99% للجرائم وقتل النساء و1% للمقاومة... سلاح الضفّة الغربيّة

الأربعاء 10 فبراير 202105:57 م


تُعتبر تجارة السلاح في فلسطين، وتحديداً في الضفة الغربية، تجارة خطرة تفشَّت بكثرةٍ في الآونة الأخيرة داخل المجتمع الفلسطينيّ، لأسبابٍ عدّة أبرزها انعدام سيطرة السلطة الفلسطينية على الأرض والشعب، وضعف القوانين وعدم تنفيذها. بالإضافة إلى وجود المخارط والأماكن المؤهلة لتصنيع الأسلحة يدوياً وبيعها بأسعارٍ غالباً ما تكون في متناول يد جميع طبقات المجتمع. أما السبب الرئيس لوجود هذا النوع من التجارة فهو الاحتلال الإسرائيلي- المسيطر على الأرض والحدود- وسياسته الهادفة إلى نثر الفوضى والاقتتال بين أبناء القرية، أو المدينة الواحدة. لأن غالبية الأسلحة التي يتم تصنيعها أو تهريبها من خارج فلسطين تُستخدم في التجارة، أو في جرائم القتل على خلفيات الشرف والقضايا العشائرية.

وقد أدّت تجارة السلاح إلى ارتفاع جرائم القتل في الضفة الغربية مؤخراً. فعلى صعيد العام المنصرم، منذ بدايته حتى مطلع أيلول، سُجّلت 43 ضحية في الضفة الغربية بجرائم قتل محليّة، معظمها كانت باستخدام أسلحةٍ غير مرخَّصة ومسروقة. مما شكَّل زيادةً وصلت إلى %45 عن عام 2019 الذي سجلت فيه 25 جريمة قتل، حسب تقرير نشرته صحيفة إنديبندنت العربيّة. وقد سُجِّل بين الأعوام 2013 حتى نهاية 2020، قرابة 500 ضحية، وفق تقرير جمعية الشباب العرب الفلسطينية. أي بمعدل 64 جريمة سنوياً، فيما شهد عام 2019 تسجيل 94 جريمة، أي بمعدل جريمتين كل أسبوع، في حين أن %74 من تلك الجرائم نفذت باستخدام السلاح وإطلاق النار، يليها استعمال السلاح الأبيض والطعن بنسبة %14.

كيف يتم إدخال السلاح إلى الضفة الغربية، وكم يبلغ ثمنه، ومن يشتريه، وهل من فرقٍ بين السلاح الأصلي والمصنَّع داخل الضفة، وهل تختلف الأسعار باختلاف نوعه، وما هو مصير السلاح الذي تضبطه السلطة الفلسطينية ولماذا يهدد وجوده وتصنيعه أرواح الفلسطينيين؟

أغلى السلاح تجدونه في الضفّة

يدخل السلاح إلى الضفة الغربية عن طريق منافذ عِدة، مثل: سيناء، الداخل المحتل، سوريا وكردلة والسويداء، ومرج غزال، والعين البيضاء، والعوجا وعن طريق القوارب المطاطية في البحر الميت. أما منطقة الأغوار- وهي من المناطق الحدودية بين الضفة الغربية والأردن- فهي الأكثر شهرةً وتُعتبر الذراع الأيمن للتاجر الذي يشتري الأسلحة من الأردن ويريد نقلها إلى فلسطين. ويتم ذلك عن طريق التصاريح الزراعية التي ينتهي مفعولها بعد الساعة الخامسة مساء من يوم صدورها. بالاتفاق والتنسيق مع تجّار الأردن من جهة، وأبناء وسكان الأغوار من جهةٍ أخرى، فينقلونها مقابل مبالغ معيَّنة من المال. ومن أسماء هذه المناطق "كرعلة".

أما عن طريقة البيع فيقول، مجد (اسم مستعار)، وهو تاجر أسلحة، لرصيف22: "البيع يكون من تاجر إلى تاجر، وتُشترى الأسلحة إما جملةً أو بشكلٍ فرديّ. وأحياناً يتمّ شراء قطعٍ معيَّنة للأسلحة التي تُصنَّع داخل المخارط في الضفة الغربية. من أكثر الأسلحة طلباً هي المسدسات بكافة أنواعها و M16 بالإضافة إلى الكلاشنكوف (AK 47) والكارلو. نشتريها من الأردن ويُعتبر سوق الرمثا من أكثر الأسواق شهرةً في هذا المجال. الأسعار في الأردن تتراوح بين 3000 إلى 4000 دينار أردني (4200 إلى 5600 دولار) للقطعة، بالإضافة إلى تكاليف النقل إلى الضفة الغربية، والتي تصل إلى 1400 دولار. أقل مبلغ نحصل عليه من بيع السلاح الواحد حوالي 21,000 دولار، ويزداد باختلاف نوع السلاح المُباع وطريقة تصنيعه. يعني نربح النصف وأكثر. مثلاً يصل سعر المسدس البلجيكي إلى 9 آلاف حتّى 10,600 دولار. أما الماغنوم والسميث فتكون أغلى من هذا السعر بكثير".

يصف مجد طريقة التصنيع قائلاً: "نقوم بتصنيع الكارلو في الضفة، فهو منتشرٌ بكثرة ويصنَّع بشكلٍ كاملٍ في مخارطنا (مخارط المسنَّنات التي تصنع قالباً طبق الأصل). والمخارط لا غنى عنها في عملية التصنيع سواء للتصنيع الجزئي أو الكامل. مثلاً هناك أسلحة نشتري نصفها ونصنِّع الجزء السفليّ منها مثل M16، وتُباع بحوالي 15 إلى 21 ألف دولار، والأصلية من 21 ألف إلى 30,300 دولار. ويصف الضفة الغربية كإحدى أغلى المناطق بيعاً للسلاح مقارنةً بباقي دول العالم. مثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية يُباع المسدس الأصلي بـ900 دولار.

وجود السلاح بين أيدي العشائر والأفراد يُسهل عمليات الثأر واستخدامه كأداة للجريمة عند حدوث المشاكل. يؤكد وادي أن %99 من هذه الأسلحة تُستخدم بهدف جرائم القتل والثأر أو قضايا الشرف، ونسبة %1 أو أقل تستخدم للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي

السلاح خطرٌ على المجتمع وليس على إسرائيل

يقول عبد الكريم وادي، مدير قسم التحقيق في جهاز الاستخبارات العسكرية، لرصيف22: "المشكلة الرئيسيّة التي نعاني منها كدولةٍ محتلَّة هي الاحتلال نفسه. فالمناطق الحدودية التي يأتي منها السلاح؛ وهي الأردن، سوريا، لبنان ومصر، لا نملك أي نفوذ عليها لأنها بيد الاحتلال. وبالتالي فإنَّ أيّ عملية تهريب تتم تحت سيطرتهم، وبمعرفتهم، ولهم أهداف محددة وهناك شخصيات معيَّنة يُسمح لها بإدخال السلاح باتفاق مع الاحتلال. لم تكن عمليات ضبط السلاح وتجارته منتشرة بكثرة سابقاً، ولكننا في السنوات الأخيرة ضبطنا مئات الآلاف من القطع والأسلحة".

بحسب وادي فإنَّ هدف إسرائيل من وجود السلاح هو معرفتها بالمجتمع الفلسطيني وقبليَّته، ومدى ارتباطه بالعادات والتقاليد، وبالتالي فإنَّ وجود السلاح بين أيدي العشائر والأفراد يُسهل عمليات الثأر واستخدامه كأداة للجريمة عند حدوث المشاكل. يؤكد وادي أن %99 من هذه الأسلحة تُستخدم بهدف جرائم القتل والثأر أو قضايا الشرف، ونسبة %1 أو أقل تستخدم للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. لهذا يُعتبر وجود السلاح بشكلٍ عام خطراً على الأمن المجتمعي. أما خطورة السلاح المصنَّع محلّياً مثل كارلو، فخطورته تكمن أولاً في انعدام البصمة، فالآثار الدقيقة التي يتركها السلاح على مخلفات الإطلاق. تخزَّن في نظام عبر ماسح ضوئي بأرقام تسلسلية. وعليه، فإنَّ أيّ عملية قتل تتم باستخدام الأسلحة المحليّة، من المستحيل تعقُّب أو معرفة نوع السلاح المستخدم في الجريمة. ثانياً: الكارلو يمتاز بأسعاره الرخيصة من 900 إلى 1200 دولار، مما يجعله في متناول الجميع حتى على صعيد الداخل الفلسطيني، نشهد عشرات من حالات القتل سنويّاً وهي في ازدياد. انطلقت على إثرها مسيراتٌ في الداخل الفلسطيني للأسبوع الرابع على التوالي احتجاجاً على سياسة الاحتلال الإسرائيلي التي لا تتعقَّب القتلة والمجرمين ولا تحاكم من يقتلون بأدوات جريمةٍ من بينها الأسلحة المصنَّعة. فأغلب هذه الجرائم تمت باستخدام أسلحة مصنَّعة لا بصمة لها، تُستخدم لمرة واحدة وتُلقى في القمامة. خاصةً سلاح الكلاشنكوف الذي يُزيلون البصمة عنه ويستخدمونه؛ لأنَّ الاحتلال لا يوجد لديه كلاشنكوف ولا يصنِّعه ولا يباع في الأسواق، كما يقول وادي.

كما تكمن خطورة الأسلحة المصنَّعة في كونها سريعة العطب أيضاً، ولا تحتمل المواجهات أو إطلاق عدد متتالٍ من الرصاص، وإصابتها غير دقيقة ومسافة إطلاقها للنار قصيرة المدى لا تصيب الأهداف البعيدة وقد تنفجر في أيّ لحظة. على العكس من السلاح الأصلي الذي يدوم لسنوات وإصابته شديدة الدقة.

وفي سؤال وادي عن مسؤولية وجود السلاح في الضفة، قال: "يجب أن تعمل السلطة الفلسطينية على تجفيف منابع التصنيع والاستيراد، خصوصاً المخارط التي تُعتبر الأكثر خطورةً وتهديداً لنا كفلسطينيين. فالأهم من مصادرة السلاح هو إلغائه والسيطرة على الفئات أو الأفراد الذين يمتلكونه ويصنِّعونه".

قيادات فوق القانون

بحسب وادي فإنَّ أكثر المناطق تصنيعاً وتجارةً داخل الضفة هي المخيمات، وبعض المدن مثل جنين ونابلس ورام الله والخليل، دون استثناء تقسيم المناطق المعترف وغير المعترف بها لـ (أ، ب، ج)، فالاحتلال الإسرائيلي يسيطر على فلسطين وأرضها بالكامل. أما الجانب الإسرائيلي فموقفه من عمليات التجارة والتصنيع لا يتجاوز الرقابة والاطلاع، فهو لا يبحث ولا يُعنى بالبحث عن هذه الفئات داخل المجتمع، ولكنه إذا ما اصطدم بشكل عرضي في إحدى عمليات التهريب يكتفي بمصادرة القطع والأسلحة.

ويذكر وادي مثالاً على ذلك بقوله: "غالبية الأسلحة وجرائم القتل التي تحدث باستخدام السلاح في نابلس مثلاً، نكتشف أن مصدرها مخيَّم بلاطة، ونعرف هؤلاء الأفراد بأسمائهم. ولكنَّ السلطة الفلسطينية لا تلاحقهم ولا تستطيع مساءلتهم، أولاً لأنَّ القانون الحاليّ لا يشكلِّ رادعاً لمرتكب الجريمة أي المدان، أو حامل السلاح، وثانياً لأنَّ هناك بعض الفئات من القيادات العليا التي تملك حصانةً من نوعٍ ما، يُسمح لها من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بحيازة السلاح".

يقول أحمد (اسم مستعار) وهو تاجر أسلحة، لرصيف22: "هذا عمل منظَّم، هناك فئات وتحديداً من السلطة الفلسطينية وبعض القيادات العليا تقوم بشراء مجموعات كبيرة وتسلِّح مرافقيها وجماعتها التي كوَّنتها تحت ذريعة أمنها الخاص. سبق وتعاملت مع هذه الفئة وهي موجودة، حتى أن البعض يصنِّعونها في مخارط خاصة بهم ويتاجرون بها، لا يتعرَّضون للمساءلة بسبب المكانة الاجتماعية والعلاقات. لو كان الاحتلال معنيّاً بمصادرة الأسلحة لأغلق المخيم أو البلدة. لكنَّها فئة لديها سيطرة ونفوذ لذا يُمنع المساس بها".

"هناك فئات وتحديداً من السلطة الفلسطينية وبعض القيادات العليا تقوم بشراء مجموعات كبيرة وتسلِّح مرافقيها وجماعتها التي كوَّنتها تحت ذريعة أمنها الخاص. سبق وتعاملتُ مع هذه الفئة وهي موجودة"

قانون ضعيف كأنّه غائب

كما يقول أمل حوشية، المستشار القانوني في جهاز الأمن الوقائي، لرصيف22: "القانون لا يشكِّل رادعاً كافياً. كنا حتى بداية العام الحالي نعمل بالقانون الأردني لعام 1960، ومشكلة هذا القانون أن عقوبات حيازة السلاح دون ترخيص، أو التجارة به، أو تصنيعه، كانت عقوبات غير كافية، وهي عبارة عن السجن لمدة ثلاثة أشهر وغرامة مالية لليوم الواحد 2 دينار (2 دولار). فإذا حكم على المدان بالسجن لمدة ثلاثة شهور يمكنه أن يدفع 45 دينار ويخرج من السجن، وهذا مبلغ في متناول الجميع. حتى لو حضر إلى القضاء مرة أخرى فالحكم لا يتغير مهما كرر الشخص الجريمة ذاتها. لذا قام الرئيس محمود عباس بتغيير قانون العقوبات، والمادة رقم (27) تمّت فيها زيادة العقوبة بإضافة غرامة مالية من7 حتى 14 ألف دولار بالإضافة إلى السجن من خمس سنوات إلى عشرة".

يؤكد حوشية أن القانون رغم تغييره في الآونة الأخيرة، ونحن نتحدث هنا عن الشهرين المنصرمين، إلا أنَّه ليس رادعاً كافياً وذلك بسبب التحايل على القانون، وعدم استقلالية القضاء وعدله في تطبيق العقوبات. فإنفاذ القانون يحتاج بالدرجة الأولى إلى جانب القوانين الرادعة، جرأةً من القاضي وهذا من الأسباب الرئيسية التي جعلت من القانون عقبةً هينة سهلة الاجتياز أمام من يحوز ويتاجر بالأسلحة.

كما يضيف حوشية: "ثمة فرقٌ بين من يحوز السلاح بهدف المتاجرة ومن يحوزه بهدف الاستعراض أو في المناسبات الوطنية والشخصية. فالأخيرة لا تصل عقوبتها إلى خمس سنوات وهذا يعود مرة أخرى إلى ضعف القوانين. ولكنها مع ذلك تعتبر نوعاً من المباهاة والمفاخرة غير المفهومة، وتبذيراً للأموال، مثلاً في المناسبات الشخصية قد يشتري أحدهم رصاصاً لسلاح كلاشنكوف، والرصاصة الواحدة سعرها من 9 حتى 10 دولارات. إذا كان سيشتري مخزناً أو أربعة مخازن سيحتاج إلى مبالغ كبيرة. كما يُعتبر رصاص سلاح M16 هو الأرخص، إذ يبلغ سعر الرصاصة الواحدة 1.8 دولار، ولتعبئة مخزن الدخيرة 46 دولاراً، إذا كان سيشتري عدداً ليطلقه في أحد الأعراس سيحتاج إلى مبالغ كبيرة أيضاً لا داعي لتبذيرها. لهذا نحن نحارب الأسلحة وتجارتها بشكلٍ كامل. أما عن مصير هذه الأسلحة فأي قطعة أو سلاح من أيّ نوعٍ كان، سواء أصلياً أم مصنَّعاً يذهب إلى التسليح المركزي، وقد تُطالب به جهة أمنية معيَّنة إذا ما احتاجت إلى قطعةٍ من القطع، أو يتم إتلافها".

لعلَّها مفارقةٌ عجيبة، بل ومضحكةٌ مبكيةٌ في آن؛ أن يتمّ تحوير صورة السلاح ومفهومه بين أبناء الشعب الفلسطيني، ففي الوقت الذي كان فيه السلاح أثناء الانتفاضة يشكِّل خطراً على الاحتلال الإسرائيلي بذل كل الجهود الممكنة لتصفية المسؤولين عن وجوده، بينما يرقب اليوم ما يحدث من اقتتالٍ وفلتانٍ أمنيّ داخل الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل دون أن يفعل شيئاً. لم يعد السلاح سبيلاً إلى المقاومة الشعبية الوطنية ضد الاحتلال، بل صارت له أهدافٌ أخرى كالتجارة، والقتل والاحتفالات، في ظلِّ غياب السلطة الوطنية وعجزها عن السيطرة على الشارع الفلسطيني من جهة، وضعف القوانين الرادعة وسيطرة الاحتلال على الأرض والحدود من جهةٍ أخرى. مما يجعل وجود السلاح وتصويبه على أبناء الوطن الواحد جزءاً من خطة إسرائيل لإحكام سيطرتها على فلسطين؛ بذريعة أنَّ الشعب الذي قطع الفلتان الأمنيّ شرايينه، لا يستحقّ الحصول على دولة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard