التحوّلات العشائرية في درعا منذ بداية الحرب السورية... الانكفاء له أثمانه

النظام يُحاول استمالة العشائر لضرب المعارضين

السبت 13 نوفمبر 202101:15 م

لطالما عُرفت محافظة درعا، أو حوران، جنوب سوريا، بتماسكها العشائري والعائلي المتميّز، حتى أن الغالبية من السوريين يعرفون أن "الحوارنة" لهم خصوصيتهم العشائرية التي تميّز هذه المنظومة عن غيرها.

تتشكل العشائر الحورانية من عائلات متفاوتة من حيث حجمها، وعدد أفرادها، وتوزّعها، وارتباطها، على المستوى السوري، والعربي، وخاصةً المجاور. والامتداد الحوراني في سهل حوران من نقطة الكسوة جنوب دمشق، وصولاً إلى محافظة عجلون الأردنية، بالإضافة إلى الامتداد في بقية المحافظات السورية.

وتُعدّ عشيرتا الزعبي، والحريري، العشيرتين الأكبر في حوران، تليهما العديد من العشائر، كما عشائر درعا البلد، وهناك عشيرتا المسالمة والأبازيد، فيما تتوزع عشائر أخرى، كالرفاعي وغيرها، في مناطق أخرى من حوران. كل عشيرة تتكون من أقسام عدة، أو ما يُصطلح على تسميتها "أفخاذ العشيرة"، وهي عائلات تنتمي إلى جد هذه العائلة، فتلتقي في النهاية عند الجدّ السابع، لتُشكّل في النهاية عصبةً قبليةً مهمة حافظت على طوال عقود على تركيبة حوران بشكلها المتآخي.

حاول النظام السوري، بعد وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم، في سبعينيات القرن الماضي، أن يخلّ بتوازن هذه العشائر، بوسائل عدة، لكنه لم ينجح في ذلك، وبقي التماسك عنوانها الرئيسي، بفضل وجود وجهاء لكل عشيرة كانت لديها القدرة على إدارة أمورها وفق القوانين والأعراف العشائرية

حاول النظام السوري، بعد وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم، في سبعينيات القرن الماضي، أن يخلّ بتوازن هذه العشائر، بوسائل عدة، لكنه لم ينجح في ذلك، وبقي التماسك عنوانها الرئيسي، بفضل وجود وجهاء لكل عشيرة كانت لديها القدرة على إدارة أمورها وفق القوانين والأعراف العشائرية، وذلك ما اضطر النظام حتى بداية الثورة السورية، في آذار/ مارس 2011، على القبول بالتعامل بمنطق الأمر الواقع، بل واستمالة هذه العشائر من خلال تولية العديد من أبنائها مناصب كبيرة في الدولة السورية، بدءاً من الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى منصب نائب رئيس الجمهورية.

عسكرة الثورة ونتائجها

ثمانية أشهر من المظاهرات السلمية في درعا، مهد الثورة السورية، وفي عموم سوريا، لم تحقق أهداف السوريين مع اشتداد بطش النظام وآلته العسكرية، ما حوّل الثورة إلى ثورة مسلحة أدت إلى نشوب نزاع لم ينتهِ حتى الآن.

وجاء الدعم الإقليمي والدولي للمعارضة المسلحة، بشكل يتناسب مع مصالح الدول، لإبقاء الوضع متوازناً، من دون أن ينتصر أي طرف، فيما عمدت الدول الداعمة إلى اختيار قيادات معارضة تناسب قياسها، وقياس مصالحها، بصرف النظر عن ثورية هؤلاء الأشخاص من عدمها، بينما لم يكن للعشائر، بمفهومها المعروف في حوران، أي دور رئيسي في ذلك الوقت.

يقول أبو عبد المجيد، وهو من وجهاء حوران، لرصيف22: "لقد أخطأت العشائر الحورانية بشكل كبير عندما بقيت على الحياد بمنظومتها العشائرية، ولم تنخرط في الثورة المسلحة ضد النظام، حتى أن العديد من وجهائها إما لجأوا إلى دول الجوار، أو بقوا صامتين، وهذا ما شجّع على تصدّر شخصيات لم تكن معروفةً من قبل، ولقسم منها خلاف بشكل أو بآخر مع النظام العشائري. كما أن عدم تصدّر العشائر للثورة، سلمياً وعسكرياً، كان خطأً قاتلاً لا تزال آثاره السلبية مستمرةً حتى اليوم".

"لقد أخطأت العشائر الحورانية بشكل كبير عندما بقيت على الحياد بمنظومتها العشائرية، ولم تنخرط في الثورة المسلحة ضد النظام، حتى أن العديد من وجهائها إما لجأوا إلى دول الجوار، أو بقوا صامتين"

ويتابع أبو عبد المجيد: "لو عدنا إلى تجربة ثورة العشرين في العراق ضد الإنكليز، لوجدنا أن عشائر جنوب العراق حينها، كانت قد تصدرت هذه الثورة، بكامل منظومتها وقيادتها القبلية، ما أربك الإنكليز، وأجبرهم على التفاوض بجدية مع العراقيين، وتحقيق مطالبهم، وهذا ما لم يحدث في حوران، حيث كانت معظم القيادات العسكرية تعمل لصالحها الخاص، وتبيّن ذلك بوضوح بعد تسوية 2018، عندما غادر الكثيرون منهم إلى خارج سوريا، لإدارة استثمارات لهم في أكثر من دولة، بينما انخرط كثر منهم في أجهزة النظام الأمنية، كقادة مجموعات أمنية تعمل لخدمة مصالح النظام بشكل كامل".

تمرّد على الأعراف

أفرزت الحرب في سوريا، على مدار عشر سنوات، قياداتٍ محليةً مغمورةً، ولم يكن أي من هؤلاء القادة وجيهاً من وجهاء العشائر، أو من أبرز أبنائها، وهذا ما جعل هؤلاء القادة يستهدفون العشيرة، قبل استهدافهم النظام.

يقول الناشط أحمد الحوراني، لرصيف22: "ربما لم يكن يدور في خلد القيادات العشائرية أنّ في صعود أفراد معظمهم كانوا مهمّشين اجتماعياً، ليكونوا قادةً للثورة المسلحة، خطر على تركيبة العشائر في حوران. ومن ناحية أخرى، فإن اختيار الدول الداعمة كان يتم على أساس الشخص الذي يلبّي مصالحها، ولا يقول "لا" لأي أمر، وهذا ما جعل هؤلاء القادة يتمرّدون على الأعراف كلها في حوران".

"ربما لم يكن يدور في خلد القيادات العشائرية أنّ في صعود أفراد معظمهم كانوا مهمّشين اجتماعياً، ليكونوا قادةً للثورة المسلحة، خطر على تركيبة العشائر في حوران"

ويشير الحوراني، إلى أن "ممارسات قادة المعارضة، جعلت العشائر في حالة جمود لم تمكّنها من انتقاد تجاوزات الفصائل، وانتهاكاتها بحق السكان، ففي الوقت الذي كانت تهدف فيه الثورة السورية إلى الخلاص من الاعتقالات والتعذيب، مارس بعض قادة المعارضة انتهاكاتٍ مماثلةً، واعتقالات في سجون تم إنشاؤها في مناطق مختلفة، قُتل فيها العديد من أبناء حوران، نتيجة تعذيب المعارضة لهم، لمجرد الاشتباه بأي علاقة لهم بالنظام، فيما عاد والتحق معظم هؤلاء القادة بصفوف النظام لاحقاً".

ممارسات قادة المعارضة، جعلت العشائر في حالة جمود لم تمكّنها من انتقاد تجاوزات الفصائل، وانتهاكاتها بحق السكان، ففي الوقت الذي كانت تهدف فيه الثورة السورية إلى الخلاص من الاعتقالات والتعذيب، مارس بعض قادة المعارضة انتهاكاتٍ مماثلةً

أما ياسر الأحمد، وهو أحد أبناء العشائر في درعا، فيقول لرصيف22، إن "وجود هذه القيادات انعكس سلباً على وضع العشائر في حوران، والتي كانت دائماً صمّام الأمان للمحافظة، ولديها القدرة على حل أي نزاع، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وهذا ما شوّه صورة العشيرة، حتى في نظر أبنائها، وتسبب في الكثير من الأحيان بانشقاقات بين العشائر".

ويردف الأحمد: "في بداية المظاهرات السلمية، أدرك النظام أهمية موقف العشائر والوجهاء، خاصةً بعد موقف الراحل الشيخ يوسف أبو رومية، والذي تحدث بشكل علني في مجلس الشعب السوري في آذار/ مارس 2011، عن عمليات القتل التي تنفّذها أجهزة النظام الأمنية في حق أبناء درعا العُزّل، والذي كان لكلامه دور مهم في المطالبة بالحقوق بشكل سلمي ومنطقي، كما قاد العديد من جهود التهدئة والحوار في درعا البلد، وبقية المناطق، لذلك استفاد النظام أيضاً من صعود قيادات معارضة كانت قادرةً على إسكات الأصوات كلها، وهذا ما مهّد للنظام لاستعادة السيطرة في 2018 على المحافظة، نتيجة أخطاء المعارضة الكبيرة من جهة، ونتيجة تخلّي حلفاء المعارضة عنها ببساطة، من جهة أخرى". 

جانب آخر ساهم في حرب حقيقية استهدفت العشائر، هو وجود تنظيم داعش، وسيطرته على جزء مهم من محافظة درعا، إذ رأى أن العشائرية هي عودة إلى الجاهلية في مرحلة ما قبل الإسلام، وأن التعامل وفق أعرافها وقوانينها حرام شرعاً، وهذا ما أعطى التنظيم سبباً لاستهداف البنية العشائرية والعائلية في منطقة حوض اليرموك، في ريف درعا الغربي، التي كان يسيطر عليها، وأن يجعل الولاء للتنظيم، ولخليفته أبي بكر البغدادي، وفق أدبيات التنظيم. 

تورط في حماية مجرمين

كانت التسوية التي جرت في درعا في تموز/ يوليو 2018، نقطة تحوّل جديدة في الوضع العشائري في المحافظة، فمن جهة بدأت العشائر تستعيد عافيتها قليلاً عمّا كان الوضع عليه سابقاً، ومن جهة أخرى تورطت بعض العشائر في التحول إلى مظلةٍ لحماية بعض أبنائها من المجرمين، وإن كانت هذه العشائر غير راضيةٍ عن ذلك.

وكان من تفاهمات تسوية 2018، انضمام بعض قيادات المعارضة إلى النظام، وخاصةً الأمن العسكري والفرقة الرابعة، وقد ترأس هؤلاء مجموعات معظم عناصرها من محافظة درعا نفسها، ممن كانوا مقاتلين سابقين في المعارضة، وتحولت هذه المجموعات إلى اليد الأمنية الضاربة للنظام في المحافظة، ونفّذت الكثير من عمليات الاغتيال لرافضي التسوية في درعا البلد، وأم ولد في ريف درعا الشرقي، وغيرها، كما نفّذت العديد من عمليات المداهمة واعتقال مطلوبين للنظام، كما في حادثة اعتقال الناشط الإعلامي وليد جادو الرفاعي الملقب بـ"أبو النور" في بلدة أم ولد، في 20 آب/ أغسطس 2020، من قبل مجموعة تابعة للأمن العسكري يترأسها قيادي سابق في المعارضة يعرف بـ"أبو علي اللحام"، بعد مطاردته لأشهر، على خلفية توزيعه الحلويات، احتفالاً بمقتل قائد لواء القدس الإيراني قاسم سليماني، بالإضافة إلى نشاطه الإعلامي السابق، ولا يزال مصير الرفاعي مجهولاً حتى اليوم.

 من تفاهمات تسوية 2018، انضمام بعض قيادات المعارضة إلى النظام، وخاصةً الأمن العسكري والفرقة الرابعة، وقد ترأس هؤلاء مجموعات معظم عناصرها من محافظة درعا نفسها، ممن كانوا مقاتلين سابقين في المعارضة، وتحولت هذه المجموعات إلى اليد الأمنية الضاربة للنظام

ويتخذ هؤلاء القادة من العشيرة مظلّةً لحمايتهم في كل مرة يحاول فيها من بقي من الثوار مهاجمتهم، أو النيل منهم، وهذا ما سبب انقساماتٍ في العشيرة نفسها، وهو ما حدث في أم ولد، عندما حاول أشخاص التخلص من القيادي اللحام، وكذلك عندما تم استهداف قادة آخرين في درعا البلد، من أبناء عشائرها ممن ارتكبوا جرائم بحق أبناء العشائر نفسها، لصالح النظام، من دون التمكن من التوصل إلى أي حل لما يجري.

وحول ذلك، يوضح عماد العلي، من أبناء ريف درعا، لرصيف22، أن "هناك خوفاً كبيراً لدى العشائر، وهو خوف مركب من أمور عدة؛ فمن جهة هي غير راضية عن ارتكاب أبنائها جرائم لصالح النظام، ومن جهة أخرى، تخشى أن يتسبب قضاء أي طرف على القيادات من أبنائها، إلى توسيع الشرخ بينها، وتحوّل الأمر إلى حرب عشائرية لا تنتهي أبداً، وفي التاريخ عبر كثيرة لاقتتال العشائر الذي يختلف عن الثورة، كما أنها لم تستطع أن تضع حداً لهؤلاء القادة، ما جعلهم يتمادون في تهديد أهلهم، وقد برز ذلك جلياً في الحملة العسكرية الأخيرة على درعا البلد، وفي تهديدات القيادي في الفرقة الرابعة، أبي تركي المسالمة لأبناء عمومته فيها".

ميليشيات للنظام

على غرار الصحوات في العراق، التي حاول الأمريكيون تشكيلها من عشائر بعض المناطق، لمحاربة الثوار بعيد احتلال العراق، حاول النظام بعد تسوية 2018، إعادة التجربة نفسها في حوران، من خلال تشكيل مجموعات مسلحة نجح في الإبقاء على قسم منها، وهي مرتبطة بالأمن العسكري، والفرقة الرابعة، ولكن كانت هناك محاولات أكبر من ذلك.

هناك خوف كبير لدى العشائر، وهو خوف مركب من أمور عدة؛ فمن جهة هي غير راضية عن ارتكاب أبنائها جرائم لصالح النظام، ومن جهة أخرى، تخشى أن يتسبب قضاء أي طرف على القيادات من أبنائها، إلى توسيع الشرخ بينها، وتحوّل الأمر إلى حرب عشائرية

عمد النظام عبر لجنته الأمنية، إلى استمالة وجهاء من حوران من عشائر كبيرة، والاتفاق معهم على تشكيل ما يُعرف بـ"مجالس شورى العشيرة"، والتي تتكون من رئيس مجلس شورى، ورئيسٍ للمكتب السياسي، وآخر للعسكري، وتنظيم أبناء هذه العشائر، في ميليشيات مسلحة مرتبطة بشكل غير مباشر بالفرقة الرابعة في ريف درعا الغربي، لتكون بديلاً من قوات الفرقة من خارج المحافظة، على حواجز المنطقة، ولحماية مصالح النظام فيها. ولكن جهود النظام لم تفلح في تحقيق هذا الأمر كما أراد، بسبب رفض قسم كبير من أبناء العشائر لتلك الفكرة، واعتراضهم عليها بشدة، وظهور بوادر انشقاق كبيرة. آثر الجميع في النهاية عدم القبول بما يريد النظام، والذي اكتفى بمجموعات أمنية صغيرة فحسب.

ويؤكد سمير المصري، وهو ناشط إعلامي في درعا، لرصيف22، أن "النظام لا يزال مستمراً في استمالة وجهاء العشائر، لتحقيق أهداف أخرى غير عسكرية، تركزت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، على عمليات التسوية في محافظة درعا، والتي لعب فيها الوجهاء دوراً كبيراً في إقناع الأهالي بالانضمام إلى التسوية، وتسليم السلاح الفردي، حتى أن العديد من الوجهاء جمعوا مبالغ مالية كبيرة تم دفعها للجنة النظام الأمنية، في تسويات عدة في المدن والبلدات، عندما لم يكن عدد السلاح المسلَّم مطابقاً لما حددته اللجنة الأمنية لكل مدينة وبلدة.

عشر سنوات من الحرب مرت على سوريا عموماً، وحوران خصوصاً، تسببت بانعاكاسات سلبية على العشائر في حوران، وأدت إلى وقوع العشائر في أخطاء عدة، لكن في المقابل هناك عدد كبير من أبناء العشائر يرفضون كل ما يمسّ بمكانة العشيرة وأصالتها، وكل ما يمسّ بالثورة السورية، بصورتها الناصعة، وأهدافها المتمثلة في الحرية والعدالة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard