"جار رصد موقعك"... الضرائب المصرية تلاحق صانعي المحتوى وأصحاب المتاجر الإلكترونية

السبت 25 سبتمبر 202102:44 م


أصدرت مصلحة الضرائب المصرية اليوم السبت 25 سبتمبر/ أيلول 2021، بياناً تطالب فيه صانعي المحتوى عبر الإنترنت "البلوجرز واليوتيوبرز" بالتوجه إلى مأموريات "مكاتب" المصلحة "الهيئة" في مناطقهم، وفتح ملفات ضريبية لبدء سداد الضريبة على الدخل، إلى جانب التسجيل بمأمورية القيمة المضافة متى بلغت إيراداتهم 500 ألف جنيه سنوياً.

إلا أن البيان أيضاً، أظهر وجود وحدة متخصصة للتجارة الإلكترونية لها مقر حدده البيان في منطقة المعادي جنوب القاهرة؛ لم يكن صنَّاع المحتوى أول أهدافها...


جارِ رصد موقعك

"إخطار من مصلحة الضرائب المصرية. تم رصد إعلانك على موقع فيسبوك بغرض الاتجار في الهدايا. يرجى الحضور لمصلحة الضرائب لتوضيح موقفك الضريبي أو إيقاف الترويج. واستمرارك للترويج بدون سجل تجاري وبطاقة ضريبية بعد تلقيك تلك الرسالة سيعرضك لعقوبة التهرب الضريبي وعقوبتها الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات. ويتم رصد موقعك الآن من خلال الإنترنت".

هذا النص ورد في صور "سكرين شوت" نشرها مديرو صفحات لبيع السلع والمنتجات اليدوية في مصر على هواتفهم المحمولة المربوطة بحساباتهم على فيسبوك، لتثير الفزع والخوف في صفوفهم ويشاركونها مع آخرين عاملين بالمهنة للتأكد من مدى صدقيتها، ويتساءلون عن ماهية هذا القانون ومتى صدر وما يتوجب عليهم فعله.

ولاء سعد ربة منزل ثلاثينية، واحدة من هؤلاء الذين أصابتهم الرسالة بالفزع والحيرة، إلى جانب خيبة أمل كبيرة عندما علمت أنه بات عليها أن تعيد جميع حسابات متجرها الصغير على فيسبوك، بعدما بات الالتزام بالتسجيل في مصلحة الضرائب، تمهيداً لتطبيق ضريبتي الدخل والقيمة المضافة، قدراً محتوماً.

 ولاء سعد، ربة منزل، واحدة من هؤلاء الذين أصابتهم الرسالة بالفزع والحيرة، إلى جانب خيبة أمل كبيرة عندما علمت أنه بات عليها أن تعيد جميع حسابات متجرها الصغير على فيسبوك حتى يمكنها الالتزام بسداد الضرائب

منذ يونيو/ حزيران الماضي، بدأت مصلحة الضرائب المصرية في ملاحقة الشركات والأشخاص الذين تقتصر مبيعاتهم على متاجر "الأونلاين" لإخضاعهم تحت مظلتها الضريبية، بهدف ضم الاقتصاد "غير الرسمي" إلى الاقتصاد "الرسمي"، ويعرف القانون مصطلح الاقتصاد غير الرسمي بأنه ممارسة العمل التجاري من دون ترخيص أو إصدار فواتير أو حيازة فاتورة ضريبية.

 وبدأت المصلحة في تنفيذ حملات إعلانية واسعة في الصحف ووسائل إعلام تحذر العاملين في التجارة الإلكترونية من عدم التسجيل، حتى لا يقعوا حتى طائلة القانون في جريمة التهرب الضريبي التي تعد جريمة مخلة بالشرف، وتصل عقوبتها إلى السجن من ثلاث إلى خمس سنوات. 

ولاء أم لثلاثة أطفال تبيع مستلزمات المطابخ وبعض الملابس من خلال صفحة عبر فيسبوك. بدأت في تجارتها هذه بهدف مساعدة زوجها على الإيفاء بالتزامات الأسرة التي أصبح لا يكفيها راتب الزوج مع كونها لا تملك حرفة أو مهنة يمكنها الالتحاق بها. وبحسب قولها، تحقق بالكاد بعض الأرباح، بعدما زاد عدد النساء والرجال الملتحقين بالتجارة الإلكترونية خلال جائحة فيروس كورونا التي أدت إلى فقد الكثير من الأشخاص وظائفهم ومصادر أرزاقهم، فاتجهوا إلى استثمار مدخراتهم أو الحصول على قروض صغيرة لافتتاح متاجر إلكترونية.

ومع الإغلاق ومخاوف الإصابة بالمرض، زاد كذلك عدد المشترين عبر متاجر فيسبوك، حتى أصبحت التجارة الإلكترونية تشكل بين 25 و30 في المائة من حجم التجارة في البلاد بحسب تصريحات شريف مخلوف رئيس لجنة الاتصال في الجمعية المصرية لشباب الأعمال، الأمر الذي حفّز السلطات في مصر على إخضاع المتاجر الإلكترونية تحت مظلتها في ظل توجهات الدولة لتعظيم الدخل من الضرائب.

 بيد أن ذلك الانتعاش في السوق له وجه آخر، تبيّنه ولاء التي بدأت العمل بالتجارة عبر فيسبوك قبل ثماني سنوات، تقول: "في البدء كان الشغل جيداً، لكن بعد كورونا وزيادة عدد المنافسين في السوق، أصبحت أبيع كل شهر أو شهرين منتجاً، وبالتالي فأنا لا أحقق أرباحاً تذكر حتى أخضع للضرائب، وإذا حدث ذلك فسأضطر آسفة إلى إغلاق النشاط فوراً".

 مهرب من بطالة النساء

في السنوات الأخيرة، ومع تبني منهج اقتصادي جديد، ارتفعت تحديات سوق العمل في مصر مع اتجاه الدولة للحد من التوظيف في القطاع العام، والضغوط الاقتصادية التي أدت إلى انخفاض الاستثمارات المباشرة في القطاعات الإنتاجية، بالإضافة إلى توجه الدولة نفسها للتوسع في الاستثمار في قطاعات تندر فيها فرص العمل للنساء، وعلى رأسها قطاع التشييد. 

وبحسب تقرير الوضع الاقتصادي في مصر الصادر عن البنك الدولي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، فإن مصر صاحبة "أقل مستوى تشغيل" بين الدول المتوسطة الدخل. علماً أن تمدد القطاع الخاص في الأنشطة غير الإنتاجية مقابل انكماش استثمار الدولة المباشر في المشروعات، أدى إلى ضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل.

 البنك الدولي: مصر صاحبة "أقل مستوى تشغيل" بين الدول المتوسطة الدخل

في مصر، كباقي دول العالم، وخاصة الدول النامية، تقل فرص عمل النساء مقارنة بفرص عمل الرجال، كما يتعرضن لتحديات عدة تتمثل في غياب فرص الترقي والحصول على أجور عادلة والتعرض للعنف أو الانتهاكات الجنسية خلال العمل مع ضعف منظومة المحاسبة، وهو ما يرصده تقرير مؤسسة "راند"  للأبحاث حول معوقات سوق العمل أمام المرأة المصرية.

 كل هذه التحديات وغيرها، كانت وراء اتساع توجه المصريات إلى العمل في التجارة الإلكترونية، أو إنتاج محتوى خاص عبر يوتيوب وتيك توك، يمكنهن من خلاله إضافة مصادر دخل للأسرة، تتناسب مع عبء العمل الإضافي غير المدفوع الأجر برعاية المنزل والأطفال.

 السند القانوني وطرق الدفع

 على عكس ما يتصوره الذين تلقّوا الرسالة، لم تصدر الدولة قانوناً جديداً ينظم التجارة الإلكترونية للأفراد والكيانات، بل تستند مصلحة الضرائب إلى قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، وقانون رقم 152 لسنة 2020 الخاص بتنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر، واللذان يُخضعان أي نشاط تجاري للضرائب والرسوم المستحقة على المبيعات حتى لو كان النشاط عبر الإنترنت، حسبما يقول الدكتور محسن الجيار، مدير إدارة خدمة الممولين بمصلحة الضرائب لرصيف22.

يوضح الجيار أنه في ما يتعلق بالضريبة على الدخل، هناك طريقتان للمحاسبة، الأولى هي "الطريقة التقليدية" التي ينص عليها القانون رقم 91 لسنة 2005، وتعتمد على تحصيل الضرائب وفق شرائح ضريبية للتاجر حسب أرباحه، أما الطريقة الثانية وهي التي ينص عليها قانون رقم 152 لسنة 2020 المتعلق بالمشروعات الصغيرة والمتوسط والمتناهية الصغر، فتتحدد على أساسه نسبة مقطوعة "ثابتة ومعممة" على التاجر، على أن يكون الرقم الإرشادي للضريبة هو حجم أعمال الممول، فالضريبة هنا - بحسب الجيار- ليست على الربح كما في القانون الأول، إنما على حجم رقم المبيعات الخاص بالتاجر أو الممول.

أي أن العبرة ليست بهامش الربح وما يحقق التاجر لنفسه بعد خصم أسعار البضائع وتكلفة التشغيل "إعلانات فيسبوك وتكلفة الخدمات المعاونة من شركات ترويج وتوصيل"، بل تزداد الضريبة بزيادة المبيعات بصرف النظر عن هامش الربح المتحقق. وتقدر الضريبة على الدخل بـ 22.5% حسب الجيار.

 كل هذه التحديات كانت وراء ازدياد توجه المصريات إلى العمل في التجارة الإلكترونية، أو إنتاج محتوى خاص عبر يوتيوب وتيك توك، يمكنهن من خلاله إضافة مصادر دخل للأسرة، تتناسب ظروف العمل فيها مع عبء العمل الإضافي غير المدفوع برعاية المنزل والأطفال

ويوضح الجيار أنه يجوز للتاجر عبر "المتاجر الإلكترونية" الاختيار بين تطبيق قانون 91 لسنة 2005 وتقديم إقرار سنوي عن صافي الربح مصحوباً بسداد الضريبة المستحقة، أو تطبيق قانون 152 لسنة 2020 إذا كان من أصحاب المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر، وسداد الضريبة القطعية عن تعاملاته السنوية طبقًا لحجم أعماله.

مسؤول في مصلحة الضرائب المصرية: "نحن نعول على شركات الشحن التي سيكون لها دور كبير في رصد المعاملات غير الرسمية"

ويضطلع قانون 152 لسنة 2020 بضم المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر العاملة في مجال الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي. إذ يمثل هذا القانون "بداية صفحة جديدة" بين التاجر ومصلحة الضرائب وفق الجيار. ويضيف: "إذا دخل البائع في منظومة الضرائب سنطوي الصفحة القديمة، ونبدأ في الاتفاق على فرض ضريبة محددة حسب رقم الأعمال الخاص به، والذي يعد مؤشراً لفرض الضريبة، فإذا كان حجم أعمال البائع أقل من 250 ألف جنيه (حتى لو خمسة آلاف جنيه أو أكثر أو أقل) سيدفع ألف جنيه ضريبة سنوياً، وإذا كان حجم أعماله ما بين 250 و500 ألف جنيه فسيدفع 2500 جنيه سنوياً، ومن 500 ألف مليون جنيه سيدفع خمسة آلاف سنوياً، وفي حال راوح حجم أعماله بين مليون ومليونين فسيدفع ما نسبته نصف في المئة من حجم أعماله سنوياً، وإذا راوح بين مليونين وثلاثة ملايين فسيدفع ما نسبته 0.75 %.

 طرق الحصر

 وتعول الضرائب على شركات الشحن والمحال التجارية الكبرى وتجار الجملة في رصد البائعين عبر المتاجر الإلكترونية، بما في ذلك مجموعات التواصل الاجتماعي.

 راندا* (33 عاماً)، عزباء، تعيل نفسها بعد زواج إخوتها ووفاة أبيها، تعمل على إعداد وصناعة قطع الكاتوه والحلوى في بيتها، وتبيع المنتجات عن طريق فيسبوك، وتتكفل بتوصيل المنتج إلى المستهلك في المكان الذي يتم الاتفاق عليه دون وسيط أو شركات شحن، مما سيصعب إمكانية رصدها لدى الضرائب. 

يرى الجيار أن هناك أكثر من طريقة للرصد، مثل التوريد للفنادق أو شركات الشحن أو التحويلات المالية، بحيث ستلزم مصلحة الضرائب هؤلاء بإصدار فواتير بعمليات البيع والتوصيل. ويضيف: "في حال توصلنا إلى أن مستهلكاً يشتري كميات كبيرة من قطع الحلوى، نجمع التحريات اللازمة عنه ونرصد أرباحه، ثم نلاحقه بتهمة تهرب ضريبي".

 ويتابع: "نحن نعول على شركات الشحن التي سيكون لها دور كبير في رصد المعاملات غير الرسمية".

 وفيما يخص راندا وغيرها من العاملين في المتاجر الإلكترونية الذين يتعاملون بشكل مباشر مع المستهلك دون وسيط، يقول الجيار: "مع الوقت ستتوسع (يقصد راندا)، وبالتالي يمكن أن تورد منتجاتها إلى المحافظات عن طريق شركات الشحن، مما يسهل رصدها والتعامل معها".

هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟

لا، يقول الجيار. فبعد انضمام التاجر إلى منظومة الاقتصاد الرسمي ودفع الضريبة المقررة على الدخل، سيكون ملزماً بدفع ضريبة القيمة المضافة. وهي ضريبة تُفرض بناءً على الزيادة في قيمة المنتج أو الخدمة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج أو التوزيع، وتقدر قيمتها بنسبة 14% من سعر المنتج. ودأب التجار المصريون على تحصيلها كاملة من المستهلك وتوريدها إلى مصلحة الضرائب. 

ويفسر الجيار: "بعد دخول البائع إلى المنظومة سننظر إلى حجم مبيعاته الخاصة، فإذا وصلت إلى حد التسجيل وهو 500 ألف جنيه، فيجب سداد ضريبة القيمة المضافة، مضيفاً أن ضريبة القيمة المضافة ستلزم التاجر بإصدار فواتير عاجلاً أم آجلاً والمجيء إلينا، ويلتزم بتقديم إقرارات شهرية إلكترونية.

 يذكر أن هناك عدداً من السلع المعفاة من ضريبة القيمة المضافة، سواء تم البيع بشكل تقليدي أو إلكتروني. وعددها 57 واردة في قائمة الإعفاءات، أبرزها ألبان الأطفال ومحضرات أغذية الأطفال والمعكرونة، والحيوانات والطيور الحية أو المذبوحة الطازجة أو المبردة أو المجمدة، وهي في الغالب تتعلق بسلع المأكولات والخضر.

 ختاماً، تتساءل راندا في حديثها لرصيف22: "هو أنا بكسب كام عشان أدفع ضرائب؟"، مضيفة أن الضرائب على الأونلاين إذا طُبّقت بالفعل، فسأضطر إلى غلق الصفحة التي أعرض عليها منتجاتي، والاكتفاء بالتعامل عن طريق الواتس آب مع الأشخاص المقربين فقط.

____________ 

●  تم تغيير الاسم بناء على طلب المصدر.

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard