“مناهج تربوية متهالكة وخطّط مرتجلة”... أساتذة لبنان وطلّابه يعودون إلى المدارس

الجمعة 5 نوفمبر 202112:00 ص

فتحت المدارس في لبنان خلال الشهر الماضي أبوابها تدريجياً، لتستقبل الطلاب الذين قضوا عامهم الدراسي السابق وهم يتلقّون المعلومات من أساتذتهم من خلف الشاشة.

الأساتذة انقلبت حياتهم منذ العام 2019. أولاً، لأنهم اخترعوا وسائل جديدة للتعليم من خلال العالم الافتراضي. وثانياً، لأنهم من الفئات المتضرّرة جداً من الوضع المعيشي الصعب.

طرح رصيف22 أسئلة على معلمات ومعلمين عن تفاصيل العودة إلى المدارس في ظل الانهيار الاقتصادي، وعاد بهذه الإجابات.

من المنزل إلى الصف

يشرح هاني صندقلي، وهو نائب مدير مدرسة سيّدة النّعم في منطقة كفرشيما أن لبنان ليس البلد الوحيد الذي عانى من نتائج عملية التعلّم عن بعد، لكن للبنان خصوصيات أخرى. يقول: “نحن أمام مناهج تربوية مهترئة نجترّها منذ عقدين. كما أنّنا واجهنا مشكلتين: الأولى، تتمثّل بعدم مواءمة هذه المناهج مع التقنيات الحديثة. فنظامنا التربوي يعتمد على التلقين وعلى المدرّس كمحور أساسي في عملية التعلّم. لذلك، واجهنا صعوبات حين انتقل التلقين من غرفة الصف المدرسية الى صفوف افتراضية مملّة. إذ ابتكرت كل مؤسّسة أدواتها ومنصّاتها التقنية الخاصة وظهر التفاوت بين المدرسين. فمنهم من أتقن اللعبة نتيجة صغر سنه وعلاقته بالتكنولوجيا. ومنهم من ارتدى قناع التلقين من خلف شاشة حاسوبه”.

أكثر ما يؤلمها هو سفر العديد من الطلاب إلى الخارج بعد الأزمة الاقتصادية وانفجار المرفأ، وهذا يشعرها أنها فقدت أفراداً ربّتهم من الصغر حتى المراهقة

ويضيف أن المشكلة الثانية التي واجهوها تمثّلت بالتفاوت بين المدرسين أنفسهم أو بين الطلاب من ناحية قدرتهم على اقتناء أدوات التعلّم، كالهواتف والألواح الذكية أو الحواسيب. كما أن هذه المشكلة تفاقمت بسبب وضع البلد لأن قدرة الحصول على مصادر الطاقة أو الانترنت لم تكن متوفّرة للجميع وأحياناً شبه معدومة.

هاتان المشكلتان اللتان تمّ مواجهتهما خلال فترة الحجر الصحّي امتدّت نتائجهما إلى العام الدراسي الحالي، من ناحية قدرة التلامذة على تلقي المعلومات أو التزامهم شروط اليوم الدراسي. عدا أن المدارس بدّلت جزءاً من خططها وأساليبها بناءً على الوضع العام في لبنان.

تأثير الانهيار على الأساتذة والطلاب

ترى رنوة جحا، وهي أستاذة فنون، تعمل منذ 22 عاماً في مدرسة International College IC في بيروت، أن الوضع العام يسيطر على كل الخيارات المتعلقة بما تقدّمه المدارس للتلامذة، وتقول: “الطلاب سيحرمون من النشاطات الثقافية الخارجية التي كنا نجريها كل سنة بسبب الانهيار الاقتصادي والوضع الأمني وعدم توفّر مادّة البنزين. إذ سنواجه دوماً عوائق في بلادنا. لذلك، ستُحصر حياتهم الدراسية والتعليمية داخل المبنى”.

تضيف رنوة إنها مسرورة للعودة إلى المدرسة ومزاولة مهنتها من داخل الصف. فهي خلال فترة الحجر الصحي والأشهر التي تبعتها فقدت خصوصيتها وصارت تعمل ساعات طويلة. لماذ؟ جوابها: “كانت تردنا اتصالات في منتصف الليل من تلامذة لم يفهموا المحتوى خلال الحصّة، وكان يتوجّب علينا أن نعيد الشرح. أحياناً، بسبب انقطاع الكهرباء، كان الطلاب يغيبون. وبعضهم استغلّ الأزمة وتهرّب من الحضور نهائياً. باختصار، كانت السيطرة مفقودة، وإدارة الصف شبه مستحيلة، وكمية العمل مضاعفة. وكنّا نشعر في بعض الحالات أن لا جدوى من الشرح. اليوم، بالعودة إلى الصف استؤنف التواصل المباشرة مع التلاميذ، واسترجعنا قدرتنا على مساعدتهم بناءً على ردود فعلهم التي نراها مباشرة”.

وعن المصاعب التي يواجهونها، تقول: “المعاناة الوحيدة التي نواجهها هي إعادة ترسيخ قوانين المدرسة. الطلاب يتصرفون في الصف كما كانوا يتصرفون في منازلهم. من ناحية الجلوس واللباس والخطاب. لكن هذه تفاصيل يمكن معالجتها”.

وتؤكّد رنوة أن أكثر ما يؤلمها هو سفر العديد من الطلاب إلى الخارج بعد الأزمة الاقتصادية وانفجار المرفأ، وهذا يشعرها أنها فقدت أفراداً ربّتهم من الصغر حتى المراهقة.

“في آذار/ مارس المقبل سيصبح عمري 33 عاماً. وسيكون الراتب الذي أتلقاه هو نفسه الذي كنت أتلقاه حين كنت في الـ25 عاماً”

تقول كلارا (اسم مستعار)، وهي أستاذة في مادّة علوم الحياة في بيروت إن وضعها على الصعيد المهني كارثي، لكنّها فرحة لعودة ابنها البالغ من العمر سبع سنوات إلى حياته الاجتماعية واسترجاعه جزءاً من طفولته.

تشرح أنها قبل الأزمة كانت على وشك تقديم استقالتها وإنجاب طفلها الثاني، لكنّها تراجعت عن قرارها حين تدهور الوضع. تضيف: “في آذار/ مارس المقبل سيصبح عمري 33 عاماً. وسيكون الراتب الذي أتلقاه هو نفسه الذي كنت أتلقاه حين كنت في الـ25 عاماً”.

قبل انهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار، كانت كلارا تقبض 1600 دولار أمريكي أي ما كان يعادل مليونين ونصف المليون ليرة. اليوم تقبض الراتب نفسه الذي صارت تعادل قيمته 120 دولاراً. بالإضافة إلى 50 دولاراً قرّرت المدرسة أن تقدّمها للمدرّسين بهدف أن يصمدوا.

تقول كلارا إن كل هذه المساعدات ليست سوى بخار في الهواء، وإنها غير قادرة على تأمين أدنى حاجاتها. تشرح: “بين عمل زوجي وعملي، نستطيع أن نبتاع الأساسيات. لكن عائلتنا لن تكبر، وابننا يعيش حالياً بمستوى أدنى من ذلك الذي اعتاد عليه. ولو لم تؤمن المدرسة له الحاسوب خلال فترة الحجر الصحّي لكنا سنستدين بهدف شراءه”.

وتعتبر أن مهنة التعليم هي الأصعب، وأن الأساتذة في لبنان لا ينالون حقوقهم على الرغم من المسؤوليات الكبيرة الواقعة على عاتقهم، إذ يقضون وقتاً مع الأطفال أكثر من ذلك الذي يقضيه الأهل معهم. وتختم: “أزاول مهنة التعليم لأني مجبورة وليس لأني أحبّها. الطلاب في حالة ضياع وإحباط، وبعد الانهيار والانفجار نحن من نتعامل معهم يومياً ونرى تأثير الوضع العام على حياتهم وعلى منازلهم، وهذا ليس بتفصيل صغير، لأننا نحن كأساتذة نعاني أيضاً”.

خطّط ارتجالية وحلول آنية

يحكي الأستاذ هاني صندقلي عن الإنغلاق الذي عاشه الطلاب على مدى عامين دراسيين، والذي بدأت نتائجه بالظهور بعد العودة التدريجية إلى العام الدراسي. يقول: “في مرحلة صفوف الروضات التي تراوح التلاميذ فيها بين ثلاث وخمس سنوات، وهي مرحلة تأسيس مفهوم العلاقات الاجتماعية والتفاعل مع أشخاص خارج دائرة الأسرة، نلاحظ للمرّة الأولى أن هؤلاء الأطفال فرحون بالدخول الى المدرسة ولا يظهرون أي رفض لها حتى أننا اختصرنا الأيام التحضيرية بيومين فقط عوضاً عن أربعة.

ويضيف: "هذا العامل صعقنا، كأهل وكأسرة تربوية، لأنه عكس مدى تعطش الأطفال للخروج من المساحة الضيقة التي عاشوا بداخلها. وفي الوقت عينه ظهرت حاجتهم للانضباط والتدرّب على الحدود الواجب الالتزام بها”.

أما في ما يخص مراحل الصفوف الإبتدائية والثانوية، يشرح هاني أن لا معاناة مع هذه الفئات بل مشكلات مرتبطة بالتزامهم الضوابط التي تفرضها المدرسة كما أن بعضهم تأثّر بالانهيار الاقتصادي.

 “الطلاب في حالة ضياع وإحباط، وبعد الانهيار والانفجار نحن من نتعامل معهم يومياً ونرى تأثير الوضع العام على حياتهم وعلى منازلهم”

ويعتبر هاني أن الطلاب في لبنان سيعانون من ثُغَر تعلمية، وسيفتقدون مهارات يَفترض أن يتم تأمينها خلال مراحل عمرية متدرجة، مما يزيد من مهارات المتعلّم طوال سنواته الدراسية الأساسية. ويضيف أن القيّمين على التربية في لبنان لم يلاحظوا هذه المسألة حتى الساعة ولم تسارع أي جهة وزارية أو مركزية الى وضع خطط لمعالجة ما نحن مقدمون عليه.

ويختم: “ما نشهده اليوم على صعيد التربية، وفي جميع مؤسساتنا العامة، هو عبارة عن خطط ارتجالية تحمل حلولاً آنية، ولا وجود لخطط إستراتيجية على المدى الطويل. عدا أن الفروق الشاسعة تُلاحظ بين مستوى التعليم في لبنان خلال السنوات العشر الماضية وبين المستوى الذي وصلت إليه دول الجوار”.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard