لا يحق للاجئين الحب!

الجمعة 5 نوفمبر 202110:26 ص

من المقعد رقم 13 في مؤخرة الباص المتجه إلى دمشق،

صباح الخير،

إنها التاسعة صباحاً. الجو ماطرٌ في الخارج. الغيوم التهمت الشمس وبرْدٌ خفيفٌ يتسلل إلى جسدي. مع أن الأجواء داخل الباص دافئة للغاية: إضاءة حمراء، تدفئة مركزية، إلا أن جسدي لا زال بارداً من الداخل.

مُسنِداً رأسي على الزجاج، أتأمل الطريق وأفكّر في الرحلة المجنونة التي أقوم بها الآن.

فتاةٌ تعرّفت عليها منذ فترةٍ قريبة وأعجبت بها من لقاءٍ واحدٍ فقط، وها أنا الآن أترك كل ما لدي من عمل وأتّجه في رحلةٍ ستمتد لخمس ساعات كي أحضر عيد ميلادها فقط، ودون حتى أن أخبرها بأنني قادم.

لا أعلم حتى إنْ كانت ستُسر برؤيتي أم أن معالم الصدمة على وجهها ستكون سيدة الموقف!

أخبرَتني البارحة أثناء محادثتنا بعد أن اتصلت بها لأطمئن عليها بأن الاهتمام يأتي دوماً من الشخص الخطأ، وكأنها تلمح إلى شيء ما!

ولكنها لا تعلم بأنني محترفٌ في أن أكون الشخص الخطأ! بل وأستمتع بذلك حقاً.

لا أعلم ما الذي جرى لي حتى اتّخذت مثل هذا القرار المجنون ولا سيما أنني سأذهب إلى دمشق لأول مرة في حياتي. حتى أنه ليس لدي مكانٌ فيها كي أبيت فيه!

أنطلق في رحلتي مع أنني كنت قد عاهدت نفسي على ألا أحب مجدداً قبل أن أنجو من هذه البلاد.

أجل. تجاربي في الحب لم تكن جميلةً أبداً، مع أن جميع مَن أحببتهنّ كن جميلاتٍ ولطيفاتٍ للغاية. ولكنها الظروف أبت أن تجمعنا سوياً أو ربما كان الخطأ خطئي أنا. نعم فأنا الذي وُلدت لاجئاً على هذه الأرض، لا هوية لي ولا حاضر ولا مستقبل، فكيف ستقبل بي فتاةٌ تحلم بأن تمسك النجوم يوماً ما؟!

وكأن الحب ممنوعٌ على مَن يحمل صفة اللجوء في هذه البلاد!

"أنطلق في رحلتي مع أنني كنت قد عاهدت نفسي على ألا أحب مجدداً قبل أن أنجو من هذه البلاد"

الباص بات في منتصف الطريق إلى دمشق، وأنا لا زلت لا أصدّق أنني أقوم بمثل هذا الفعل الأحمق، لا سيما بعد آخر تجربتين خضتهما!

التجربة الأولى كانت عندما بقيت شهراً كاملاً أحوم حول أحد مقاهي اللاذقية أنتظر "ديانا"، تلك الفتاة الجميلة، أحوم وأحوم حتى يحالفني الحظ وتأتي إلى المقهى فأدخل وأجلس على طاولةٍ قريبةٍ منها أتأملها صامتاً دون أن أتشجع على السلام عليها حتى.

حتى أن أحد عمال المقهى أشفق عليّ وأخذ رقمي وبات يكلمني كلما أتت!

ثم تشجعت في يومٍ من الأيام واقتربت من طاولتها وجلست معها بعد أن استأذنتها وبدأنا بالتعارف، لتخبرني في نهاية جلستنا بأنها مسافرةٌ إلى ألمانيا الأسبوع المقبل.

بالطبع! فالجميع يرغب بالرحيل إلا أنا عالقٌ هنا.

أما التجربة الثانية فكانت بطلتها "إيمان"، تلك الفتاة التي أحببتها وأحبتني لمدة سنةٍ كاملة.

قضينا أجمل الأيام سوياً واعتقدت أنها المنشودة مع أننا لم نكن من نفس الدين ولا أمل لعلاقتنا بالاستمرار، لكننا كنا سعداء سوياً.

إلى أن أوصلتها إلى منزلها ذات يوم كعادتنا بعد قضاء بعض الوقت سوياً، لأتفاجأ في صباح اليوم التالي بصورتها في المطار متجهةً إلى الهند دون أن تخبرني حتى!

بالطبع، سترحل بدل أن تربط قدرها بشابٍ مجهول المستقبل مثلي.

لكن الفتاة التي أنا مسافرٌ إليها اليوم مختلفةٌ تماماً، فهي مميزةٌ للغاية وتمتلك ما كنت أسعى إليه طوال عمري.

"نعم فأنا الذي وُلدت لاجئاً على هذه الأرض، لا هوية لي ولا حاضر ولا مستقبل، فكيف ستقبل بي فتاةٌ تحلم بأن تمسك النجوم يوماً ما؟!"

أتعلمون؟! عندما أبحث عن شريكة أحلامي لا أبحث عن جمالها ولا عن طيبتها ولا حتى عن دراستها، لا عن مالها ولا عن جاهها، لا طولها، لا شعرها، لا لون بشرتها. لا تعنيني حقاً مثل هذه التفاصيل. ما يعنيني حقاً هو أن تكون لديها عائلة كبيرة محبة مترابطة.

أبحث عن جَمعة عشاءٍ في ليلة الميلاد تملؤها الوجوه المبتسمة. أبحث عن جلساتٍ يملؤها الأحبّة. سهراتٍ يلعب فيها أطفالي مع أقربائهم ريثما ننهي نحن الكبار نقاشاتنا المملة على الشرفة.

نحن الذين لم يحبّنا هذا العالم ولم نحظَ بشعور الانتماء يوماً، تصبح توجهاتنا غريبةً بعض الشيء.

ولكن ما علينا. ها قد وصلت إلى دمشق ونزلت من الباص ولا زلت متردداً بشأن قراري.

هنالك باصٌ آخر متجهٌ إلى اللاذقية الآن. لقد أخذت قراري. سأعود.

ما هذا الجنون الذي كنت أفعله؟! هل كنت أعتقد حقاً أن مَن مثلي يمتلك حق الحب!

ثم وحتى إنْ كانت تلك الفتاة هي الفتاة المنشودة التي سأتزوجها وأكمل حياتي معها، ما هذا الجرم الذي سأرتكبه بإنجاب أطفالٍ لاجئين على هذه الأرض؟!

هل سأورثهم جميع همومي ومشاكلي والمستقبل المجهول نفسه؟!

سأعود. فعلى ما يبدو، إن خيار البقاء وحيداً في هذا العالم لم يكن خياراً أبداً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard