"أنا الفلسطيني المسيحي الوحيد في سوريا"... رحلتي مع البحث عن هويتي

الاثنين 11 أكتوبر 202111:19 ص

منذ صغري وأنا أعتقد أنني مميزٌ للغاية كوني اللاجئ الفلسطيني المسيحي الوحيد في سوريا، وكنت أظنّ أن هذا الأمر هو شيءٌ يتوجب عليّ الافتخار به.

كبرت واكتشفت أنني المنحوس الأكبر في هذا العالم وأن للنحس درجاتٌ عدة، أفصحت لصديقي عنها مرّة، وقلت له:

النحس العادي هو أن تولد فلسطينياً في سوريا، فلا سوريا أعطتك جنسيتها ولا السلطة الفلسطينية تتذكرك حقاً، ولكن على الأقل لديك مجتمعٌ يحتويك.

النحس المتحوّر هو أن تولد فلسطينياً مسيحياً في سوريا، فلا سوريا أعطتك جنسيتها ولا السلطة الفلسطينية تتذكرك حقاً ولا استطعت أن تجد نفسك بين المجتمعات الفلسطينية في سوريا.

أما النحس المتحوّر ذو الذيول التسعة فهو أن تولد فلسطينياً مسيحياً بروتستانتياً في سوريا، فلا سوريا أعطتك جنسيتها ولا السلطة الفلسطينية تتذكرك حقاً ولا استطعت أن تجد نفسك بين المجتمعات الفلسطينية في سوريا ولا استطعت حتى الاندماج بين مسيحيي سوريا.

جلّ ما تتلقاه هو الاضطهاد والتنمر، ومهما حاولت الاندماج في المجتمعات، ومهما حاولت إخفاء هويتك سينكشف أمرك في النهاية وستتعرض للاضطهاد والتنمر مجدداً، ومهما حاولت تجاهل الأمر وتحاشي الاحتكاكات ففي النهاية ستصل إلى مرحلة أدعوها بمرحلة الامتلاء حيث أصبح فيها بحاجة ماسة إلى الانعزال وأخذ استراحة من هذا العالم.

"بلا هوية"

كنت أعلم تماماً أن هذا الأمر طبيعي للغاية، فأنا في النهاية لا أعيش في يوتوبيا بل إنها سوريا حيث العنصرية موجودة بكثرة بغضّ النظر عما نسمعه في وسائل الإعلام عن تعايش سلمي وفسيفساء ولحمة وطنية.

أكثر ما كان يثير حيرتي وأستغرب منه حقاً هو أن كمية تعرضي للتنمر من المسيحيين الأرثوذكسيين، بسبب كوني بروتستانتياً، تفوق بأضعاف مضاعفة تعرضي للعنصرية من قبل المسلمين.

وبسبب كل هذا، اعتقدتُ أنني حقاً بلا هوية، حتى أنني لفترة لا بأس فيها بتّ أظن نفسي بدون وطن أو عديم الجنسية، وهذا ما دفعني إلى الإيمان بأن مجتمعاتنا المعقدة هي أكبر خادم للاحتلال الصهيوني، فهي المسبب الأكبر في طمس هويتنا.

وتماماً كما في أفلام الزومبي التي يوجَد فيها ناجٍ وحيد يبث رسائلَ عبر المذياع باحثاً عن بقية أقرانه من البشر، هكذا جلست وانعزلت في غرفتي أكتب وأرسل للمنظمات والكنائس والجمعيات حول العالم: "تحياتي، اسمي أسعد، وأنا الفلسطيني المسيحي الوحيد في سوريا، أرجوكم أخرجوني من هنا".

"تماماً كما في أفلام الزومبي التي يوجَد فيها ناجٍ وحيد يبث رسائلَ عبر المذياع باحثاً عن بقية أقرانه من البشر، هكذا جلست وانعزلت في غرفتي أكتب وأرسل للمنظمات والكنائس والجمعيات حول العالم"

وبسبب كل هذا، إضافةً إلى الأوضاع العامة في هذه البلاد، استمرّ انعزالي في غرفتي لمدة سنتين تماماً، واضعاً أملي بأن تميّزي سيثير اهتمام إحدى المنظمات التي أراسلها بشكل يومي والتي ستأخذني بعيداً عن هنا، في اعتقاد غبي منّي بأن كوني المسيحي الفلسطيني الوحيد هنا هو شيء عظيمٌ حقاً وأنني حقاً سأجد مَن يقدّر هذا الأمر!

العودة إلى العالم

فشلت محاولاتي، وفقدت الأمل وأصابني اليأس، وأيقنت أن لا أحد في هذا العالم يهتم لأمري، فقررت الخروج ومواجهة هذا العالم من جديد.

عدت إلى جامعتي، عملي، ونشاطاتي المعتادة السابقة. وفي أحد الأيام، وفي صدفة غريبة من نوعها، تعرّفت على فتاة وكانت فلسطينية مسيحية أيضاً!

لم تكن فقط فلسطينية مسيحية، بل كانت أيضاً من عائلة كبيرة مكوَّنة من إخوة وأخوات وأولاد عم!

يا للفرحة! مأساتي ورحلتي للبحث عن مجموعة تحتويني انتهت الآن. لقد نجوت أخيراً.

ولكن لا. فقد تبيّن أن هذه العائلة من الطبقة المخملية ومن أغنى أغنياء البلد وجميع أفرادها يحملون جوازات سفر أجنبية، وأنا من خلفية فقيرة فلم أستطع الاندماج معهم أبداً.

ثم أنهم لا يشتركون معي في رحلة البحث عن هوية أو مجتمع يضمهم بل هم مندمجون تماماً. عندها، استنتجت أنه في هذه البلاد، التنمر والعنصرية يختفيان تماماً عند امتلاكك للمال.

سمعت بعدها عن طريق صديقة لي أن هنالك أيضاً فتاة فلسطينية مسيحية في المدينة، وسرعان ما بحثت عنها على فيسبوك وأرسلت لها طلب صداقة بعد أن عدلت قليلاً في صفحتي الشخصية كي تعرف على الفور أنني من أبناء جنسها.

وبالفعل، قَبِلت طلبي وتحدّثنا، وبدأنا بالتعارف، وعلمت أن لديها إخوة أيضاً وأنها تعمل في مكتبة واتفقنا على أن نلتقي.

التقينا وتحادثنا وأخبرتني عن مدى فرحتها بأنها وجدت فلسطينياً مسيحياً مثلها وبأنها كانت تبحث لسنين طويلة عمّن هم مثلها، حتى أنها قدمت لي فنجاناً من القهوة!

أتعلمون؟ لا الأغاني الوطنية ولا الشعارات الرنانة، ولا الكوفية ورائحة الليمون، ولا صور الكنائس والحجارة العتيقة في بيت لحم، ولا حتى احتفالية فيض "النور المقدس" في عيد القيامة، استطاعت أن تهز شعرة واحدة في رأسي. لم تشعرني هذه الأشياء بالانتماء يوماً.

وفنجان قهوة واحد من فلسطينية سمراء ناصرية أعاد إليّ هويتي بأكملها!

عدتُ يومها إلى منزلي إنساناً مختلفاً تماماً عن ذلك الشخص الذي دخل المكتبة منذ ساعة واحدة فقط.

"أيقنت أنني كنت أبحث بطريقة خاطئة وأن المشكلة لا تكمن في هويتي بل تكمن فينا نحن، نحن الذين لا نتقبل أنفسنا بهويتنا الحقيقية فكيف سنستطيع تقبل الآخرين المختلفين عنا؟!"

في اليوم التالي، التقيها أيضاً، ولكن في هذه المرة كنت أحضرت معي إنجيلاً لأقّدمه لها هديةً، كعربون صداقة بيننا.

صدمتني حينها بسؤالها الغريب: "هل هذا الإنجيل أرثوذكسي؟ لأنني أرثوذكسية للغاية ولا أقبل بإنجيل مختلف أبداً".

وقفت يومها كالصنم أمامها أفكر بسؤالها: "هل يوجد حقاً فرقٌ بين الإنجيل الأرثوذكسي وغير الأرثوذكسي؟! وهل أستطيع التمييز بينهما أساساً؟".

وبينما كنت أفكر بسؤالها، صوتٌ صارخٌ تردد في رأسي: "اركض بأسرع ما لديك، اركض بسرعة".

الأسئلة الخاطئة

خرجتُ من المكتبة يومها متجهاً إلى منزلي وأنا إنسان مختلفٌ تماماً. لقد انتهت رحلتي في البحث، ليس لأنني وجدت ضالتي ولكن لأنني لم أعد أرغب حقاً في البحث.

لقد أيقنت يومها أنني كنت أبحث بطريقة خاطئة وأن المشكلة لا تكمن في هويتي بل تكمن فينا نحن، نحن الذين لا نتقبل أنفسنا بهويتنا الحقيقية فكيف سنستطيع تقبل الآخرين المختلفين عنا؟!

وأدركتُ أنه لم يكن عليّ البحث يوماً عمّن هم مثلي، بل كان عليّ البحث عمَّن يتقبلني كما أنا بهويتي الحقيقية.

علمت في ما بعد بوجود قرابة عشرين عائلة فلسطينية مسيحية في سوريا، ولكنني لم أكلف نفسي عناء التواصل معهم فالأمر لم يعد يعنيني.

كل ما فعلته هو أنني عدت إلى غرفتي وجلست على مكتبي وعدت إلى عادتي القديمة في المراسلة وتماماً كما في أفلام الزومبي: "تحياتي، نحن هنا عشرون عائلة فلسطينية مسيحية في سوريا، أرجوكم أخرجونا من هنا".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard