ماذا لو لم تقدم حواء تلك التفاحة الملعونة لآدم؟

الخميس 18 نوفمبر 202112:59 م

تندرج المادة في ملف جديد عنوانه: "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

"التاريخ تخصص خبيث"، إذ إنه يحتوي على سلسلة طويلة من المسببات غير المرتبطة ظاهرياً ببعضها البعض ويريد المؤرّخ ربطها بأي ثمن، شرحها وتعليل توالد بعضها من بعض، ومن ثمّ الخروج بـ"خلاصات تاريخية" للقسريات التي قام بها آنفاً.

Uchronie أو "التاريخ البديل" أو لعبة "ماذا لو؟"، طريقة أخرى للتفكير في الأحداث ومحاولة إحضارها إلى حيّز الآن، ذلك أن قروناً كثيرة من الحروب الدينية والاقتصادية أفضت إلى خلاصات عديدة، منها أن المعايير الأخلاقية واجبة الاتباع لم تعد قادمة من الوصايا الإلهية، بل من إرث اجتماعي وتقاليد عقلانية، وبالتالي يجب أن نفكّر الآن بأن معتقداتنا القديمة حول "الحقيقة" والتاريخ لم تعد تتوافق مع واقعنا الجديد ولا مع خلاصاتنا "الأخلاقية"، إنما مع "اتفاقنا" الجماعي عليها، وقبولنا بمخرجاتها كما قبلنا بمقدماتها.

فكرة التاريخ البديل أيضاً تلعب في حيّز التخيل، والشك في جدوى "فكرة الحقيقة" بل وهشاشتها، والتي أثبتت عدم قدرتها على إنتاج شرعية عقلانية تجعلها "أمّاً" لأفكار الحرية والحقّ والإرادة، فلم تعد الحقيقة مصدراً للشرف أو العار وغيرهما من "الفضائل" كما عرّفتها النظم الأخلاقية، بل إن الحقيقة نفسها تكاد تصبح غير "حقيقية" بهذا المعنى.

تحليل الأحداث بالاعتماد على المفاهيم المعرفية لنستنتج سياقاً ما للحدث التاريخي ينطوي على عسف واختزال مهما كانت الأساليب المعرفية التي نستخدمها، و"تقليل" دور الاستنتاج والاستقراء لا ينفع للخلوص إلى النتيجة الأقرب للحقيقة، إذا كان هناك شيء يمكن أن ندعوه "حقيقة"، بل ونقبض عليه.

ماذا لو لم تقطف حواء التفاحة وتقدمها لآدم؟

ابتكر القديس أغسطينوس مصطلح "الخطيئة الأصلية" للإشارة إلى الفعل الذي ارتبط بتفاحة شجرة المعرفة، والتي على أساسها طُرد البشر من الجنة وأصبحوا يتألمون ويتعبون للحصول على الأشياء التي كانت ممنوحة في الجنة... مجاناً وإلى الأبد، وطوّر توما الأكويني هذا التفسير ليجعله السبب الذي يجعل البشر محرومين من النعم وواقعين في الفوضى، النتيجة النهائية هنا إذن بدون "تلك التفاحة المنحوسة": عالم مثالي، مرتب، لا موت فيه ولا تعب، بل ولا جهد للبحث عن "الحقيقة"، إذ إننا نعيشها مثل ما جاءت في "البيان" الأول للرب.

لم تعد الحقيقة مصدراً للشرف أو العار وغيرهما من "الفضائل" كما عرّفتها النظم الأخلاقية، بل إن الحقيقة نفسها تكاد تصبح غير "حقيقية" بهذا المعنى... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

والأمر يفيد النساء أكثر، إذ بسبب "طاعتها" لغواية الثعبان، حُكم على حواء/كل النساء، بالتعب والألم، وبالولادة عبر المعاناة، رغم أن حواء لم تلد في الجنة لنعرف كيف ستكون ولادتها بدون ألم، وكيف كان سيحلّ الرب هذه المعضلة، عبر إعطائها مخدر أم سيجعلها "تبيض" على سبيل المثال؟

جاك دريدا يقول إن الخطيئة الأصلية أكثر من واحدة، الأولى تتعلق بالتفاحة والثانية تتعلق بمقتل هابيل، ويظن أن الخطيئة الثانية التي انتصر فيها الله لهابيل بقبوله الأضحية الحيوانية بدل الثمار التي قدّمها له قابيل كانت أشدّ وقعاً على سيرورة التاريخ.

حسناً، سنسترجع الحدث ونفترض أن الرب قَبِل تقدمة جامع الثمار، لا الراعي، فالنتيجة تقريباً ستكون مشابهة، إذ إن هذا الأمر سيُغضب الراعي هابيل ويقتل أخاه من جديد، لكن الفرق الحاصل هو أن الأضحية التي سيبدأ البشر بتقديمها للآلهة ستكون نباتية وليست دموية، من يعلم، ربما كنا أصبحنا كلنا نباتيين، ولأنقذنا العديد من الأكباش والأبقار والخنازير والطيور.

تأتي فكرة الخطيئة الأصلية استجابة لمعضلة الشرّ البشري، ولماذا نحن هكذا، مطبوعون على الشرّ، إن لم يرنا أحد فطبيعي أن نلتقط ما ليس لنا، كورقة 100 دولار مثلاً موجودة على مقعد في حديقة، أو أن نرفس حيواناً مربوطاً أو نضرب نوافذ الجيران بالحجارة، لكن أيضاً الخطيئة قامت ببناء الإثم الذي حُقن به الإنسان والذي يجعله "مذنباً " على الدوام، وفكرة الذنب أساسية في الأديان التوحيدية، عندها ستفقد الأديان رعاياها ببساطة، لا حاجة هنا للاستغفار ولا للاعتراف ولا للصلاة حتى، إذ لا شيء يستدعي ذلك بانعدام الإحساس بالخطيئة.

ستقوّض فكرة "الصلاح الأصلي" أساس الأديان، وسيُحرم فرويد من موضوع أساسي لديه، وربما سيخسر العديد من الأطباء النفسيين مورد رزقهم.

التماسك الهش

حذر بول ريكور (1913-2005)، من مواجهة فكرة الخطيئة الأصلية مع الفلسفة، لأنها ذات مظهر مخادع عقلاني، وكذلك علم النفس الذي بنى العديد من التفسيرات على هذه الفكرة، سيفقد العالم تفسيراً متماسكاً ظاهرياً بل وعقلانياً، كما يقول ريكور، للعالم، وستكون الأديان، ورجال الدين الكاثوليك بالضرورة، أكثر المتضررين من هذا، وسيفقدون كهوف نبيذهم وبركاتهم التي يمنحونها وطقوس الاعتراف التي يتفوقون بها على البشر العاديين الخطائين.

تعمل "الخطيئة الأصلية" عمل ضربة الفأس الأولى في أرض التاريخ، منها أتى كل شيء وكل الظواهر التي تلاحقت هي نتيجة "خفقة" جناح فراشة الخطيئة الأولى، هي خطيئة العالم كلّه التي لا فكاك منها، إذ لا فكاك من الماضي... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

تعمل "الخطيئة الأصلية" عمل ضربة الفأس الأولى في أرض التاريخ، منها أتى كل شيء وكل الظواهر التي تلاحقت هي نتيجة "خفقة" جناح فراشة الخطيئة الأولى، هي خطيئة العالم كلّه التي لا فكاك منها، إذ لا فكاك من الماضي، خصوصاً المدعوم بحجج الآلهة وخبث الشيطان، لكن هذا السقوط من الجنة يوصف بأنه "سقوط تطوري"، بالمعنى الإيجابي عند بعض الفلاسفة العلمانيين، إذ كان دافعاً للبحث عن "جسد الإنسان" بعد خروجه من "الرحم" الأول، وإمكانية إيجاد مستقرّ، نفسي ومادي له في العالم.

الخطيئة الأصلية تبدو كإرث رديء، شرير، كفعل قام به والدك على سبيل المثال، ويجب عليك أن تمضي عمرك محاولاً تجنّب الوصم بفعلته، التكفير عنها وإثبات عدم انتمائك له/لها، لفعلته ولنتيجتها.

الرب الغيور، الذي انزعج من "تدخّل" حواء الفضولية وعصيانها أوامره، في نطاق "تفوّقه" على ابن الانسان، في مجال المعرفة، ولم يستطع أن يغفر لهما هذا الانتقال المفاجئ من "حيوانات" الرب المدللة، إلى منافسين ومساوين له بالمكانة، النص التوراتي يقول: "لا تسجد لهم ولا تخدمهم، لأني الرب إلهك إله غيور، عاقب ذنوب الآباء في الأولاد حتى الجيل الثالث والرابع"، وهذه الغيرة أنشأت قانون المحنة الإسلامي، إذ إن البشر جميعاً في اختبار دائم باعتبار أن ورثوا خطيئة والدهم ووالدتهم، وكل ما يفعلونه في الأرض هو محاولة التكفير عنها وإثبات أهليتهم بالعودة إلى الجنة التي طردوا منها بخطيئة والديهما، وإصلاح "خطأ" الرب في السهو عن إمكانيات الشيطان أو قدرته على الإفساد.

فكرة الخطيئة الأصلية هي أساس فكرة "الرب"، وعلى عكس ما كنا نظنّه وما عمل رجال الدين والمفسّرون على ترسيخه: الخطيئة الأصلية أخرجت البشر من الجنة لكنها أيضاً "خلقت" الرب، أوجدته كمعاقب لمرتكبي الخطيئة... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

المحنة هذه التي تستخدمها الأديان للقبول بـ"حتمية" التمايز الطبقي، وعدم جواز الخروج على حاكم جائر، تجد صداها في الخطيئة التي يتوجّب التكفير عنها باستمرار.

الخطيئة أنجبت الرب

تشكل الخطيئة الأصلية أيضاً نقطة تعريفنا للخير والشرّ، وبالتالي انفصالنا عن الحالة الحيوانية بشكل معكوس، إذ سنكون بلا معرفة ولا مساءلة لماهية الخير أو الشر، سنكون في خير دائم، وهو ما تشكله حالة "الحيوانية البشرية"، أي الانسجام الكلي للطبيعة البشرية بدون وجود دوافع ما فوق غرائزية، وبالتالي لا حاجة لوجود دوافع عليا تهدف للاتحاد مع الرب، كلّي المعرفة وكلّي الخير، أو حتى مشابهته، وبالتالي أيضاً لا حاجة لوجوده حتى كمثال، كمطلق، كمراقب ومحاسب، إذ سينتفي مفهوم العقاب والثواب لانعدام الحاجة إليهما على اعتبار عدم وجود شرّ أصلاً.

الذي يمكن الوصول إليه، أن فكرة الخطيئة الأصلية هي أساس تواجد فكرة "الرب"، وعلى عكس ما كنا نظنّه وما عمل رجال الدين والمفسّرون على ترسيخه: الخطيئة الأصلية أخرجت البشر من الجنة لكنها أيضاً "خلقت" الرب، أوجدته كمعاقب لمرتكبي الخطيئة، ومحذّر، عبر أنبيائه المرسلين، البشر اللاحقين للرعيل الأول، من اتباع نفس الخطى المميتة، الخطى التي ستحولهم إلى خطاة بمجرد الولادة.

والرب أيضاً، الذي وجد مهمة أساسية له بعقاب وثواب البشر بناء على أخطائهم اللاحقة المستمدة من الخطيئة الأساسية التي لم يكن لهم يد في ارتكابها، ماذا سيفعل في أوقات فراغه الهائلة، إن لم يكن يعاقب ويثني، يبطش ويعطي، أي ضياع للموارد والطاقات لو لم تكن الخطيئة قد أوجدت وظيفته؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard