موسم قطف الزيتون في فلسطين: كيف يعبر المزارع الفلسطيني إلى أرضه داخل الجدار الإسرائيلي العازل؟

الخميس 21 أكتوبر 202110:10 ص

بدأ موسم قطف الزيتون في فلسطين، مع بداية شهر تشرين الأول/ أكتوبر، وهو الموسم المعروف بطقوسه الخاصّة، بما فيها الاستيقاظ في ساعات الصباح الأولى، وجمع شمل العائلة، كبارها وصغارها، فمنهم من يتغيَّب عن مدرسته، ومنهم من يأخذ إجازةً من عمله، ليكونوا حاضرين في هذه الأيام.

لا يغيب هذا الشغف عن الفلسطيني، وإن كان الاحتلال يحاول إتلافه في مناطق فلسطينية شتى، كلَّ عام، بالاعتداء بمعية المستوطنين على الأراضي والمزروعات. مدينة سلفيت (تقع في الضفة الغربية إلى الشمال من القدس بنحو 62 كم)، التي شهدت ولا تزال زحفاً استيطانياً مستمراً، يعاني مزارعوها من مطاردات المستوطنين في هذا الموسم بالتحديد، لأسبابٍ عدة، فسلفيت، حسب وكالة وفا، وصل عدد المستوطنات فيها إلى سبع عشرة مستوطنة، وأكبرها مستوطنة أريئيل.

وبلغ عدد البؤر الاستيطانية فيها، ست بؤر، وعدد المواقع العسكرية ثلاثة، بالإضافة إلى ثلاث مناطق صناعية ثلاثة، فيما بلغ عدد المواقع الخدماتية للمستوطنين فيها، موقعاً واحداً. كما بلغ عدد المستوطنين في مستوطنات المدينة، حتى العام 2012، نحو 43،284 مستوطناً، حسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

كيف يعيش المزارع الفلسطيني الذي يسكن في مدينة سلفيت تحديداً، خلال موسم الزيتون؟ وهل يسمح الاحتلال له بعبور الجدار ليقطف زيتونه؟ وما هي الأزمات التي تواجهه؟ وهل تقتصر على مضايقات الاحتلال وحدها؟

كيف يعيش المزارع الفلسطيني الذي يسكن في مدينة سلفيت تحديداً، خلال موسم الزيتون؟ وهل يسمح الاحتلال له بعبور الجدار ليقطف زيتونه؟ وما هي الأزمات التي تواجهه؟ وهل تقتصر على مضايقات الاحتلال وحدها؟

من أراضٍ زراعية إلى مدرَّجات ومتنزّهات

يروي المزارع خليل عبد الكريم أحمد إسماعيل، لرصيف22، كيف كانت رحلته هذه السنة إلى أرضه القابعة داخل الجدار في مدينة سلفيت، والتي بدأ بقطف زيتونها، أو قطف ما تبقى منه، صباح أمس، بعد أن قرَّر الاحتلال فتح البوابات، والسماح له ولغيره من المزارعين بالعبور. وتعود الأراضي الموجودة داخل الجدار، إلى مزارعين من مدينة سلفيت، لكنّ الاحتلال قام بضمّها إلى المستوطنات، ضمن سياسته التوسّعية، ومنع المزارعين من الدخول إليها، فأصبحت عشرات الأراضي تقبع داخل الجدار الذي عزل المستوطنات، وكذلك أراضي المزارعين، عن مدينة سلفيت نفسها، أو قراها، مثل قرية مردة، ومسحة، ودير استيا، حسب وكالة وفا. 

يمتلك خليل 45 دونماً داخل الجدار، أي نحو 400 شجرة زيتون، كان يجني منها ما يقارب 80 إلى 100 عبوة زيت في الموسم الواحد، بخلاف هذا العام الذي لن يجني فيه أكثر من سبع عبوات؛ لاعتداء المستوطنين على أشجار الزيتون، وتكسيرها بطريقةٍ همجيّة.

وبيدين تدرَّبتا على مقاومة الأتربة، والحجارة، والاحتلال، يشرح لنا خليل كيف أنشأ الاحتلال منصاتٍ خشبية، وطرقاً خاصة بالدراجات الهوائية التي أقامها الاحتلال للمستوطنين داخل أرضه، ويعلِّق محتجّاً: "لا يسمحون لنا بالاعتراض على منصّاتهم، وهم يكسرون أشجارنا..."، فيما يؤكد مدير الارتباط العسكري في سلفيت، أسامة مصلح، على قضية اعتداءات المستوطنين، فقد رفع خليل، من خلال الارتباط العسكري، قضيةً يطالب فيها بالوقوف على أسباب هذه الاعتداءات غير المبررة، ومنذ أكثر من سنة، وإلى الآن، لم يسمع جواباً. أما بالنسبة إلى إغلاق البوابات قبيل عودة المزارعين إلى بيوتهم، فهذه قضية أخرى، حسب مصلح، الذي يقف أمام الجدار، ويطالب الجنود بفتح البوابة، بعد أن ضاق ذرعاً بوعودهم الهاتفية الكاذبة، في مشهدٍ يتكرر على نحوٍ شبه يومي، طوال فترة قطف الزيتون.

تعود الأراضي الموجودة داخل الجدار، إلى مزارعين من مدينة سلفيت، لكنّ الاحتلال قام بضمّها إلى المستوطنات، ضمن سياسته التوسّعية، ومنع المزارعين من الدخول إليها، فأصبحت عشرات الأراضي تقبع داخل الجدار الإسرائيلي العازل

أسماء البوابات وأرقامها

عمر هذه الأرض 85 عاماً، أي أضعاف عمر خليل الذي يبلغ من العمر 46 عاماً، وإن كان للتجاعيد التي تغزو وجهه، وجهة نظرٍ مغايرة. تُحاط أرض خليل، كغيرها من الأراضي، بجدار يبلغ ارتفاع أسواره سبعة أمتار، فيه ثلاثة بوابات لدخول المزارعين من خلالها، وهي: بوابة خلد الصرصور، ورقمها كما وضعه الاحتلال 4002، و بوابة خربة الشجرة 4008، وبوابة الظهر 4017. والأخيرة، هي التي يدخل منها خليل والبقية، إلى أراضيهم. تُفتح ثلاث مراتٍ يومياً: في السادسة صباحاً، والثانية عشرة ظهراً، والسادسة مساء.

لا تقتصر معاناة المزارع الفلسطيني، في موسم الزيتون، على الاحتلال فحسب، بل تطالها الأوضاع الاقتصادية أيضاً، إذ يعانون من نقصٍ في الأيدي العاملة، مع أنهم يدفعون للعامل الواحد 150 شيقلاً، فأجرة قطف الزيتون هي الأفضل، إلا أنهم نادراً ما يجدون عمّالاً.

يقول خليل: "أنا لا أقسو على العمّال، وأسمح لهم بتناول الطعام والتدخين. المزارعون في المدينة يجبرونهم على العمل من الساعة السابعة صباحاً، وحتى السادسة مساء. أما نحن، فنعمل من التاسعة صباحاً حتى الثانية ظهراً، ومع ذلك لا تستقطب هذه الشروط إلا عدداً ضئيلاً".

لا تقتصر معاناة المزارع الفلسطيني، في موسم الزيتون، على الاحتلال فحسب، بل تطالها الأوضاع الاقتصادية أيضاً.

كيف تساعد البلدية المزارعين؟

اشترت بلدية سلفيت نحو 50 آلة خراطة، لمساعدة المزارعين، فيما أكد رئيس البلدية، عبد الكريم زبيدي، أن هذه الآلات تعوِّض نقص الأيدي العاملة، وتوفّر الوقت، والجهد، والمال، على المزارعين. كما تقدِّم البلدية مساعدات دائمة، تتمثل في الأسمدة، والأدوات، التي يحتاجون إليها، لتسهيل عملية قطف الزيتون. وتشتري نحو عشرة أطنان من الزيت، كل عام، دعماً للمزارعين، أي قرابة مئتي عبوة زيت من كل مزارع.

يقول زبيدي، إن المشكلة الأساسية عند المزارع، هي عجزه عن تسويق الزيت، ما يؤدي إلى تكدّسه. الزيت تقريباً بالنسبة إلى المزارعين، عبارة عن حرب، نتيجة ابتزاز التجار المحليين، واستغلالهم لهم، بحيث يتأخر التاجر في شراء الزيت حتى نهاية الموسم، ليشتري كيلو الزيت بـ18 شيقلاً (ستة دولارات)، بدلاً من 22 (سبعة دولارات)، وهو مبلغٌ لا يكفي المزارع حتى لدفع أجرة العمّال، أو إعالة أسرته. تحاول البلدية دعم المزارعين بشكلٍ دوريّ، إلا أن هذا الدعم يظلّ منقوصاً، لكنّه ليس سيئاً مقارنةً بوقوف وزارة الزراعة موقف المتفرج، على الرغم من معرفتها بأوضاع المزارع داخل الجدار، وخارجه.

ماذا عن وزارة الزراعة الفلسطينية؟

يقول المهندس إبراهيم حمد: "للزيتون مواسم عدة، ولا يقتصر على موسم قطفه فحسب، فهو يحتاج إلى التقليم في ما بعد، حفاظاً على الشجرة من اليباس. وأنسب وقتٍ لهذه العملية، هو فور الانتهاء من قطفه، أي من شهر كانون الأول/ ديسمبر، حتى بداية آذار/ مارس. الأراضي خلف الجدار حالتها سيئة، والزيتون هناك في تراجع، بسبب سياسات الاحتلال المجحفة، التي تمنع المزارع من الاعتناء بأرضه، عدا عن جرفهم للأراضي، وسرقة المستوطنين للزيتون، وتكسيرهم إياه. تتوقع مديرية الزراعة أن تنتج المحافظة 500 طن، بينما في السنة الماضية أنتجت نحو ثلاثة آلاف طن".

أما بخصوص المساعدات التي نقدّمها للمزارعين، فقد أكد حمد أن اعتمادهم حالياً، وبشكلٍ كليّ، على المساعدات التي تقدّمها المؤسسات الأجنبية، والأعمال التطوعية الأخرى، نظراً لسوء الأوضاع الاقتصادية.

خمسة وثمانون عاماً، تاريخٌ كاملٌ ورثه خليل، ويسعى اليوم إلى توريثه، هناك، في الأرض التي لا يُسمح للجميع بزيارتها. قد تسترق زوجة خليل استراحةً قصيرة تحت الشمس، بمعيّة فنجان من القهوة، ويركض محمد في الأرجاء بروحه الشبابيّة الحرة التي لم يفلح الاحتلال في تأطيرها داخل جدرانٍ وأسلاك

حاملة تاريخ وطنٍ برمّته

قام خليل بتحديد نحو 90% من أراضي محافظة سلفيت داخل الجدار، على الخريطة الجوية. ويتحدث عن ابنه محمد الذي وصل إلى نهاية المرحلة الإعدادية: "اعتدت اصطحابه معي، منذ أن كان طفلاً. بوابة الظهر التي نعبر من خلالها، يحفظها محمد جيداً، ويقول إنها سهلة مثل كفّ اليد. وبالمناسبة، الأراضي هنا جميلة جداً، ومليئة بالغزلان، ويعدّ الاحتلال بعضها محميات، ويبذل قصارى جهده لقطع قدم الفلاح عن المجيء إليها. لكنني آخذ عائلتي جميعها معي، حتى أصغرهم سناً، ليكونوا مثل محمد، ويحفظوا كلّ شبرٍ من الأرض".

خمسة وثمانون عاماً، تاريخٌ كاملٌ ورثه خليل، ويسعى اليوم إلى توريثه، هناك، في الأرض التي لا يُسمح للجميع بزيارتها. قد تسترق زوجة خليل استراحةً قصيرة تحت الشمس، بمعيّة فنجان من القهوة، ويركض محمد في الأرجاء بروحه الشبابيّة الحرة التي لم يفلح الاحتلال في تأطيرها داخل جدرانٍ وأسلاك. فيما يتناول آخرون طعام الإفطار، ويدخّن بعضهم في أثناء جلوسهم على غصن شجرة، في استراحةٍ قصيرةٍ يتداولون فيها النكات، ويضحكون تحت أنظار الجنود نكايةً بهم. مشهدٌ نشمّ رائحته في حبيبات الزيتون، ولا نشهده نحن العالقين هنا.

"سنناضل". بهذه الكلمة اختزل خليل جلّ ما في قلبه من مشاعر. المزارع محتاج، والأوضاع الاقتصادية سيئة، لكنه سيسير دائماً على درب الآلام هذا، المؤدّي إلى بوابة الظهر، حاملاً أكياس الزيتون على ظهر فرسه، وابتسامته المتعبة على وجهه، بينما تسير عائلته إلى جانبه، حاملةً بدورها تاريخ وطنٍ برمّته، عجز الاحتلال عن جرفه، منذ إنشاء الجدار عام 2006، وحتى اليوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard