"أصبحنا نطلب الخروج في الخفاء إلى الصلاة"... عاملات فلسطينيات في مصنع تمر إسرائيلي

الثلاثاء 9 نوفمبر 202107:34 ص

الثالثة صباحاً، ساعةٌ تُعاش على نحو مختلف بين الناس. الغالبية العظمى منهم تتفق على أنها ساعةٌ من الساعات الكثيرة، أو القليلة، التي ينام فيها المرء. إنَّها شرطٌ من شروط استقبال اليوم الجديد. لكنَّها تُعرَّف بطريقة مغايرة لدى المرأة الفلسطينية العاملة في المصانع الإسرائيلية، خاصةً إذا كانت من مدينة بعيدة مثل سلفيت، أو نابلس داخل الضفة الغربية.

في هذا التقرير، سنروي حكايات فلسطينيات يعملن في مصانع التمر الإسرائيلية داخل الخط الأخضر، "وهو مصطلح أطلقته إسرائيل على الحدود الفاصلة بين مناطق 1948 و1967، كما أنه يفصل فلسطين عن دول الجوار: سوريا، لبنان، والأردن، ومصر". تُعدّ نسبة العاملات من النساء الفلسطينيات في المستوطنات، وداخل الخط الأخضر، قليلةً ومحدودةً؛ فهي لا تتجاوز %0.7 حسب المركز الفلسطيني للإحصاء عام 2018، وهي آخر إحصائية تمكّنت من الوصول إليها في هذا الخصوص، فعالم النساء العاملات هناك لا يزال مهجوراً، لا على الصعيد الحقوقيّ فحسب، بل والإحصائي أيضاً.

"يعاملنا المقاول كأننا قطيع من الأغنام، أو بضاعة فاسدة، مع أنه عربي، لكنّه لا يوفر لنا وسيلة نقل محترمة، لئلا يدفع الكثير من المال"

يضم هذا التقرير ملامح عن حياة عاملات فلسطينيات داخل مصنع واحد، وما يواجهنه من صعاب، وكيف يصنِّعن التمر، وكيف يعملن جنباً إلى جنب مع الإسرائيليين، وهل يعانين من العنصرية؟ وهل توزّع إسرائيل التمر على نحو عنصريّ بين الدول؟

يشاهدن شروق الشمس من نافذة الباص

رشا إبداح (29 عاماً)، العاملة في مصنع تمر إسرائيلي، وهو عبارة عن واحد من سلسلة مصانع تحمل الاسم نفسه بأرقام مختلفة، ولكنها تفضّل تسميته بمصنع "أبو القاسم"، والذي تطلق هي وآخرون عليه اسم "المناهيل"، وهي كلمة عبرية تعني المدير، إذ إن "أبو قاسم" هو المسؤول عن المصنع، وهو عربي فلسطيني؛ افتتحت حديثها قائلةً: "نخرج من بيوتنا في الساعة الثالثة والنصف صباحاً. أعمل أنا وأمي في المصنع، ومسؤوليتي الأولى هي التنسيق مع النساء اللواتي يرغبن في العمل داخل المصنع من مدينتي. إذا فشلت في توفير العدد المطلوب من النساء، سأُطرَد. صحيح أن "المناهيل" يتكفَّل بأجرة الذهاب والإياب، وتوفير وسيلة النقل، إلا أن الاستيقاظ في هذا الوقت المبكر، من أصعب الأشياء، خاصةً مع مجيء الشتاء. علينا أن نكون هناك بحلول الخامسة صباحاً، وعملية أخذ كل عاملة من بيتها تكلِّفنا وقتاً، لهذا السبب أستيقظ في هذه الساعة المبكرة. أما المسافة من مدينتي إلى المصنع، فهي من 40 دقيقة إلى ساعة تقريباً. في الصباح، نصل بسرعةٍ لانعدام حركة السير، أما العودة فتأخذ منا نحو ساعة. نعمل ثماني ساعات، وتصل إلى 10 تقريباً إذا أخذنا طريق الذهاب والإياب بعين الاعتبار".

تشكو رشا من سوء وسائل النقل: "يعاملنا المقاول كأننا قطيع من الأغنام، أو بضاعة فاسدة، مع أنه عربي، لكنّه لا يوفر لنا وسيلة نقل محترمة، لئلا يدفع الكثير من المال. فغالباً ما يكون الباص مهترئاً من الداخل، أو معطوباً فيتعطَّل في منتصف الطريق، ونتأخر عن عملنا، ونخسر بدل ساعات عملنا الأصليّة، لأنهم لا يتسامحون مع أيّ تأخير".

يضم هذا التقرير ملامح عن حياة عاملات فلسطينيات داخل مصنع إسرائيلي، وما يواجهنه من صعاب، وكيف يصنِّعن التمر، وكيف يعملن جنباً إلى جنب مع الإسرائيليين، وهل يعانين من العنصرية؟ وهل توزّع إسرائيل التمر على نحو عنصريّ بين الدول؟

أجورهنّ منخفضة وحقوقهنّ مهدورة

أما بخصوص الأجور، فتقول رشا إنها تتقاضى 80 شيقلاً (25 دولاراً) عن ثماني ساعات عمل في اليوم الواحد، أي عشرة شواقل مقابل كل ساعة، وتقول إنَّ الأجور انخفضت في السنتين الأخيرتين، علماً أنها تعمل في هذا المصنع منذ ثلاث سنوات.

تردف: "كنت أتقاضى 90 شيقلاً (28 دولاراً) سابقاً، مع استراحتَين: الأولى لمدة نصف ساعة، والثانية كانت "استراحة الصلاة" ومدتها ربع ساعة. أي كان يُسمح لنا بأداء الصلاة، "الظهر غالباً"، في مكان مخصص. لكنَّ هذه الاستراحة أُلغيَت، مقابل بقاء الاستراحة الأولى، وهي لا تكفي لتناول الطعام والصلاة. أصبحنا نطلب من "المناهيل" أن نخرج في الخفاء إلى الصلاة، لئلا يروننا، ولأنه عربي مسلم لم يمانع، واقترح علينا أن تخرج واحدةً بعد الأخرى، حتى نصلي جميعنا. لكن إدارة المصنع عرفت أننا سنأخذ وقتاً لنتوضأ، كما أن بعض العاملات يلجأن إلى القيام بأشياء أخرى، مثل شراء الطعام، أو الذهاب إلى المرافق العامة، لذا قاموا بإلغائها".

أما صعوبات العمل، فهي كثيرة. طبيعته تتطلَّب وقوفهن لساعات طويلة أمام الآلات، فضلاً عن عدم وجود مكان للجلوس، في أثناء الاستراحة، لأن "الكنتينا" لشراء الطعام فحسب. لذا، يجلسن على الصناديق المخصصة لعلب التمر المغلّفة، وحتى هذه الصناديق يُجبرن على إعادتها إلى مكانها، فور انتهائهنّ من استخدامها.

تقول حمدي، والدة رشا، التي تعمل معها في المصنع ذاته: "نعمل من دون أي تصريح بيننا وبين المدير، أو بيننا وبين إدارة المصنع الإسرائيلية، لأن مصانع التمر تشغِّل العاملين أربعة أشهر خلال الموسم، وقانون العمل الإسرائيلي يقول إن العامل الذي يعمل أقل من ستة أشهر، لا يحق له المطالبة بأي حق من حقوقه كعامل إسرائيلي، أو أجنبي في إسرائيل. نحن نعمل خمسة أشهر، وأحياناً أربعة، ثمَّ يوقفنا "المناهيل" عن العمل لشهر تقريباً، وبعدها نعود. وبهذه الطريقة يضمنون بقاءنا من دون حقوق، طوال فترة عملنا هناك".

التعامل مع الإسرائيليين ضمن حدود "العمل"

العمل في هذه المصانع لا يقتصر على النساء، فهنَّ يعملن إلى جانب الرجال في القسم نفسه، وعلى الآلة نفسها، فضلاً عن وجود عدد من الإسرائيليين والإسرائيليات الذين/ اللواتي يعملون/ يعملن معهم/ نّ.

تشرح لنا رشا طبيعة هذا الاختلاط: "معظمنا خريجو ثانوية عامة، وجامعات، وهناك أيضاً أصحاب شهادات عليا فشلوا في إيجاد وظيفة، فالتحقوا بالمصنع. مثلاً، أعمل مع مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين درسوا الصيدلة والصحافة، وقبل أشهر انضمَّ إلينا طبيب أسنان لم يعد يفكر في العمل بشهادته. للأسف، نحن مجبَرون على التمسك بهذه الفرصة، لانعدام غيرها، ولكننا في الوقت نفسه ننسى ما درسناه، وحتى لو فكرنا في تطوير مهاراتنا، فلن نجد الوقت الكافي لذلك. الدورة التدريبية، وهي أبسط الأشياء، غالباً ما تُعقد في الصباح، ولعدة أيام. هذا الخيار ليس متاحاً بالنسبة إلي على الأقل".

العمل في هذه المصانع لا يقتصر على النساء، فهنَّ يعملن إلى جانب الرجال في القسم نفسه، فضلاً عن وجود عدد من الإسرائيليين والإسرائيليات الذين/ اللواتي يعملون/يعملن معهم/نّ.

حين سألتها عن طبيعة التعامل بينها وبين الإسرائيليين هناك، قالت: "تعاملاتنا لا تتجاوز حدود العمل. الأسبوع الماضي عمِلَت معي فتاتان إسرائيليتان، ولم يزد الأمر عن التعرف على أسماء بعضنا البعض، والأمور المهنية مثل: أعطني هذه العلبة، أو مرري لي السكين. هنّ يتحدثن العربية معنا، ولكن بشكل محدود جداً. أما المسؤول الإسرائيلي المشرف على الأقسام، وغيره ممن يعملون خلف المكاتب، فهم يرفضون أن يتحدثوا إلينا بالعربية، ويتحدثون الإنكليزية أو العبرية فحسب، وإن لم نفهم عليهم، يتّصلون على "المناهيل" الخاص بنا، وهو يفسر لنا ما يريدونه. وفي الوقت نفسه، يرفضون تعليمنا لغتهم، ويتهرَّبون من أسئلتنا عن معنى أي شيء بالعبرية؛ مثلاً "عوفد"، أي "يعمل"، تعلمتها من الشبّان الفلسطينيين الذين يتحدثون العبرية داخل القسم".

تؤكد رشا أن هذه الصدامات اللغوية تشكِّل حاجزاً من الصعب اجتيازه بالنسبة إلى من يعملون هناك، ولا يعرفون اللغة الإنكليزية، أو العبرية، فالانغلاق على الآخر، لغوياً، وإنسانياً، وحتى دينياً، والإبقاء على الفلسطينيين العاملين هناك، داخل إطار "مهني"، كعبيد لا غير، حسب تعبيرها، يكشف عن أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية واستعمارية. وهي قضية ليست وليدة اليوم، لكنّ متحوّراتها ما زالت تتفشى بطرق مختلفة، وهذه إحداها.

عن تصنيع التمر والمكسّرات

حسب حمدي، فإن التمر يُقطف عن أشجار النخيل من قبل عمّال يُرفعون على الرافعات، ثمَّ يقصّون قطوف التمر، ويفرّغونها في صندوق، وقد تبقى محفوظةً في الثلاجات، لأيام أو لأسبوع، وهذا يعتمد على رغبة المصنع والتواريخ التي يحددها.

"أنا لا أمانع العمل في المصنع، مقابل لقمة العيش. لست الفلسطينية الوحيدة العاملة في المستوطنات، أو داخل الخط الأخضر، كما أنني لا أفعل أي شيء مخالف للدين، أو يمكن القول إنه "عيب"."

وتقول حمدي: "يعتمدون في جمع التمر على الأطنان، مثلاً مصنعنا يجمع 800 طن، ولدى العمال داخل المصنع أربعة أطنان، وهذا يعني أنهم سيعملون لثلاث ساعات. بهذه الطريقة يقررون إدخال التمر من عدمه. المرحلة الأولى هي "اللاين"، لفرز التمر، ويصنِّفونه على أربع درجات، حسب نظافته، وحسب الشركة التي طلبت تصنيعه. فالشركات التي لا تدفع جيداً، لا يهتم المسؤول عن المصنع بمراقبتنا في أثناء العمل على بضائعها، ويطلب منا التخلص من التمر الفاسد فحسب. أما الشركات التي تدفع مبالغ طائلة، فيقفون فوق رؤوسنا للتأكد من دقة عملنا. والمرحلة الثانية هي نقل التمر داخل صناديق، إلى "اللاين" الثاني، للتأكد من سلامة التمر. وفي المرحلة الثالثة، يمرّ التمر عبر آلة تعمل مجسّاتها على فرزه حسب درجة صلاحيته، ويقف على هذه الآلة نحو 30 عاملاً. وهنا يقسَّم التمر إلى أنواع: "الجامبو"، و"السوبر جامبو"، و"اللارج"، و"الميديوم"، و"البيبي". وتقاس درجة فساد التمر بالأرقام؛ مثلاً 502 يعني أن التمر نظيف جداً، وهو من نوع "السوبر جامبو"، و623 تكون فيه نفخة بسيطة، و401 يعني أنه تالف، فيما يُعدّ الـ509 أنظف أنواع التمر، أي "الجامبو". وهناك نوع آخر من التمر اسمه "البونبون"، وهو من أجود الأنواع، وأغلاها، لأن طعمه مثل العسل".

وتقول رشا: "في مصنعنا، يغلِّفون المكسّرات أيضاً، ولكن الإشكالية في تغليف المكسّرات والتمر تكمن في التمييز في أثناء التصنيع، بين الشركات أو الدول. مثلاً، إذا كانت الشركة أمريكية، أو لإسرائيل نفسها، يدققون بشكل كبير، ويحرصون على تسليمهم أجود الأنواع، وكذلك المكسّرات تكون مغلّفةً بشكل متقن، فمدير المصنع، أو مشرفو الأقسام الإسرائيليون، على استعدادٍ لإلقاء التمر في القمامة، ويُطلب منا تجهيز صناديق جديدة مقابل تصدير نوعيات ممتازة، أما إذا كانت الوجهة إلى إفريقيا، وغيرها من الدول، فلا يهتمون بنوعيته. وبكل صراحة، تكون غالبية الصناديق المصدَّرة إليهم، بحاجة إلى الرمي في القمامة، لأنها غير صالحة بتاتاً".

أما إذا كانت الوجهة إلى إفريقيا، وغيرها من الدول، فلا يهتمون بنوعيته. وبكل صراحة، تكون غالبية الصناديق المصدَّرة إليهم، بحاجة إلى الرمي في القمامة، لأنها غير صالحة بتاتاً".

ماذا عن نظرة المجتمع؟

هبة (اسم مستعار)، إحدى العاملات في المصنع، تحدثت إليّ مشترطةً تغيير اسمها، لأنها لا تفضّل أن يعرف الآخرون طبيعة عملها، أعربت عن صعوبة تقبّل محيطها لعملها في المصنع، خاصةً أعمامها. وحين سألتها عما إذا كانت تخجل من عملها، قالت: "أنا لا أمانع العمل في المصنع، مقابل لقمة العيش. لست الفلسطينية الوحيدة العاملة في المستوطنات، أو داخل الخط الأخضر، كما أنني لا أفعل أي شيء مخالف للدين، أو يمكن القول إنه "عيب". مع ذلك، أعمامي يحاولون التأثير على أشقائي دائماً، ولكن خروجي من المصنع يعني خسارة مصروفي، ومصروف اثنتين من شقيقاتي".

أما رشا، فلم تقلق إزاء نظرة المجتمع، وتعدّ عمل المرأة ضرورياً، خاصةً إذا كانت من دون معيل، وهو يدلّ برأيها على قوَّتها، وقدرتها على التأقلم مع الظروف الصعبة، لا على حاجتها وانكسارها. وهي لا تمانع الاختلاط مع الجنس الآخر، لأنها ترى الجامعة اختلاطاً أيضاً، لذا ليس من حق المجتمع أن يعترض. لكنَّها تؤكد على وجود صمت مجتمعيّ ومؤسسي على المستوى الحقوقي، إزاء فئة العاملات داخل الخط الأخضر مثلها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard