنشاؤه للآخرين في حوار مستمر.

كانت ترى أنّ الكتابة هي الرسم والرسم هو كتابة، وجوهر كل منهما بنظرها كان شكل من أشكال تصوير الروح في حوار مستمر مع الآخرين...قرن من إيتيل عدنان 

شعرت عدنان بالألفة في تضاريس بيئة حضرية محاطة بالطبيعة. ووصفت العثور على الجمال في البيئة الطبيعية الحضرية في سان فرانسيسكو، حيث كانت تزور ريدوود ويوسميتي وجبلها، جبل تامالبيس، الذي أصبح مصدر إلهام رئيسي لعملها كان يذكّرها ببيروت العاصمة القريبة من الجبال. في كتاباتها ورسوماتها ولوحاتها، كانت الجبال كائنات حسية، يُنظر إليها في التقاء السماء والأرض، وتثور في البراكين.

إيتيل عدنان وسيمون فتال مع العمل الفني الوحيد الذي قاموا به معًا، La Montagne (الجبل)، لبنان، 1973 في مجموعة مؤسسة بارجيل للفنون

تكرر ظهور جبل تامالبيس في لوحاتها، في كل مرة بألوان وأشكال مختلفة. عن تامالبيس، أخبرت سيمون فتال أن عملية الرسم والكتابة أعطتها اليقين الضمني لما هو الجبل، وما يمكن أن تراه، لكنها نسبت استقلالية الوجود إلى كل من الجبل وتصويرها له. وظفت لوحة ألوان مشرقة وغنية ربما تأثرًا بهويتها "كفنانة من كاليفورنيا"، حيث وجدت الفرح في خلق الأشياء بالألوان. عندما كانت طفلة، أرادت عدنان أن تصبح مهندسة معمارية. عند الفحص الدقيق، تكشف لوحاتها عما تسميّه سيمون فتال "مفردات مهندس معماري"، والتي يمكن رؤيتها في نهجها للتركيبات المصممة بعناية.

في مقابلة لإيتيل عدنان سئلت كيف تريد أن يتذكرها العالم، قالت إنها تريد الناس "أن يتذكروا أنني أحب العالم، وأنني أحب الكون وأن البقاء على قيد الحياة كان هدية من الكون"

من خلال اللوحات والرسومات والمنسوجات وleporellos (كتيبات صغيرة مطوية بالكونسرتينا)، نسجت عدنان القصص والقصائد بلغتها التجريدية المميزة المضيئة. في مقابلة مع مجلة ابولو، تصف استحضار مشهد داخلي "منظر طبيعي بداخلي". أقيمت معارض لأعمالها في مؤسسات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك متحف سان فرانسيسكو للفن الحديث، وزنترم بول كلي، بيرن، ومعهد العالم العربي، باريس وصالات غاليري سيربنتاين في لندن. عرضت أعمالها في دوكومنتا 13 في كاسل، ألمانيا، بينالي الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، وبينالي ويتني في نيويورك.

الفنانة والكاتبة الأمريكية اللبنانية في منزلها في ورشة العمل الخاصة بها في 8 أبريل 2015 في باريس، فرنسا. تصوير كاثرين بانتشوت / سيغما عبر Getty Images

يتم عرض أعمال عدنان حالياً في متحف سولومون ر. غوغينهايم في نيويورك، في معرض "إيتيل عدنان: مقياس الضوء الجديد (Etel Adnan: Light’s New Measure) وفي معرض غاليري صفير-سملر في هامبورغ، في معرض للأعمال الجديدة بمناسبة جائزة لتفارك (Lichtwark) 2021 التي ستمنح لعدنان بعد وفاتها في 18 نوفمبر.

من منطلق الالتزام والمسؤولية تجاه العالم، أعطت عدنان بسخاء من وقتها وهباتها ونفسها، بوتيرة أكثر حدّة وإلحاحًا في سنواتها الأخيرة. كتبت عن الكون والحياة والموت والطبيعة، والمدن، والجبال، والنساء. في صباح الأيام بعد وفاتها، يرثي الكون "صديقته المفضلة".

اعتقدت عدنان أن الذاكرة تعمل ضد الموت، فالذاكرة الجماعية تحفظ من الماضي وتعمل فيما وصفته بالجنون المتنكر (la folie déguisée). في مقابلتها مع ريكاردو كرم، سألها كيف تريد أن يتذكرها العالم، قالت إنها تريد الناس "أن يتذكروا أنني أحب العالم، وأنني أحب الكون وأن البقاء على قيد الحياة كان هدية من الكون".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard