السعودية ترصد 64 مليار دولار لتصبح "هوليوود الشرق"… هل يبتلع الترفيه مكاسب النفط؟

الاثنين 8 نوفمبر 202105:48 م

ما إن ارتفعت عائدات النفط وتراجعت القيود المفروضة في ظل وباء كورونا، حتى عاد مجدداً الحديث عن استثمارات سعودية ضخمة في مجال الترفيه، وبخاصة صناعة السينما، بما في ذلك جذب صناع الأفلام الأمريكية إلى تصوير أعمالهم في العلا (شمال غرب المملكة).  

بحسب وكالة بلومبرغ الأمريكية، تستثمر السعودية 64 مليار دولار في صناعة الترفيه الناشئة كجزء من جهد أوسع لخلق اقتصاد لا يعتمد عن النفط وتحويل نفسها إلى مركز صناعة السينما الأول في الشرق الأوسط. 

حالياً، يجري تصوير جميع مشاهد فيلم الأكشن "محارب الصحراء" (Desert Warrior)، بطولة الأمريكي أنتوني ماكي، في المملكة التي تشهد في الوقت ذاته تصوير فيلم "قندهار" للممثل الشهير جيرارد باتلر، وتحديداً في منطقة العلا. 

وقال ستيفن ستراكان، مسؤول إدارة الأفلام في الهيئة الملكية لمحافظة العلا، التي تفتخر باحتوائها آثاراً تعود لحقب تسبق نزول الدين الإسلامي: "لقد بدأنا من الصفر، لم يكن أحد هنا من قبل، ولدينا طموحات كبيرة لبناء مدينة العلا كوجهة سينمائية دولية". كان ستراكان يشير بذلك إلى أن "قندهار" أول مشروع في الموقع منذ افتتاحه من قبل اليونسكو العام الماضي.

تأتي الخطوة عقب نحو ثلاثة أعوام من إلغاء المملكة الحظر على دور السينما في عام 2018، والذي كان قائماً منذ ثمانينيات القرن الماضي. وذلك، ضمن خطوات "إصلاحية" أكبر سمحت للنساء بقيادة السيارات، وألغت الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة، وأعادت مختلف الأنشطة الترفيهية والفنية للمملكة، من الحفلات الموسيقية إلى عروض الأفلام. 

قاد هذه "الإصلاحات" ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، منذ توليه الحكم الفعلي للبلاد عام 2017. أصبح موسم الرياض الزاخر بالحفلات الموسيقية والفعاليات الترفيهية المختلفة أحد ركائز جهود "فطم" الاقتصاد السعودي من النفط و"تحسين" صورة البلاد في الخارج. 

المخاوف الحقوقية

لكن هذه الجهود قد تعرقلها المخاوف الحقوقية حيث أن الفنانين ونجوم هوليوود الذين يصلون إلى المملكة لتصوير الأفلام الشهيرة قد يواجهون انتقادات حقوقية على خلفية الانتهاكات التي تتهم قيادة المملكة بارتكابها.

يتهم ولي العهد السعودية بإسكات منتقدين واعتقال معارضين وأكثر من ذلك اتهمته الاستخبارات الأمريكية بإصدار أمر قتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي.

ولم تقتصر جهود المملكة لتحسين صورتها على جذب نجوم هوليوود فحسب، وإنما لجأت أيضاً إلى اجتذاب المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي والفنانين العالميين لإحياء بعض حفلات موسم الرياض، والذين طالت العديد منهم الانتقادات بالفعل.

لكن ستراكان عبر عن اعتقاده بأن "الناس يكون انطباعهم عن السعودية خاطئاً أحياناً. لقد أصبحت متحضرة للغاية. هوليوود تراقب ما سيحدث مع ‘قندهار‘. الناس مهتمون بالتحول الثقافي الذي تشهده المملكة".

لأجل "فطم" الاقتصاد السعودي من النفط و"تحسين" صورة البلاد في الخارج… السعودية تستثمر 64 مليار دولار في مجال الترفيه واجتذاب صناع الأفلام العالمية لتصوير أعمالهم في العلا

يبدو أن البعض يغيرون وجهات نظرهم بالفعل. عام 2018، أعلن باتلر عدم سفره إلى السعودية لحضور العرض الأول لفيلمه الجديد "Hunter Killer" بسبب مقتل خاشقجي في قنصلية بلاده. 

الآن، سيتجه الممثل الشهير إلى المملكة وسيقضي الوقت في تصوير فيلمه الجديد هناك والذي تموله مجموعة "MBC" السعودية بالتعاون مع شركة "ثاندر رود" الأمريكية. يجسد باتلر في الفيلم جيرارد شخصية عميل سري في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية يعمل في أفغانستان وعليه أن يشق طريقه للهروب برفقة مترجمه بعدما تم اكتشافه.

وعن العمل، قال بيتر سميث، رئيس "ستوديوهات MBC": "لقد أحببت السيناريو، وجيرارد بتلر هو اسم كلاسيكي".

ليست هوليوود الوحيدة في ذلك. عملاقة البث العالمية نتفليكس هي الأخرى وقعت عقوداً لثمانية أفلام روائية طويلة مع شركة "تلفاز 11" السعودية لزيادة المحتوى في المملكة والشرق الأوسط.

منافسة عربية شرسة

جهود السعودية لتكون وجهة الأفلام الهوليوودية في الشرق تعرقله -علاوة على المخاوف الحقوقية- منافسة شرسة مع دول عربية أخرى، على رأسها المغرب الذي استضاف تصوير العديد من الأفلام والمسلسلات في صحاريه، بما في ذلك سلسلة من أشهر المسلسلات الأمريكية هي " لعبة العروش Game of Thrones"، وفيلم "مملكة السماء Kingdom of Heaven" و"لعبة الجواسيس Spy Game".

الأردن هو الآخر شهد تصوير عدة أعمال عالمية، منها "The Martian" بطولة مات دامون، وفيلم "Star Wars: The Rise of Skywalker" و"The Mummy Returns" وغيرها من الأفلام الشهيرة.

الإمارات هي الأخرى منافس قوي على خط المنافسة لاجتذاب أفلام هوليوود للتصوير على أراضيها، أبرزها تصوير النجم توم كروز عدداً من مشاهد من فيلمه قبل الأخير من سلسلة "المهمة المستحيلة Mission Impossible"، وغيرها من الأفلام الأمريكية الشهيرة.

بيئة فنية فقيرة

في إطار هذه المنافسة العربية، يقلل من حظوظ المملكة نسبياً عدة مشكلات بيروقراطية منها أمور متعلقة بالحصول على التأشيرات ونقل معدات التصوير عبر المطارات. كما أن حظر السينما لعقود يترتب عليه بالضرورة نقص المواهب المحلية.

وكان فيلم "الذباب" الذي أُنتج عام 1948 هو أول الأفلام السعودية، وبدأ معه صعود السينما السعودية بمبادرات فردية ودعم من ممثلين، أبرزهم الممثل حمدان شلبي. وعقب عقود من الحظر، دشنت أول دار سينما في البلاد، في نيسان/ أبريل عام 2018، وفي آذار/ مارس 2019 عرض أول فيلم سعودي داخل المملكة، وهو "رولم"، الذي يروي قصة صانع أفلام سعودي يتنقل بكاميرته في مدينة جدة محاولاً إيجاد قصص مثيرة.

وأطلقت السعودية مؤخراً مهرجانها السينمائي الدولي الأول من أجل تنمية القدرات المحلية لتخطي عقبة فقر المواهب.

وينطلق مهرجان البحر الأحمر في ديسمبر/كانون الأول المقبل في مدينة جدة الساحلية برئاسة  المنتج السعودي محمد التركي، الذي عمل في أفلام غربية منها  فيلم "Arbitrage" لعام 2012، بطولة ريتشارد جير.

"لدينا طموحات كبيرة لبناء مدينة العلا كوجهة سينمائية دولية"... عدة عراقيل تواجه خطط السعودية لتصبح "هوليوود الشرق"، أبرزها الانتقادات الحقوقية وفقر المواهب المحلية والمنافسة الشرسة من دول كالمغرب والإمارات والأردن

وقال التركي لبلومبيرغ: "نريد أن نكون (السعودية) وجهة المنطقة للتصوير والإبداع، والإمكانات هنا هائلة"، مستدركاً "سوف يفاجأ الناس بالمهرجان والمواهب السعودية. سندهشهم".

مكاسب النفط تنعكس بزخم فني

في غضون ذلك، سجلت المملكة أرباحاً قياسية في الربع الثالث من العام الجاري من صادرات النفط بعدما ارتفع سعر البرميل خلال الأسابيع الماضية نحو 65% إلى أكثر من 85 دولاراً، وهو ما ستكون له انعكاسات مالية ضخمة على البلد الخليجي. 

سجلت شركة أرامكو السعودية أعلى مكاسب في العالم بعدما ارتفع صافي دخل الشركة في الربع الثالث أكثر من الضعفَيْن ليبلغ 114.1 مليار ريال سعودي (30.4 مليار دولار أمريكي) مقابل 44.2 مليار ريال (نحو 12 مليار دولار) في الفترة نفسها من عام 2020.

وفي تصريحات سابقة لرصيف22 حذر أنس القصاص، الباحث والمحاضر في العلاقات الدولية والشؤون الإستراتيجية والسياسات الدفاعية المقارنة وقضايا الأمن الدولي، دول الخليج التي ستحقق عوائد كبيرة من النفط، من استنزاف موارد الدولة عبر ضخ هذه العوائد في القطاعات غير النفطية لتنشيطها، وهو ما يبتلع أموالاً كثيرة من دون عوائد مماثلة للنفط، على حد قوله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard