عن سُوءِ تَشخيصِ الـ"حُمّى"

الخميس 18 نوفمبر 202103:18 م

تندرج المادة في ملف جديد عنوانه: "كان صرحًا من خيال... لعبة التاريخ البديل"

"وزائرتي....الخ"

أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي المذحجي (915-965م)

تتشابه التمثيلات البصريّة لـ"حُمّى" في المخطوطات القديمة، سواء كنا نتحدث عن كتاب "البلهان" (??14م)، أو كتاب "مطالع السعادة وينابيع السيادة" (مجهول)، إذ تظهر حمّى في كليهما، ككائن ذي نهدين ورؤوس ثلاثة وذنب برأس أو رأسين، والمميز أن كل هذه الرؤوس تمدّ ألسنها خارجاً.

"حُمّى" التي التصق اسمها بالمرض وارتفاع درجة حرارة المُصاب بها، جنيّة ذات أتباع ومريدين، إن تلبست المرء رفعت حرارة جسده حد الغليان، وهذا حسب الأطباء فقط، اللذين نفوا حمّى "الجنيّة" وحافظوا على حُمّى المرض، ناسين أو متناسين، أن حمّى شهوانية، تفتح أعين من تتلبسه على درب الرغبة المشتعلة، وتنفي لغته العاقلة نحو أخرى يسميها البعض " هذر الحمّى" أو "الرفث"، أي ذاك الكلام الذي لا يؤخذ عليه.

المثير للاهتمام في تاريخ "حمّى" المتخيل، أن الحرب ضدها لم يشنّها رجال الدين وطاردو الجن، بل الأطباء المهتمون بالأعراض والعلاج، لا تلبية الرغبة أو الإنصات إلى صوت الجسد المشتعل/ المحموم، خصوصاً أن حُمّى ليست من سادة الجنّ، إي سلطتها على الجسد أضعف من سلطتها على الوعي، فاشتعال اللحم حرارةً، التهاب الشهوة وتهديد الكلام العقلاني، ليست إلا أعراضاً جانبيّة للمخيلة المؤغلَمَة التي تُشعلها حُمّى، لكن اختفاء "الأعراض" الجسديّة أو العمل على "مداواتها"، يهدد عمل حُمّى في الوعي، ما يعني أنها قاصرة بمواجهة الدواء/ السمّ الذي يجابه الأعراض.

ما يمكن فهمه إذن، إننا لا نعرف حُمّى إلا من أعدائها، الأطباء والممرضين والصيادلة والأدوية، قلائل فقط من تمكنوا من الاستسلام كليّاً لها، سماع صوتها، ترتيل "رفثها" وترويض "حرارتها"، فحمّى تعيد تعريف الأعضاء، وتغيّر كيمياءها لتصبح كلّها بظراً، أي كلها أعضاء للذة، لا فرق بين يد وساق وحلمة وفم وأير، كلها "استبظرت" حد الالتهاب، وهذا بالضبط ما يحار به الأطباء الذين يستهدفون بأدويتهم ومياههم الباردة الحرارة لا الرغبة، وبالطبع، هنا يتضح معنى كلمة "رفث" المعجمي، فهي تعني أيضاً الكلام عند النكاح، نهاية نقول أن حُمّى لا تميز بين ذكر وأنثى، فالكل محطّ لها.

عين حُمّى وفرج حُبّى

تختلف الأخبار عن حُبّى المدينيّة أو "حواء أم البشر" التي أرضعت كل أطفال المدينة المنوّرة، ومن ضمنهم عمر بن الخطاب، أما شهرة حُبّى فتعود إلى سقيفتها التي تقع بجانب دار الحسين ودار عامر، إذ كانت تجمع فيها النساء وأحياناً الرجال، لتعلمهم أصول الباه والآه ورهز اللحم بالذَكَرِ واليدِ والفاه.

يقال إنها عاشت من أواخر الجاهلية حد الخلافة الأمويّة، ويشير بعض الباحثين أن هناك عدة نساء لقبن بحُبّى على مر التاريخ الإسلامي، كحُبّى الخزاعيّة، حُبّى العدوانيّة وحُبّى بنت حارثة.

تعدّدُ "حُبّى" يعني أن معارفها لم تأت فقط من "خبرتها" الشخصية أو ما سمعته وعاينته، وبالرغم من الأقاويل التي تشير إلى وجود معلمة لها، لكن ذلك لا يفسر سبب تعدد حُبّى، لكن ما يهمنا هو حادثة تكشف لنا عن علاقة حُبّى مع حُمّى، وترجّح وجود أكثر من امرأة يحملن ذات الاسم، إذ نقرأ في مخطوط "الرسائل المجوسيّة في أحوال الأمة الإسلاميّة"، أن حُبّى كانت على رأس مجلس من النساء في سقيفتها، تفيض عليهم بـ"علمها" وتدلّهم على طرائق اللذّة، فاستطردت وتحدثت عن رغبة تشتعل فيها دوماً، تفتر وتشتد، وبينما هي تصف تقلباتها وأحوالها، مرّ غلام كان لها، يقوم على شؤون الدار والضيوف وأحياناً يداري حُبّى، هذا الغلام كان أمرداً، عريض الكتفين، تغيب الشمس عن يمينه ليظهر القمر عن يساره، ابتسامته لا تتسع لفمه، مفتول كأن له فخذي فرس، وساعدين يحملان أُحداً الجبل دون عناء.

إننا لا نعرف حُمّى إلا من أعدائها، الأطباء والممرضين والصيادلة والأدوية، قلائل فقط من تمكنوا من الاستسلام كليّاً لها، سماع صوتها، ترتيل "رفثها" وترويض "حرارتها"، فحُمّى تعيد تعريف الأعضاء، وتغيّر كيمياءها لتصبح كلّها بظراً، أي كلها أعضاء للذة... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

اشتعلت الرغبة في حُبّى على مرآه، فما كان منها إلا أن دعت غلامها إلى وسط المجلس، والضيوف بين مستغرب ومترقب ومقهقه، أما حُبّى فبدأت تتعرق، ويختلط عرقها بريقها بعبق عطرها، وأمرت حُبّى غلامها أن يستلقي على ظهره، ثم نهضت وشمّرت عن فخذيها، وكشفت فرجها، وجلست على وجهه تلقمه بظرها ليتلقفه بلسانه وشفتيه، وبقيت هكذا، تهز وترهز، ومن حولها يضحكن وأحياناً يتلامسن إلى حين أغرقته.

تنقطع الحكاية هنا، لكن ترد في بعض الأخبار أن عيني حُبّى ابيضتا حين امتطت غلامها، وتعرّقت حد الغرق، وذكر في هامش كتاب " أشعار الظريفات المجهولات من الجاهلية والإسلام"، أن واحدةً من الجالسات حينها أنشدت: وغلامً يحار الناظر في أمره/ أيوسف أم في العيون شهوة المشاهد/ ما خافت حُبّى موتاً ولا عمهاً/ أيخافُ المُشتَهىي فَمَ الغُلامِ المُتقدِ/ ابيضت عيناها ورفثت، حتى الشهود/ التبس عليهم أصل الماء والغرق المتجدد/ راح الفتى لربه بعد حين، ضاحكاً/ غرقاً بمائها أو سحر جماله المتفرد/ وتمتمت حُبّى بيضاء دون محادقْ/ هي حُمّى إن نادت، فلبيكِ حد المقتل.

يتضح من الأبيات السابقة أن الغلام قد مات تحت فرج حُبّى، لكن ما يهمنا، هو "حُمّى" التي لبت حُبّى نداءها، بل وكأن حُمّى حين تلبست صاحبة السقيفة صادرت بصرها، واشتد أثرها حين قبّلت الفتحةُ الفتحةَ، فلا الغلام قاوم الموت، ولا حُبّى توقفت أو أعطت للنَفْس/النَفَسِ برهة كي (تـ)ـيرجع.

نلاحظ في الأبيات السابقة ظهور كلمة رفث، فما الذي كانت تقوله حُبّى، ولم تجاهلته الشاعرة؟ ناهيك، أن حُبّى لم ترتكب جريمة، إذ لم يرد في شذرات سيرتها أي اتهام لها بالقتل، وكأن حُمّى برّأتها من قتل النفس شبقاً.

في الاستطباب والدراية: حيرة ابن سينا

وصل خبر مقتل المتنبي إلى ابن سينا (980-1037 م)، فتجاهل الأخير الأمر لضيق وقته، وسماعه أقاويل عن الأخير لا تتيح له مكانته مناقشتها، الأهم، لم يمتلك الوقت الكافي لتفنيد شعره، فليله كان لتأليف "القانون" و نهاره للبيمارستان.

ذاك العام الذي يوافق شهر أيلول الميلادي، كثرت زيارات المحمومين للبيمارستان، وعُزي الأمر حينها إلى الحر واشتداد الشمس مطالع أيلول، وكان العلاج حينها بسيطاً، وضع المريض في الظل، ترطيب جبهته وجسده وشرب الكثير من المياه.

لكن، ما حيّر الشيخ الرئيس هو حالة شابِ اسمه يحيى بن قاسم أو المزربانيّ، الذي يُقال إنه كان يرتحل إلى جهنم من شدة الحُمّى التي تصيبه بصورة متقطعة، بالطبع لم يؤمن ابن سينا بأي سبب ماورائي، و كما كتب في القانون "العرض قد يستقر ويصير مرضاً".

كان ابن سينا مُتيقناً أن يحيى مصاب بحمى مزمنة طويلة، إذ عاينه في ذات اليوم وأمر ببقائه يوماً آخر ليتأكد مما به، ليلتها راجع قبل نومه أعراض الحمّى: "ألم في عصب المفاصل، مصحوب بالتشنّج والكزاز واحتباس البول".

ما إن وصل الشيخ الرئيس إلى مرقد يحيى في اليوم التالي، حتى شكّ فيما شخّص واحتار، فهذه المرّة تمكن من معاينة يحيى منذ بداية نوبة الـ"حُمّى"، إذ اشتدت حرارة يحيى وكأن جسده من لظى، وابيضت عيناه وانتصب عضوه أمام دهشة ابن سينا، الذي حاول بالماء والخل أن يخفف من الحرارة دون أي جدوى، بدأ بعدها يحيى يتمتم ويقول ما لا يُفهم محاولاً عصر ذكره حد إدمائه، فكبله ابن سينا بمساعدة اثنين من ممرضيه، وسهر الثلاثة على شأنه، يبلّلون جبينه ويحاولون فهم ما يقول دون جدوى.

عاد الشيخ الرئيس إلى داره ليلاً مُتفكراً فيما شهد، هذه ليست أعراض حُمّى طويلة الأمد، كما أن المريض يحيى يهذي ويرفث بكلام وكأنه يتحدث، إذ يسأل ويجيب، ويطلب ويضحك وأحياناً يتأوّه، وكأن غشاوة عينيه أعمهته، لكنها أيضاً كشفت له ما لا يرى ولا يقاس، وهذا ما لا يؤمن به الطبيب ولا يأخذه بالاعتبار. بدأ ابن سينا يومها تأليف رسالة بعنوان "في شؤون الحُمّى وتصاوير العقل"، لم ينج من هذه الرسالة إلا بضعة مقاطع نقرأ منها:

"لا شأن لنا كأطباء ومداوين فيما لا يقاس ولا يظهر في أخلاط الجسم الأربعة، لكن الواضح أن علمنا وأدواتنا قاصرة عن دراسة غليان هذه السوائل، وما تخلقه في العقل من صور وهذيانات، فاشتداد الحرارة في السوائل الأربعة يجعل الأطراف كلها تلتهب، وتمتلئ بالدماء حد انتصاب الذكر وانتباج اللسان خارج الفم. دلنا الشرع وعلمتنا الخبرة أن رفث المريض لا يؤخذ عليه، ويُتركُ للطبيب التشخيص وتحديد موضع الألم، لكن هناك ما يلتبس إن كان كل الجسم متألماً أو ملتهباً.

الأعراض أحياناً، وإن ثَبُتَتْ مرضاً، قد يعجز الطبيب عن تحديد الداء وراءها، الذي يأخذ أحياناً حياة لنفسه، إذ يستعير الداء الجسد ويعيد فرز كيميائه، بينما يلتهي الطبيب بالأعراض، ناسياً أن اللحم بين يديه فقد جسمانيته، وأضحى ربماً جسماً آخر، أو عضواً أو مَركباً يمتطيه المرض دون أن يدري به لا الطبيب ولا الجسد".

الحُمّى الشبقيّة: فرويد المبتذل

وصل سيجموند فرويد إلى باريس عام 1885 لدراسة طب الأعصاب في مشفى سالبترير، تحت إشراف الطبيب جان ماري شاركوت، انصب عمل الاثنان على الهيستيريا حينها، وحاولا إخراجها من عالم الخرافة وإدخالها في نظام الطب والتشخيص، في ذات الوقت كان بول ريشور، زميل فرويد، وتلميذ شاركوت أيضاً، ينجز مجموعة من الرسومات لتشخيص الهيستيريا، في محاولة لرصد المرض بصورة بصرية، وفهم أعراضه والتقاطها كي تكون مرجعاً لمن سيتابع الدراسة لاحقاً.

كان بول ريشور، زميل فرويد، وتلميذ شاركوت أيضاً، ينجز مجموعة من الرسومات لتشخيص الهيستيريا، في محاولة لرصد المرض بصورة بصرية، وفهم أعراضه والتقاطها كي تكون مرجعاً لمن سيتابع الدراسة لاحقاً... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

في الأعوام التالية على بداية تدريب فرويد وريشور، زارت المشفى مريضة أثارت حيرة التلميذين والأستاذ، إذ لم تنطبق عليها أعراض الهيستيريا كما شخصوها حينها، وبقيت حالتها عصيّة والشغل الشاغل لفرويد وريشور، كونها كانت تزور المشفى بصورة دائمة، لكن وبسبب غموض ما كانت تختبره، لم يسجل الاثنان الكثير من الملاحظات الرسمية عن حالتها، كونهما كانا على وشك إنهاء أبحاثهما، ولم يريدا لها أن تعطل نشر نتائج ما توصلوا إليه من تشخيصات، كونها تشكل حالة قادرة على نفي كل ما عملا لأجله.

لكن نجد في المكتبة الوطنية في باريس الرسالة التاليّة التي وجهها ريشور إلى فرويد في 18 من سيبتمبر عام 1889، مفادها التالي:

"عزيزي سيجموند

قرأت رسالتك السابقة، واعتذر سلفاً عن رفضي إدراج "مرحلة الحمى الشبقيّة" في الرسومات التي أنجزها، أنا مقتنع أن السيدة م مريضة، لكن لا أظن أنها تعاني من الهيستيريا، الأعراض التي تظهر عليها لا تتطابق مع أي مريضة سابقة، الشبق حد الألم، والبياض في العينين وارتفاع درجة الحرارة، لم يسبق لي رؤيته.

أعلم أنك مصر على الموضوع، لكني أخاف أن تراجع إدارة المشفى ملفات المرضى، وتكتشف أننا نعمم هذه الحالة بناء على مريضة واحدة فقط، خصوصاً أننا نعجز عن التواصل مع هذه المريضة، البارحة، للمصادفة، قضيت الليل بأكمله بجانبها بعد أن تأكدت من أنها مكبّلة، ما أريد أن أخبرك به هو أنها لم تمر بالمراحل الستة لنوبة الهيستيريا، كما أنها كانت تتحدث أغلب الوقت، حاولت الإنصات وفهم ما تقوله لكني عجزت عن الفهم.

ملاحظة أخيرة: استخدمت المجس لمحاولة معرفة إن كان هناك أي ألم في أي مكان من جسد السيدة م، لكنها كانت تتأوه إينما لمستها، وأغلب الوقت تمد لسانها، لا أظن أنها تتألم، لابد لنا من النظر في الموضوع بصورة أعمق".

زميلك وصديقك بول ريشور

28 أيلول 1887

باريس

الأوروغون والحلم بسجن حُمّى

وصل المحلل النفسي فيلهم رايخ إلى نيويورك هرباً من النازيّة عام 1939، وفي جعبته اختراع سيغير تاريخ البشريّة حسب قوله. فرايخ الذي درس لفترة تحت إشراف فرويد، تجاوز "أستاذه" وطور مفهوم الأورغون، وهي طاقة شافيّة يكتسبها الفرد حين يصل إلى الرعشة الجنسيّة عدة مرات، ما يمكنه من تجاوز كل مشكلاته النفسية، ونقرأ في كتاب نشره عام 1927 بعنوان "Die Funktion des Orgasmus" بأن الأورغون هو "القدرة على الاستسلام للدفق البيولوجي للطاقة، والتحرر من أشكال الكبت المختلفة، فهو وسيلة لتفريغ الإحباط والكبت الجنسي، عبر فعل لا إرادي ينتفض فيه الجسد لذّة".

لكن رايخ لم يكتف بالتنظير، إذ طوّر آلة تحمل اسم "جامع طاقة الأورغون"، وهي: "غرفة خشبية تشابه تلك التي تحوي الهواتف العموميّة، جدرانها الداخليّة مدعّمة بقضبان معدنيّة وفولاذية، وذات فتحة يطلّ منها من في الداخل. نظرياً هذه الآلة تزيد من قدرة الأفراد على الوصول للنشوة، فهي تجمع الطاقة الأورغون الكونيّة وتكثفها في جسد الفرد، كي يرتعش ويشفى من أمراضه".

افتتح رايخ في الأربعينيات عيادة في نيويورك، وجهز الآلة، لكنه واجه مشكلة، هو مرخص كطبيب نفسي معالج، والآلة غير مرخصة، لذا ولجذب الناس نشر في الجريدة الإعلان التالي: "هل تشعر بالقلق النفسي، تريد الخلاص من مشاكلك ، الطبيب فيلهم رايخ يمتلك مقياساً قادر على تخليصك من مشكلاتك، لا تتردد بالزيارة، العنوان: 710 Carpenter Drive . Brooklyn, NY 11212".

بعد حوالي أسبوع وصل عدد المرضى المخدوعين الذين زاروا عيادة رايخ إلى الـ12، إذ لم يأخذ أحد اختراعه على محمل الجد، فأسلوب استخدام الآلة كان مثيراً للشبهة، إذ كان على الفرد أن يتعرى، يدخل إلى الحجرة ويجلس على كرسي خشبيّ، لتقوم الآلة بجمع الطاقة وبثها فيه، وانتشرت الإشاعات حول حقيقة نوايا رايخ، واتهم بأنه يفسد عقول الناس وينشر الإباحيّة.

لم تستمر تجربة رايخ لفترة طويلة، بالرغم من شهرته كمؤلف لكتاب "سايكولوجيا الجماهير الفاشيّة" الذي أكسبه مكانة عالميّة واعترافاً جماهيرياً، فتجاربه بخصوص الأورغون لم تكلل بالنجاح، ولم ينظر إليها أحد سوى مخرجو الخيال العلميّ. المثير للاهتمام أن رايخ دوّن في مذكّراته لاحقاً بعض الملاحظات التي يتحدث فيها عن ضرورة بعض التعديلات التي يجب أن يدخلها على الآلة، كونه شهد حالةً نادرة، يمكن أن تثبت نظريته، وسمّى الحالة التي بسببها يجب إجراء التعديلات بـ"المريض رقم 7" ، نقتبس التعليمات التاليّة من مذكراته والشروح المرافقة لها:

1- تصميم حساسات كهربائية موصولة بمقياس للحرارة والضغط ودقات القلب، وتثبيتها على 12 نقطة على جسد المريض (تمكننا هذه الحساسات من قياس حرارة المريض رقم 7 كونه وصل حد الغليان في الغرفة).

2- تركيب كاميرا أمام عيني المريض لضبط مراحل البياض في العينين و حركة القزحية و توسعها ( هذه الكاميرا كان من الممكن ان تفيد في تسجيل التغيرات التي طرأت على المريض رقم 7 حين ارتفعت درجة حرارته).

3- التأكد من وجود مسجل الصوت على مسافة قريبة من فم المريض لالتقاط ما يمكن أن يقوله ( تمتم المريض رقم 7 طوال فترة وجوده في الجهاز، ولم أتمكن من فهم أي كلمة يقولها وكل ما دونته كان كلمات غير مفهومة).

4- تكبيل يدي وقدمي المريض لمنعه من الحركة أو الإشباع الذاتي ( حاول المريض 7 الاستمناء طوال فترة وجوده ضمن الجهاز، واضطررت إلى الاستعانة بالستائر لتكبيله ومنعه من الاستمناء كي لا تفنى طاقة الأوروغون).

5- إضافة نظام للتبريد كون درجة حرارة المريض تصل إلى مراحل لا تنجح معها الوسائل التقليديّة.

يختتم رايخ ملاحظاته بمجموعة من الرسومات التي تصف شكل الآلة الجديد، ويؤكد أنه شهد حالة نادرة، ولا بد من تطوير آلة قادرة على حصاد هذه الطاقة ومحاولة تطويعها لخدمة الجميع.

إيزابيل أوبيرت: اللعب مع حُمّى

لعبت الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبيرت عام 2016 بطولة مسرحية "فيدر"، الاسم لا يتضح بالعربية لكنه مكتوب بالفرنسية بصيغة الجمع Phédre(s)، فالمخرج كريستوف وارلوفسكي استند إلى أربعة نصوص تتحدث عن فيدر، وهي لكل من راسين، سارة كاين، ووجدي معوض وج.م. كويتنر.

وصل المحلل النفسي فيلهم رايخ إلى نيويورك هرباً من النازيّة عام 1939، وفي جعبته اختراع سيغير تاريخ البشريّة حسب قوله... فرايخ الذي درس لفترة تحت إشراف فرويد، تجاوز "أستاذه" وطور مفهوم الأورغون، وهي طاقة شافية يكتسبها الفرد حين يصل إلى الرعشة الجنسيّة عدة مرات، ما يمكنه من تجاوز كل مشكلاته النفسية

تمتد المسرحية التي استضافتها خشبة مسرح الأوديون في باريس لأكثر من ثلاث ساعات، و "تتحول" فيها أوبير بين "الفيدرات"، مناقشة اللذة والشبق، وكيف تحل في جسد فيدر اللذة ويربكها الشبق حد الهذيان، ناهيك عن المجهود الجسدي الهائل الذي بذلته أوبير أثناء العرض، لتبدو وكأنها ممسوسة، فكل جسدها يرتعش و كلما حاول هيبوليت أن يلمسها تأوهت وانهارت.

كتب صحفيّ مقيم في باريس مقالاً عن العرض قال فيه التالي: "علاقة اللمس/ الأغلمة بين فيدر وهيبوليت تتجاوز الصيغة التي يحويها النص الأصلي ليوربيدس و حتى نص راسين، فالفعل الجنسي يحصل، لكنه ليس محور العرض، فالأغلمة الحاصلة لدى فيدر مردّها إلهي، لا بشري، لكن هيبوليت في كل المشاهد بشري، وحتى حين يتهم باغتصاب فيدر، نراه يسخر من الاعتراف الديني، في حين أن أفروديت/ الإلهي تحضر وتراقب فيدر، وفي المشهد الأخير، حيث يتحول العرض فجأة إلى ما يشبه حوار بين صحفي وكاتبة مشهورة تلعب دورها أوبيرت، نرى الأخيرة تحكي عن الحضور الإلهي والديانة المسيحية والبحث عن إيروس، لكنها ما تلبث أن تنهار، لتعود الراقصة للحضور، وكأن الرغبة لا تعرف حدود الجغرفيا أو النصوص، هي مس تنتبج خلايا الجسد إثره حدّ السقوط".

لم يشر الصحفي إلى ما قالته أوبيرت حين تحول العرض إلى ما يشبه الحوار الصحفي، لكن نقرأ اقتباساً منه في نص العرض الذي نشر في العام التالي:

الصحفي :سيدة أوبيرت، لطالما لعبت أدوار نسائيّة تواجه أسئلة الرغبة والشبق، ما هو المختلف في فيدر هذه المرة؟

أوبيرت: كل امرأة ألعب دورها تختلف في علاقتها مع جسدها عن الأخرى، لكن الانطباع بالتشابه سببه امتلاء تاريخ جنسانية النساء بالهيمنة والحرمان إلى حد الوصف بالمرض، لكن المميز في هذا الدور هو وصولي إلى حالة تتجاوز التمثيل، وهذه أقولها علناً، هناك لحظات على الخشبة لا أرى فيها شيئاً، مجرد بياض يعتري عيني، وتفقد الكلمات معناها على لساني، وأشعر باستثارة أحاول إخفاءها عن زملائي الممثلين والجمهور، لا أعلم إن نجحت في ذلك (تضحك)، لكن ما أريد قوله، أنني في العرض الأول للمسرحيّة اضطررت إلى وضع قماشة في فمي كيلا أعض على لساني الذي كان حياً بنفسه، وكأنه يريد مغادرة فمي، على كل حال، أظن أن علينا حالياً إعادة النظر في داوخلنا وعلاقتها مع القوى الخفية التي يمكن أن تتحكم بأجسادنا وتقودها باتجاه الرغبة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard