قواعد سعادة أبناء غزّة في عهد حماس

السبت 6 نوفمبر 202110:36 ص
Read in English:

Gaza’s rules of happiness in the times of Hamas

تغمر أبناء غزّة السعادة عند بقاء الكهرباء في منازلهم أكثر من ثماني ساعات، ويشعرون بسرور عند شرائهم زجاجة مشروبات غازية باردة جداً وسط حر الصيف، ويفرحون عند فتح معبر رفح، المنفذ الوحيد للسفر خارج حدود المدينة المعزولة عن العالم الخارجي.

تفاصيل كثيرة في حياة الغزيين اليومية تجعلهم سعداء، رغم اعتبارها أموراً ثانوية في الكثير من الدول، ولكنها في غزة صارت تستحق نشوب صراع لتملكها بشكلٍ متواصل. حتى المساعدات الإنسانية أصبحت مصدراً للسعادة بالنسبة إليهم.

على أرض الواقع، كان الغزيون يلاحقون الأخبار التي تتحدث عن اقتراب المنحة القطرية التي كانت عالقة منذ العدوان الإسرائيلي الأخير لغاية منتصف أيلول/ سبتمبر 2021، وكانوا ينقرون على أي رابط إلكتروني يتحدث عنها أو يدعوهم لتسجيل أسمائهم للحصول عليها، حتى أن خبراً نشرته وكالة محلية عن اقتراب صرف المنحة القطرية تجاوز قراؤه الـ150 ألفاً.

وفي يوم صرف المنحة البالغة قيمتها 100 دولار أمريكي، شعر بالسعادة 100 ألف شخص من المسجّلين في سجلات الحالات الاجتماعية.

اختلفت مقاييس السعادة بالنسبة إلى الغزيين بين فترات الحكم الإسرائيلي، بين عاميْ 1967 و1993، ثم حكم السلطة الفلسطينية بين عاميْ 1994 و2007 وصولاً إلى عهد حماس الذي لا يزال مستمراً. كان حلم "غزة سنغافورة" حاضراً بالنسبة إليهم بعد الانفتاح والانتعاش الاقتصادي للمشاريع السياحية والتجارية والاقتصادية بُعيد قدوم السلطة. لكن اليوم، يسود الصراع على توفير الحقوق الأساسية.

دخول المساعدات الإنسانية، ووصول مياه البلديات في ساعات الصباح هو أمر يسعد الغزيين كذلك، مثله مثل وصول شحن الهاتف المحمول إلى 100%.

هذا الحال هو ما سمح لحماس، بعد مسيرات العودة، بأن تروّج أمام الناس لفكرة أن تحقيق بعض الحقوق الأساسية هو إنجازات، مثل فتح معبر رفح بانتظام ودخول المساعدات.

عهود مختلفة وأحلام مختلفة

سعيد أبو شرار، 64 عاماً، عاصر في بداية طفولته الإدارة المصرية التي كانت تدير شؤون قطاع غزة لغاية عام 1967، ثم ترعرع في قطاع غزة في فترة الاحتلال الإسرائيلي التي استمرت لغاية عام 1993، ثم عاصر السلطة الفلسطينية وصولاً إلى حكم حركة حماس اليوم.

يروي أنه في فترة الاحتلال الإسرائيلي، كان الأخير يحاول فتح الحياة والعمل أمام الفلسطينيين لكسب المال، لكن سعادة الغزيين وقتها كانت تتمثل بخبر عملية ضد الإسرائيليين وبوقوع خسائر في صفوفهم، أو بأيّة أخبار عن عمليات لمنظمة التحرير أو عن تحقيق مكسب في صفقة الإفراج عن أسير.

يشعر أبو شرار بالحزن لحال الفلسطيني الحالي خصوصاً في غزة. يقول لرصيف22: "بدأ حالنا يتغير مع الانتفاضة الثانية. جُرّدنا من حريتنا في التنقل بسبب الاحتلال، ووضعوا أمامنا حواجز، لكننا لم نكن جياعاً".

"أنا أكون سعيداً بمجيء الكهرباء وعندما أشتري مشروبات غازية باردة، وعندما لا أجد أصوات طائرات الاستطلاع الإسرائيلية في السماء وأنام مرتاحاً، والأهم عندما أقوم بشحن هاتفي المحمول بالكامل بنسبة 100%"

ويضيف: "عام 2007، أصبح الفلسطيني في غزة يشعر بالجوع. إسرائيل كانت تسعى لحَرف المطالب الفلسطينية بالأرض إلى صراع من أجل لقمة العيش، وبالفعل أًصبحنا نشعر بالسعادة إذا توفرت لنا لقمة العيش لأننا منقسمون والحاكم الفلسطيني يدّعي أنه يسطر إنجازاً عندما يقوم بواجبه العاديّ".

الفرحة بعد كل عدوان

تنتشر الكثير من مشاهد الغزيين وهم فرحين بعد انتهاء كل عدوان إسرائيلي. ينقسم الناس إلى قسمين: الأول، يعبّر عن فرحة الانتصار للصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي؛ والثاني عن فرحة انتصاره على مشاعر الخوف التي سيطرت عليه خلال العدوان، خاصةً خوفه من فقدان الأقارب والمنازل. هذا ما يقوله أحمد غباين.

بعد انقضاء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، في 21 أيار/ مايو، خرج غباين، 40 عاماً، وأولاده، معبّراً عن فرحته لانتهاء العدوان الأصعب الذي عاشه هو وأسرته.

لا يعتبر أن ما جرى انتصاراً لأن غزة دُمّرت أهم شوارعها ودمرت مشاريع الكثيرين وأحلامهم، لكنه يريد أن يشعر أطفاله كما لو أنهم يشجّعون فريق كرة قدم ويخرجون من الإستاد احتفالاً بحصول فريقهم على لقب.

"يُسعد الغزيون بأي شيء لأنهم على قيد الحياة ليس أكثر"، يقول غباين لرصيف22، ويضيف: "الشرطة عندما تلقي القبض على لص بحوزته صيغة وأموال، تنشر على صفحاتها أنها حققت إنجازاً، ومستشفى حكومي يُجري عملية صعبة في غزة ينشر الخبر على أنه إنجاز، حتى المساعدات أصبحت إنجازاً بالنسبة إلى حكومة غزة، كما روجت في الإعلام بعد انقضاء مسيرات العودة عام 2018".

ويتابع: "الواجب بالنسبة إلى القائمين على الحكومة هو إنجاز، الحصول على حقوق معيشية إنجاز. مثلاً أنا أكون سعيداً بمجيء الكهرباء وعندما أشتري مشروبات غازية بادرة، وعندما لا أجد أصوات طائرات الاستطلاع الإسرائيلية في السماء وأنام مرتاحاً، والأهم عندما أقوم بشحن هاتفي المحمول بالكامل بنسبة 100%".

"كولا كلوب" تسعد الغزيين

بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي الأخير، قيَّدت إسرائيل دخول البضائع إلى سكان قطاع غزة لمدة شهرين، وكان على رأس "الممنوعات" المشروبات الغازية، وأهمها بالنسبة إلى الغزين مشروب "كلوب".

هذا المشروب هو عادةً بمتناول الجميع. يشترون العبوة منه بشيقل (0.33 دولاراً). آلاف التعليقات ظهرت متحدثة عن البحث عن المشروب في محل بقالة ما أو سوبر ماركت، حتى أنهم كانوا يلاحقون مَن يبيعها ليشتروا منه كمية منها.

"لا نريد من أي سياسي أن يقول لنا كيف نكون وطنيين. هم يفرضون علينا الجوع"

نشر كريم الغول، من حي الشيخ رضوان، في منتصف حزيران/ يونيو منشوراً يقول فيه إنه وجد "كولا كلوب" من محل بقالة قريب من منزله. بعد ساعتين، أفرغت صناديق الكولا كاملة من المحل. يشرح الغول أن "الكلوب" بالنسبة إلى الغزين هو مصدر سعادة عندما يضعونه في الثلاجة ويبرد كثيراً، نظراً إلى انقطاع الكهربائي يومياً وعدم قدرة الغزيين على تشغيل البرادات على حساب مولدات الكهرباء، حتى لا تزيد قيمة فاتورة المولد على المنازل.

يقول الغول: "الغزيون يعرفون أنه لن يكون هناك حل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يفك الحصار عنهم، لذا نهرب وراء أبسط الأشياء لنشعر بالسعادة. عندما أعلنت دولة الاحتلال الإسرائيلي عن نيتها منح الغزيين تصاريح عمل للغزيين، الكل سارع للبحث والسؤال وتجهيز الأوراق. نريد الهروب من واقعنا حتى لو عبر بوابة العمل مع العدو".

العمل في البلد المحتل

بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2021، أعلنت الغرف التجارية الفلسطينية المنتشرة في خمس محافظات في قطاع غزة عن فتح باب التسجيل للحصول على تصريح لعبور الخط الأخضر. سارع خريجون وعمال وأصحاب حِرف لتحضير أوراقهم الثبوتية حتى أنهم ازدحموا أمام إستوديوهات التصوير لوضع صورهم وأوراقهم على أقراص مدمجة. جميعهم كانوا سعداء، حتى أن أحدهم من شدة سعادته وتسرعه باع ذهب زوجته لتأمين رسوم فتح سجل تجاري ضمن شروط التسجيل البالغة قيمتها 3000 شيقل (950 دولاراً).

تخشى وسائل الإعلام الفلسطينية الحديث عن سعادة الشارع الغزي بالعودة للعمل داخل الخط الأخضر، أي في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948. لكن على أرض الواقع، لا يخفي الغزيون رغبتم بالعمل في إسرائيل، حتى يؤمّنوا لأنفسهم مستقبلاً أفضل من السنوات التي ضاعت أثناء الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، منذ عام 2007.

يقول بهاء أبو دلال: "لا نريد من أي سياسي أن يقول لنا كيف نكون وطنيين. هم يفرضون علينا الجوع. على صعيدي الشخصي، كنت سعيداً ذات مرة عندما خُفّض سعر علبة السجائر لفترة. ندفع ضريبة في كل مناحي حياتنا. مع كل علبة سجائر تذهب 9 شواقل (2.8 دولارات) إلى حكومة غزة، أي أنني عندما أريد إشعال سيجارة للهروب من الظروف، تلاحقني حكومة الأمر الواقع بالضريبة".

ينتقد الكاتب في الكوميديا السوداء عمرُ أبو ندا كثيراً الواقع المعيشي على مواقع التواصل الاجتماعي. تمسّ منشوراته واقع الغزيين بطريقة فكاهية نقدية. يعتبر أن السعادة بالنسبة إلى الناس في غزة قد لا تتعدى الحق الطبيعي لأي مواطن في دولة أخرى.

يقول: "الوضع الاجتماعي من فقر وبطالة وخريجين والجلوس على صفيح ساخن بين الأقطاب السياسية والحروب والاحتلال الإسرائيلي، كلها أمور ولّدت عند الناس شعوراً بأن السعادة تتجلى في مساعدة مالية في أمر بسيط، والحكام في غزة وأبناؤهم يأكلون ولديهم استثمارات داخل وخارج قطاع غزة، والحاكم هو سبب الفقر لأنه لا يعيش الفقر معنا".

يحمل أبو ندا الجنسية المصرية إلى جانب الفلسطينية. يلاحظ فرقاً بين الفقراء في العالم وبين الفقراء في غزة، كما شاهد خلال سفره. فالفقراء في العالم يمتلكون حرية التنقل، ومهما كان فقرهم فهو يختلف عن حال الفقير في غزة، نظراً لأن أبناء غزة مقيدون ويحصلون على لقمة العيش بمذلة.

لا يتأمل أبو ندا في حل يأتي على قطار مصالحة فلسطينية، ويشدد على أن غزة هي الضحية الأكبر في الانقسام الفلسطيني، أكثر من الضفة الغربية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard