“نتقاسم ثمن الكفن ونغسل الموتى لوجه الله”... تكاليف الموت في لبنان تقلق الأحياء ‎‎

الثلاثاء 9 نوفمبر 202102:18 م

“انتهت حياة والدي في العام 2019 مع بداية الانهيار الاقتصادي. حينذاك، أردت أن أدفنه في جبّانة روضة الشهيدين كي يكون على مقربة منّا، لكنّ تكلفة بدل إيجار الأرض ضعْفا قيمة راتبي الشهري الذي لم أحظَ به لأنّي سُرّحت من عملي. وكي لا يبقى في البرّاد، فتحنا قبر جدّي ووضعنا جثمان أبي معه، وأضفنا إلى الضريح اسمه”.بهذه الكلمات، تتحدّث هبة بيضون عن ذكرى وفاة والدها ومعاناتها مع دفنه وإكرامه في لبنان.

عدا بدل إيجار الأرض والضريح والعزاء وصولاً إلى تأمين الأيدي العاملة والطعام والقهوة، ستضطر العائلات اللبنانية حالياً إلى دفع مبلغ أقلّه 1500 دولار أمريكي لإتمام عملية الدفن وواجبات العزاء الدينية والاجتماعية.

قد يبدو هذا المبلغ عادياً لكل من يقرأه في بلاد لا تشكو وضعاً اقتصادياً حرجاً، لكن في بلد انهارت عملته الوطنية وصار متوسّط الدخل الشهري فيه 650 ألف ليرة لبنانية، ليس بإمكان جميع العائلات تأمين 30 مليون ليرة بحسب سعر الصرف الحالي للدولار الواحد وهو عشرون ألفاً.

إكرام الميّت دفنه

في أغلب القرى، لا تزال المقابر مجانية لأهالي البلدة الذين لا يتوجّب عليهم سوى دفع تكلفة الحفر والضريح والأيادي العاملة، أي حوالى 400 دولار. أما في المناطق المكتظّة، فهناك أزمة ظهرت قبل سنوات متعلّقة بعدم توفّر مساحات كافية لدفن الجثامين، مما يدفع الذين لا يملكون القدرة المادية إلى الاستعانة بمعارفهم أو انتظار من يقدّم لهم القبر بهدف دفن الفقيد.

يقول علي حمّو لرصيف22، وهو عامل في المجال التقني في الصحافة، إنه حين توفّي والده بعد إصابته بوباء كورونا، عانى جداً قبل أن يجد له أرضاً يواريه فيها. وبحسب تعبيره تمّ التذرع بإصابته بكورونا كي لا يتم استقبال الجثمان وقيل لهم لاحقاً أن لا مكان في الجبّانة. وبعد تدخّل معارف العائلة تم تأمين القبر من دون دفع بدل إيجار الأرض.

“الإنسان رخيص هو وعايش وغالي هو وميّت”

تكمل هبة بيضون (29 عاماً) قصّتها لرصيف22، وتقول إن الموت في لبنان، كما الحياة، كلفته مرتفعة. فبعد وفاة والدها بطريقة فجائية استعانت بعائلتها كي تدفع لوازم الدفن والضيافة واستئجار الصالة. لم تكن تدرك مدى صعوبة إكرام الميّت في لبنان والعوائق الماديّة التي قد يواجهها الشخص حين يفقد أحبّاءً له. تضيف: “كنت سأفرح لو أنّي أقمت العزاء بناءً على التفاصيل التي أريدها والتي تشبه والدي. فعلى الرغم من أن هذه الأمور الماديّة لا تعني شيئاً لهؤلاء الذين ماتوا، فهي طريقتنا نحن الأحياء للشفاء والتعبير عن حبّنا لهم. في لبنان، حتّى هذا التعبير الأخير عن الحب، حرمنا منه”.

وتكمل: “يومذاك كانت تكلفة الأرض نحو ألف دولار، وأنا لم أكن أملك هذا المبلغ. لذلك، قررنا فتح قبر جدّي عوضاً عن دفع بدل أرض جديدة. وهكذا انخفضت تكلفة الدفن إلى 400 دولار”.

في نهاية الأسبوع الأوّل بعد وفاة والدها، وصلت هبة لمرحلة لم تعد قادرة فيها على جلب قارئ لمجلس العزاء فتكفّل عمّها بالأمر. تقول: “بالنتيجة، دفعت أنا القسم الأكبر من المبلغ الذي وصلت قيمته إلى حوالى خمسة ملايين ليرة أي ما كان يعادل وقتذاك 2500 دولار، وتولّت العائلة باقي المبلغ”.

تجارة الواجبات الدينية والثواب عند الله

من الناحية الدينية، من المستحب، بحسب الطقوس والعادات، توزيع المصاحف والسبحات وإقامة مجالس الصلاة عن روح الشخص المتوفّي، وتقديم الطعام والمعمول. وذلك، لإكساب الراحل المزيد من الحسنات ولراحة نفسه.

عند المسلمين، في الليالي الثلاث الأولى، التي تسمّى ليالي الوحشة تجلب عائلة الفقيد قارئ قرآن لينام في المقبرة ويتلو الآيات طوال الليل والنهار فوق القبر عن روح الميّت، وكي يؤنسه ويسهّل انتقاله بحسب المعتقدات من هذا العالم إلى عالم البرزخ.

حالياً، كل هذه العادات المقدّسة والمستحبّة تتخطّى كلفتها القدرة المالية لدى معظم العائلات. تشرح الحاجّة فادية مسلماني، وهي قارئة مجالس عزاء، الاختلافات التي شهدتها بسبب الانهيار الاقتصادي. تقول لرصيف22: “في الجنوب، توجد ثقافة إقامة مجالس العزاء وترى العائلات أن هذا الفعل ضروري ولو تخطّى قدرتها المادية. هناك من هو مستعد أن يستدين لإحياء المجلس عن روح أهل البيت وعن روح الفقيد. وهناك من يسعى من خلال المجالس إلى الاستعراض والحصول على سمعة اجتماعية معيّنة”.

“لماذا يطلب الكهنة كل هذه الأموال على الرغم من أنّهم لا يقومون سوى بإتمام واجباتهم الدينية. الناس لا تملك هذه المبالغ“

تؤكّد مسلماني أن الوضع في السنوات الأخيرة اختلف كثيراً في صفوف قرّاء المجالس، إذ بعد تفشّي وباء كورونا، غابت المجالس مدة عام كامل. واليوم، عادت لكن بمعايير مختلفة. كيف؟ تجيب: “في السابق، كانت العائلات تدفع حوالى مئة دولار عن كل مجلس. اليوم أدخلُ إلى المجلس، أتمم واجباتي الدينية، ولا أطالب بمردود مادّي معيّن، ولا أشترط”. وتضيف: “إذا عطوني باخد، إذا ما عطوني، بضهر وبقول الحمدالله. أصلاً الناس عم تتوتّر وتخجل، وما عارفة شو لازم تدفع لأن ما معها”.

وتعدد الحاجّة فادية التغييرات التي تلاحظها في منازل الناس، وتأثير الوضع العام على قدرتهم الشرائية. تقول: “يوم أمس، خلال مجلس العزاء الذي قرأت فيه، لم تقدم العائلة سوى قنينة مياه وبسكوتة راحة، لأن لا قدرة لها على تقديم المزيد. الناس تعاني، وباتت غير قادرة على إتمام واجباتها الدينية تجاه الأحياء والأموات. لكن بالنسبة لي، هذه العائلات التي تقدّم القليل لأن حالتها معدومة ثوابها وأجرها عند الله أهم من الجميع، لأنها لا تسعى إلا للقسم الديني”.

نغسل الموتى ونتقاسم سعر الكفن

“الإنسان رخيص هو وعايش وغالي هو وميّت”. تقول الحاجّة نور غريب، وهي مسؤولة في المؤسّسة الخيرية ببلدة الصرفند. وفي الوقت عينه، تغسل الموتى في قريتها لوجه الله. الفعل الذي يقوم به الكثير من سكّان البلدة بحسب تعبيرها.

تشرح غريب أن عملية غسل الموتى مستحبّة وفيها الكثير من الأجر والثواب، وأن المردود المادّي غير متوفّر إلا إذا أرادت عائلة الفقيدة أن تقدّمه هي. وتضيف أن بعض الأفراد يتّخذون من غسل الجثامين مهنة لكنّ العادات والتقاليد تقضي أن يقام الغسل مجاناً.

وتحكي عن التغييرات المتصلة بطقوس الموت في لبنان: “هناك متاجرة قائمة على ظهر الأموات، وعدم اكتراث بالوضع العام من قبل البعض. سعر الكفن 90 دولاراً. العائلات التي تتلقّى راتبها بالليرة ستدفع كل ما تملكه لشراء الكفن فقط. وصلنا إلى وقت صرنا نتقاسم فيه ثمن الكفن كي ندفن أمواتنا”.

وعن قرّاء القرآن على القبور خلال “ليالي الوحشة”، تلفت إلى أن تكلفة الليلة الواحدة صارت 450 ألفاً. وتؤكّد أن كل العادات المستحبّة، مثل توزيع الطعام عن روح الميت، وكفالة الأيتام، أضحت غير ممكنة، فالعائلات التي كانت تقدّم المناسف، لم تعد قادرة على تقديم سندويش.

في الجنوب، توجد ثقافة إقامة مجالس العزاء وترى العائلات أن هذا الفعل ضروري ولو تخطّى قدرتها المادية. هناك من هو مستعد أن يستدين لإحياء المجلس عن روح أهل البيت وعن روح الفقيد. وهناك من يسعى من خلال المجالس إلى الاستعراض”.

بحسب تعبير غريب، الناس مختنقة. والعادات التي كانت تقضي بأن يتولّى أهل القرية تكاليف العزاء تلاشت بسبب الانهيار الاقتصادي، وهذه المساندة الاجتماعية غدت غير ممكنة لأن الكل يعاني. وتختم: “المصحف الصغير صار حقّة 50 ألف. الناس ما قادرة تكرّم موتاها. قبل ما كنّا نطلب مصاري من الجمعية. اليوم صرنا نطلب. لأن الناس هي وعم تشوف الموت عم تقلق إنو ما معها مصاري”.

تختلف تكاليف الموت من طائفة إلى أخرى، لكنّ المعاناة هي نفسها. عند الطائفة المسيحية لا يوجد قلق تأمين بدل إيجار الأرض لأن كل عائلة تملك غرفتها الخاصّة في أرض الكنيسة أو الوقف. وبداخلها أدراج تتّسع لأكثر من قبر. لكن التكاليف تظهر في متطلبات أخرى، وهذا ما يشرحه الأستاذ سيمون صفير.

“أين تعاليم الكنيسة؟”

“الناس حالتها بالويل” هكذا يصف صفير الوضع، وهو واحد من ملّاك مؤسسة إيلي صفير المعنية بتأمين لوازم الدفن في منطقة زحلة، والتي تملكها العائلة منذ أكثر من نصف قرن. يقول إن الوضع لم يعد محمولاً، ويبدأ بتقديم الدلائل بالأرقام على الشكل التالي:

- التابوت: مليونا ليرة.

- باقة الورد: 100 ألف .

- الطعام: ثلاثة ملايين (100 سندويش).

- العمال: 400 ألف (100 ألف للعامل الواحد).

- القهوة: مليون.

ويشير سيمون إلى أن هذه الأسعار هي التي يبدأ منها العزاء، وأنهم في مؤسّستهم يقدّمون السيارة مجاناً، ولا يأخذون بدل الإيجار إلا في حال طلب أكثر من سيّارة. يقول: “نحن نتحمّل كلفة النقل على الرغم من غلاء المحروقات، لأننا لطالما قدّمنا السيارة. نحاول قدر الإمكان أن نفهم الوضع القاهر المسيطر على الجميع وعلينا نحن أيضاً كأصحاب مؤسّسة. وذلك عبر عدم رفع التسعيرة على العائلات في ظل معاناتهم. لكن معاناتنا كبيرة جداً. مع قدوم الشتاء، لدينا قلق المازوت والإيجار وتأمين الكهرباء”. ويضيف:“عم نطلع راس براس. شو بدنا نعمل ظرف صعب وبيقطع”.

“هناك متاجرة قائمة على ظهر الأموات. سعر الكفن 90 دولاراً. العائلات التي تتلقّى راتبها بالليرة ستدفع كل ما تملكه لشراء الكفن فقط. وصلنا إلى وقت صرنا نتقاسم فيه ثمن الكفن كي ندفن أمواتنا”.

يحكي سيمون أن هناك من يموتون ولا تقدر عائلاتهم على إتمام الواجبات الدينية والاجتماعية معهم، وأن هناك موتى بلا أقرباء. ويبدي عتبه على الكنيسة التي بحسب قوله لا تراعي أوضاع الناس. ويضيف: “الخوري والمطران لا يرضيان بالقليل. وبين المردود المادي الذي يطلبانه وبدل إيجار صالة الكنيسة أمست التكلفة نحو ثلاثة ملايين”. ويتابع: “لماذا يطلب الكهنة كل هذه الأموال على الرغم من أنّهم لا يقومون سوى بإتمام واجباتهم الدينية. الناس لا تملك هذه المبالغ. وبسبب الوضع العام جميع الناي في حالة خدر ولا أحد يعترض”. ويختم: “صار الموت بكلّف أقل شي 20 مليون ليرة (ألف دولار) وما حدا بساعد. يا عيب الشوم. هيدي هي تعاليم الكنيسة؟”

لا يستر معظم اللبنانيين خوفهم من المرض، لأنهم لا يستطيعون تحمّل تكاليف العلاج. ويبدون أيضاً خوفاً من متطلبات الحياة وصعابها الكثيرة، ابتداءً من الرغبة في الخروج من المنزل وصولاً إلى شراء الطعام. عدا أنهم باتوا يخافون الموت، لأن طريقه محفوفة بالقلق المادي والعجز الاقتصادي في ظل الاتّجار بكل ما يتصل بتكاليف الدفن وملحقاته.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard