من ثار أولاً على الأسد؟… نقاش "دمشق/ درعا" يُظهر بعداً آخر للانقسام السوري

الجمعة 26 مارس 202106:47 م

حين اندلعت الانتفاضة السورية، هيمن خطاب أن إيران تدعم "النظام العلوي" للرئيس بشار الأسد في سوريا، لقمع ما وُصف أحياناً بـ"المعارضة السنية"، المدعومة من تركيا، على تحليلات الصراع السوري. كان في ذلك طمس للأبعاد الأخرى التي ساهمت بنشوب الحرب الأهلية المستمرة حتى الآن.

لكن النقاش السوري - السوري حول أسباب الحرب وعواقبها وحتى نقطة انطلاقها، تغيّر بعد مرور 10 سنوات ليتجاوز السرد الطائفي، كاشفاً عن انقسام أعمق بين الريف والحضر في المجتمع السوري.

خلال إحياء ذكرى ثورتهم، أثار سوريون تساؤلات على غرار: هل كانت مظاهرة 15 آذار/ مارس في المناطق الحضرية بدمشق أم مظاهرة 18 آذار/ مارس في ريف درعا، والأكبر نسبياً، البداية "الحقيقية" للانتفاضة السورية عام 2011؟ أظهرت الأجوبة والردود هذا الانقسام العميق بين أهل الريف وأهل الحضر.

هذا البعد/ الانقسام الذي عادةً ما تم تجاهله خلال مناقشات الحرب الأهلية السورية، برغم أنه كان أحد السمات التي ميزت الصراع السوري منذ بدايته. هذا ما استنبطه تحليل للباحث السوري حيان دخان، والمنشور عبر موقع "مركز بيركلي للدين والسلام والشؤون العالمية" بجامعة جورج تاون بواشنطن العاصمة.

"نظرة نخبوية فوقية"... اتهام أهل الريف بإفشال الانتفاضة السورية والنقاشات حول هذا الأمر تظهر انقساماً عميقاً في المجتمع السوري وسبباً آخر لثورة السوريين يتجاوز الطائفية: التمييز بين الريف والحضر

تحميل الريفيين وزر إفشال الثورة

حديثاً، زعم المعارض السوري المعروف، سمير النشار، أن الانتفاضة السورية فشلت لأن أهل الريف الذين قادوها قاموا بعسكرتها ثم تسليمها للنظام. لم تكن هذه المرة الأولى التي يروّج فيها النشار لهذا الادعاء. ومع ذلك، أثارت تغريداته ردود فعل شديدة في أوساط الجمهور السوري، الذي اتهمه بالتعبير عن نظرة نخبوية فوقية على سكان الريف. 



منذ استقلال سوريا عن سلطة الانتداب الفرنسي عام 1941 وحتى سبعينيات القرن الماضي، كان حكام سوريا ينحدرون من المراكز الحضرية الكبرى. ثم أصبح حافظ الأسد أول حاكم في تاريخ سوريا من أصول ريفية، ولم يكن متحفظاً في إعلان ذلك.

وعلاوةً على تأسيس حكمه على شبكة من العلويين الذين شغلوا مناصب إستراتيجية، وسّع الأسد الأب قاعدة نظامه واختار نسبة كبيرة من أهل السنة من الريف، لا سيما من مناطق دير الزور والرقة وحوران (جنوب البلاد)، ضمن قيادة حزبه الحاكم، حزب البعث العربي الاشتراكي، والجيش والأجهزة الأمنية.

وأصبحت هذه المؤسسات قنوات مهمة لتحقيق نوع من الحراك أو الارتقاء الاجتماعي للأفراد والجماعات في المجتمعات الريفية المهمشة.

تزامنت هذه التغييرات مع هجرة واسعة النطاق من المناطق الريفية إلى المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة دمشق، حلب وحمص. وصف عالم الأنثروبولوجيا السوري، سليمان خلف، كيف بدأ الفلاحون في سبعينيات القرن الماضي يتدفقون على المدن للمطالبة بنصيبهم من غنائم الثورة، ثورة الثامن من آذار/ مارس عام 1963، والتي استولى البعث على السلطة بموجبها، فيما كان الدمشقيون، بمرارة بادية، يسخرون من شخصية سكان القرى العدوانيين والتي، حسب رأيهم، كانت "فجة بسذاجة وتفتقر إلى الأساليب الحضرية".

لنحو أربعة عقود، حتى وفاة الأسد الأب، يمكن القول إن سوريا كانت محكومة من قبل تحالف من سكان الريف، الذين كان يُنظر إليهم دائماً على أنهم أقل شأناً من قبل سكان المدن. وكان من شأن تصدع هذا التحالف أن يؤدي إلى انتفاضة المجتمع الريفي المهمش عام 2011.

كان حافظ الأسد أول حاكم "فلّاح" في تاريخ سوريا، وقد وسّع اعتماده على الريفيين وأسّس ما يشبه التحالف بينهم وبين العلويين. حين تولى بشار السلطة، انهار التحالف لاعتماده على عائلته وتجار المدن، وترتب على ذلك ثورة السوريين المهمّشين الريفيين

الثورة السورية… انتفاضة ريفية؟

وهنا نعود للسؤال المهم: هل الثورة السورية هي انتفاضة ريفية؟ للإجابة عن هذا السؤال، استعرض حيان كيف أن بشار الأسد قلّص مع صعوده إلى سدة الحكم التحالف الذي بناه والده عبر اعتماده بشكل أساسي على عائلته وتجار المدن، مع استبعاد ملحوظ للطبقات الدنيا والمتوسطة من المجتمع.

أدى هذا التسلسل الهرمي إلى تحول ميزان القوى داخل النخبة ضد الطبقة الريفية، في الوقت نفسه، شرّع النظام مجموعة من سياسات لبرلة الاقتصاد، استفادت منها بشكل أساسي الطبقة الوسطى العليا الحضرية والبرجوازية السورية الحضرية. مع الوضع في الاعتبار أن هذا لا يعني أن المدن الكبرى ازدهرت خلال هذه الفترة، إذ كان هناك العديد من أحزمة الفقر في ضواحي المدن.

استنتج الباحث السوري أنه من هنا، لم تعد الطبقة الحاكمة في النظام مكونة من أبناء الطبقة الريفية، بل وهُمّشت المناطق الريفية وأطراف المدن، وجرى إفقارها بسبب سياسات النظام، وكتب: "هنا بدأت شرارة الانتفاضة وحدثت تطوراتها الكبرى"، منوهاً بأن "الأجزاء الغنية من المدن، ولا سيما في حلب ودمشق، لم تلعب دوراً رئيسياً في الانتفاضة".

وشدّد على أن الانتفاضة السورية بدا أنها ثورة "الأطراف ضد المركز"، لافتاً إلى أن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك معارضة للنظام في حلب ودمشق، بل كانت هناك "احتجاجات متقطعة صغيرة"، والعديد من المعارضين الذين تحدثوا ضد النظام جاؤوا من هاتين المدينتين. ومع ذلك، غالباً ما وصف الناس من المناطق الريفية سكان الحضر بأنهم "رمادين"، وهو مصطلح أُشير به إلى السوريين الذين اعتُبر موقفهم السياسي غير واضح.

الانتفاضة السورية بدا أنها ثورة "الأطراف ضد المركز"، لافتاً إلى أن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك معارضة للنظام في حلب ودمشق، بل كانت هناك "احتجاجات متقطعة صغيرة"، والعديد من المعارضين الذين تحدثوا ضد النظام جاؤوا من هاتين المدينتين.

ذهب دخان أبعد بالقول إن التوتر بين الريف والحضر جعل عدداً كبيراً من سكان الحضر متخوّفين من الانتفاضة، حيث اعتبروها قادمة من المناطق الريفية لتدمر في النهاية رفاهيتهم ووضعهم الاجتماعي. الطبقة الريفية على الجانب الآخر، اعتبرت أن سكان المدن لا يقفون إلى جانبهم ضد النظام الذي يقمعهم بوحشية.

هذه الأحكام والاعتقادات لدى الطرفين، برأي الباحث السوري، جعلت غالبية المنضمين إلى كتائب الجيش السوري الحر المعارض للنظام من مناطق ريفية في سوريا. وبمجرد أن تحولت الانتفاضة إلى صراع مسلح، حاصرت المعارضة الريفية المسلحة ريف دمشق وحلب لأكثر من ثلاث سنوات، وتمكنت من الاستيلاء على الجانب الشرقي من مدينة حلب عام 2012، بمساعدة المهاجرين الريفيين الذين يعيشون هناك. 

وذُكر على لسان ضابط في الجيش السوري الحر أنه قال عام 2014: "حررنا ريف هذه المحافظة. انتظرنا وانتظرنا أن تثور حلب ولم تنهض. لم يكن بإمكاننا الاعتماد عليهم للقيام بذلك من تلقاء أنفسهم، لذلك كان علينا أن نجلب الثورة إليهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard