الرزق حسب الحظ... المياومون في الأردن يتطلعون إلى حماية القانون

الثلاثاء 16 نوفمبر 202103:50 م

تخاف الأردنية سهاد محمد (30 عاماً)، من تكرار تجربتها في العمل بأجر يومي من المنزل، بعد أن أُجبِرت على ذلك بسبب "الحظر الشامل" الذي فرضته الحكومة الأردنية خلال العامين الحالي والماضي، لمجابهة جائحة كورونا.

وسهاد التي تعمل في أحد صالونات التجميل النسائية، في محافظة إربد (شمال الأردن)، انقطعت عن العمل من دون سابق إنذار، أكثر من مرة، خلال حظر التجول في المملكة، ما دفعها إلى العمل في منزلها على نطاق ضيق، مع سيدات الحي الذي تقطنه.

تقول سهاد: "أنا المعيلة الوحيدة لثلاثة أطفال، بعد وفاة زوجي قبل خمس سنوات. بدأت بالعمل في مجال التجميل لأعيل أهل بيتي، بأجرة يومية تراوحت بين سبعة وعشرة دنانير، حسب العمل، أي ما يعادل 14 دولاراً تقريباً، من دون عقد عمل، أو تسجيل في الضمان الاجتماعي"، مبيّنةً أن "صالونات التجميل بتشتغل على المياومة، شو بيجي شغل بتاخذي مصاري (نقود)، وما في أمان في الشغل، ممكن صاحبة الصالون تسكّر (تغلق) المحل في أي لحظة".

حصلت عائلة سهاد على دعم حكومي من قبل وزارة التنمية الاجتماعية بقيمة مئة دينار (141 دولاراً)، غير أن المبلغ قليل، ولا يكفي لتسديد التزاماتها المتراكمة، "فالحظر الشامل والجزئي، والانتقال إلى العمل في المنزل" رتّب عليها ديوناً ضخمة لم تدفعها حتى اليوم، وتراكماً لفواتير الكهرباء، والتزاماتٍ أخرى كانت أكبر من قدرتها على تحمّلها.

تشير إحصاءات منظمة العمل الدولية إلى أنّ 26% من العمال غير المسجلين في الأردن، يعملون في قطاعات مستبعدة من نطاق التغطية القانونية، في حين أن 41% من العاملين في القطاعات التي ينبغي تغطيتها بحكم القانون هم غير مسجلين في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي

تجربة سهاد تكررت أيضاً مع الأردني محمد الخطيب (38 عاماً)، العامل في قطاع الإنشاءات بأجرة يومية تصل إلى عشرين ديناراً (28 دولاراً)، وتوقّف عمله فترات طويلة خلال جائحة كورونا، وبدأ بالاستدانة من الأقرباء والأصدقاء، ليعيل عائلته المكوّنة من خمسة أطفال، ووالدتهم.

تلك الاستدانة التي كانت لشراء حاجيات منزله، لم تسعفه لدفع أجرة منزله لأشهر عديدة، حتى طلب منه صاحب المنزل مغادرة المنزل، ما دفع العائلة للانتقال إلى منزل آخر.

والخطيب يعمل في قطاع غير منظّم، من دون وجود تأمين صحي على حياته، على الرغم من صعوبة عمله. يقول: "في كثير من الأوقات أخاف من أن أرجع إلى أبنائي جثةً، حتى أني مصاب بعاهة مستديمة، لكن ربنا هو الحافظ، ولا أقدر أن أجبر المعلم (صاحب العمل) على شملي بالضمان الاجتماعي، أو بتأمين صحي".

"الحل في حماية العمال غير المنظّمين يكون من خلال الإطار الوطني للانتقال إلى القطاع المنظّم، بوضع خطة عمل لتنفيذ ما جاء في الإطار للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي في الأردن الذي أعلنت عنه الأطراف الثلاثية قبل ست سنوات"

على الرغم من التجربة الصعبة التي مرّ بها محمد، لم يفكّر في الانتقال من العمل غير المنظّم إلى عمل منظّم، فهو يعمل حسب "الورشات الإنشائية" التي تُطلَب منه، فقد تتوقف لأسابيع أو أشهر، ثم يعاود العمل من جديد.

محمد وسهاد جزء من آلاف العاملين في القطاع غير المنظّم في الأردن، والتي تقدّر نسبتهم بنحو 52% من إجمالي العمالة خلال عام 2018، حسب إحصاءات منظمة العمل الدولية، التي تؤكدها منسقة البرامج الوطنية في المكتب الإقليمي للدول العربية في المنظمة، آيا جعفر، لرصيف22.

ما هي العمالة غير المنظّمة؟

تُعرّف العمالة المنظّمة، حسب منظمة العمل الدولية، بأنها: "المستخدمون الذين تكون علاقة استخدامهم، في القانون أو في الممارسة، غير خاضعة للتشريع الوطني المتعلق بالعمل، أو للضريبة على الدخل، أو إذا كانوا لا يتمتعون بالحماية الاجتماعية، أو بالحق في بعض إعانات الاستخدام (مثل الإخطار المسبق بالطرد، أو مدفوعات الفصل، أو الإجازة السنوية أو المرضية المدفوعة الأجر، أو ما إلى ذلك). يُعدّ الحصول على الحماية الاجتماعية من أساسيات العمل المنظّم.

بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ جميع العمال الأسريون المساهمون، والعاملون لحسابهم الخاص في منشآتهم الخاصة التابعة للقطاع غير المنظّم، كما أصحاب العمل العاملين في منشآتهم الخاصة التابعة للقطاع غير المنظّم، جزءاً من العمالة غير المنظّمة.

لكن هناك ثغرة تشريعية في قانوني العمل والضمان الاجتماعي، في تعريف القطاع غير المنظّم، إذ لا يوجد تعريف محدد للقطاع، أو للعاملين فيه، أو طريقة التعامل معه/ م، كما لا يوجد قواعد لضم القطاع غير المنظّم إلى القطاع المنظّم، وهو ما يؤكده الأمين العام السابق لوزارة العمل، حمادة أبو نجمة.

ويرى مدير مديرية التفتيش المركزي في وزارة العمل، المهندس بلال المجالي، في تصريح صحافي، أن عمال المياومة، يحصلون على أجورهم يومياً، ولا يترتب على صاحب العمل أي أمر في حال فصل مياوماً، كما لا ينطبق عليه الفصل التعسفي، لكن إذا عمل المياوم أكثر من 16 يوماً في شهر واحد، تزال عنه صفة العامل المياوم، ويحق لصاحب العمل شمله في الضمان الاجتماعي، وتالياً حصوله على حقوقه كافة.

وتشير إحصاءات منظمة العمل الدولية إلى أنّ 26% من العمال غير المسجلين في الأردن، يعملون في قطاعات مستبعدة من نطاق التغطية القانونية، في حين أن 41% من العاملين في القطاعات التي ينبغي تغطيتها بحكم القانون هم غير مسجلين في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، ويشمل هذا الرقم العاملين، والعمال لحسابهم الخاص، وأصحاب العمل، والعمال المساهمين في أسرهم.

كيف تجب حماية العمال غير المنظّمين؟

العمّال غير المنظّمين يُعدّون الفئة الأكثر ضعفاً، نتيجة الظروف العمالية الصعبة التي يتعرضون لها، فلا أماناً وظيفياً، ولا ضماناً اجتماعياً، بالإضافة إلى ظروف عمل سيئة.

في المنطقة العربية، كثيرة هي الدول التي ركّزت على حماية العمالة غير المنظّمة، خاصةً في ظل أزمة جائحة كورونا، مثل مصر، والأردن، وتونس، والمغرب، وفلسطين، وفقاً لحديث آيا جعفر، لكنها تعتقد أن التحدّي يبقى في وضع سياسات مستدامة شاملة ومتكاملة للتحول من الاقتصاد غير المنظّم إلى الاقتصاد المنظّم، وفي تخفيف الاعتماد على الاقتصاد غير المنظّم لخلق فرص العمل للباحثين عن اقتصادات متنوعة، وعالية الإنتاجية.

وأطلقت الحكومة الأردنية، من خلال صندوق المعونة الوطنية في أزمة كورونا، للعامين الماضي والحالي، برنامجاً لتقديم الدعم النقدي لأصحاب الأعمال اليومية المتعطّلين عن العمل بسبب الجائحة، قدّمت من خلاله دعماً مالياً لـ410 آلاف أسرة أردنية من أسر هؤلاء العمال، بقيمة إجمالية بلغت 232 مليون دينار (327 مليون دولار)، وذلك وفق مدير الإعلام في الصندوق، ناجح صوالحة.

ويضيف الصوالحة، أن المساعدات المالية توزّعت على أسر عمال المياومة الأردنيين المتعطّلين عن العمل، بقيمة 70 ديناراً (مئة دولار)، للأسرة المكوّنة من شخصين، أما الأسرة المكوّنة من ثلاثة أفراد أو أكثر، فصُرفت لها مساعدات بقيمة 136 ديناراً (200 دولار).

العمّال غير المنظّمين يُعدّون الفئة الأكثر ضعفاً، نتيجة الظروف العمالية الصعبة التي يتعرضون لها، فلا أماناً وظيفياً، ولا ضماناً اجتماعياً، بالإضافة إلى ظروف عمل سيئة

لكن أبو نجمة، يرى في حديثه إلى رصيف22، أن الحل في حماية العمال غير المنظّمين يكون من خلال الإطار الوطني للانتقال إلى القطاع المنظّم، بوضع خطة عمل لتنفيذ ما جاء في الإطار للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي في الأردن الذي أعلنت عنه الأطراف الثلاثية قبل ست سنوات (الحكومة، وأصحاب العمل، والعمال ممثلين في النقابات العمالية)، والذي باشر أعضاؤه العمل عليه.

وكان الإطار الوطني للانتقال إلى الاقتصاد المنظّم قد أُطلِق عام 2015، بدعمٍ من منظمة العمل الدولية، وصادقت عليه الحكومة ممثلة في وزارة العمل، والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والاتحاد العام لنقابات العمال، وغرفة الصناعة في الأردن.

وعرض عضو الفريق الوطني، أبو نجمة، وثيقة عمل وطنية يعمل على إعدادها مبنيّة على الفهم المشترك، وتضافر الجهود، مشيراً إلى أنّ الهدف الأساسي لهذا الإطار هو الاتفاق على منهج تكاملي من أجل تعزيز التنسيق بين الإستراتيجيات والسياسات الوطنية القائمة، وتوحيد الجهود في سبيل الانتقال إلى الاقتصاد المنظّم.

وتلاحظ آيا جعفر، أنه يتعيّن على الحكومات اتخاذ تدابير فعالة من أجل حمايتهم، وتوفير ظروف عمل أفضل لهم، من بينها إصلاح القوانين المتعلقة بسوق العمل، وضمان تغطية جميع العمال بما في ذلك العمال الزراعيين والمنزليين، وغيرهم.

وتشير جعفر، إلى أنّ تأمين الدخل من خلال سياسات الحد الأدنى للأجور، يساهم في حماية العمال غير المنظّمين، وتالياً فإن تنظيم العمال وتمثيلهم، وتعزيز الحوار الاجتماعي ليشمل العمال غير المنظّمين، خطوات تساعد على حمايتهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard