إلى صديقي المهاجر: أعطني حلاً

الجمعة 19 فبراير 202111:01 ص

الصديق العزيز متَّبِع الليبرالية القديمة، أمجد، صباح الخير.

أكتب لك وأنا أجلس على مقعد خشبي في إحدى الحدائق العامة.

وددت الاتصال بك هاتفياً، ولكن على المقعد المقابل يجلس أحد باعة البالونات مرتدياً بدلةً رسمية وحذاءً أسود لمّاعاً، وخفت أن يسمعني فاتّخذت خيار الكتابة.

منذ أن تركتني وهاجرتَ إلى ألمانيا اسودّت الحياة في وجهي، ولم أعد أعلم ماذا سأفعل.

لم يعد لدي مَن ينصحني ويرشدني في قرارات العمل والأمور المالية.

وباعتبارك كنت الخبير الاقتصادي في الشلّة، أطلب منك أن تساعدني وتخبرني ماذا أفعل، فعملي الجديد مقتصر على تدفئة مقاعد الحديقة. آتي إلى هنا في الصباح الباكر، وأبدأ بالتنقل من مقعدٍ إلى آخر حتى يأتي الفرج.

كما إنني أقوم بكتابة بعض النصوص من حينٍ لآخر. في الحقيقة، أحاول الإقلاع عن الكتابة منذ مدةٍ طويلة، ولكن المشكلة أنه في هذه البلاد تأتيك المواد زاحفةً على بطونها لتكتب عنها وتنشرها، كخبر تسرب مياه الصرف الصحي إلى مياه الشرب في إحدى قرى اللاذقية ما أدى إلى حدوث 25 حالة إسهال في القرية.

بعد أن هاجرتَ، وجدتُ عملاً في معمل للأدوية، وكانت بيئة العمل فيه جميلةً جداً. أغلب المنتجات التي كانت تُطرح في السوق المحلي كانت منتجاتٍ خاسرة، تسعّرها النقابة بأقل من تكلفة إنتاجها، لكن أصحاب المعمل لم يهمهم الأمر، فكل ما كان يهمهم هو المنتجات التي تُصدَّر للخارج، فخسائر السوق المحلي لا تؤثر على أرباح التصدير وصاحب المعمل يعتبر هذه الخسائر بديلاً عن تكاليف إنشاء معمل في بلدٍ آخر.

اليد العاملة هنا رخيصةٌ جداً، تكاد تكون بلا قيمة، وأسعار الأراضي لا تقارَن بأسعار الأراضي في بلدٍ آخر، بالإضافة الى شيء مميز، ألا وهو قانون الضرائب، فصاحب المعمل يدفع ضرائب توازي الضرائب التي يدفعها عامل البوفيه في المعمل.

هل تعلم ما هي قمة القهر يا صديقي؟
قمة القهر هي أن ترى طفلاً حافياً لا يرتدي صرماية والبلد مليئة بالصرامي

ولكن كما تعلم يا صديقي، فلطالما كانت الأوقات الجميلة تمضي سريعاً. لسبب لا أعلمه، وإنْ علمته لا أظن أني سأتكلم عنه، توقف التصدير، وبالتالي بات المعمل خاسراً تماماً، إذ لا يمكن الاعتماد على السوق المحلي أبداً، فتوقف المعمل وسرّح نصف الموظفين ثم عاود العمل مجدداً بنصف طاقته الإنتاجية بعد حربٍ مريرةٍ من أجل رفع أسعار منتجاته.

بعدها، ذهبت للعمل في شركة لتوزيع المستلزمات الطبية، وبدأت العمل فيها مندوباً أبيع المستلزمات للصيدليات بالدين. وفي الحقيقة أحببت هذا العمل. كان مدخوله جيداً. جل ما أفعله هو المشي إلى الصيدليات في الصباح الباكر وتسجيل الطلبيات. وكأنني أتقاضى أجراً مقابل المشي.

ولكن كما تعلم يا صديقي، الأوقات السعيدة تهرب منّي. بدأت أسعار الصرف بالتصاعد بشكل سريع، أما ديون الشركة مع الصيادلة فظلت صامدة بالليرة، ما أدى إلى خسارة الشركة لنصف رأس مالها، فقام صاحب الشركة بطرد عدة موظفين، وعلى رأسهم أنا.

وهنا قررت أن أبدأ طريقي لوحدي وأفتتح عملي الخاص، فقمت بافتتاح متجر لتسجيل الأغاني على سيديهات و"فلاش ميموري" وبيعها لسائقي السيارات.

كان المردود جيداً جداً. عملياً أبيع الأغاني التي أحمّلها عن الإنترنت مجاناً.

أحاول الإقلاع عن الكتابة منذ مدةٍ طويلة، ولكن المشكلة أنه في هذه البلاد تأتيك المواد زاحفةً على بطونها لتكتب عنها وتنشرها، كخبر تسرب مياه الصرف الصحي إلى مياه الشرب في إحدى القرى

ولكن... بمجرد أن انطلق المتجر وبات الزبائن يدخلونه بكثرة، بدأ صاحب العقار بالطمع ومطالبتي بزيادة الإيجار، وبدأ موظفو المالية والتموين والعقارية والبلدية بالمرور عليّ صباحاً ومساءً لشرب القهوة، إلى أن وصلت إلى نقطةٍ بتُّ فيها أدفع من جيبي فقررت إغلاق المتجر.

وها أنا الآن أجلس على هذا المقعد الخشبي أكتب لك.

اقترب منّي قبل قليل صبيٌ صغير حافي القدمين يطلب المال، ولكنني لم أستطع مساعدته.

هل تعلم ما هي قمة القهر يا صديقي؟

قمة القهر هي أن ترى طفلاً حافياً لا يرتدي صرماية والبلد مليئة بالصرامي.

هنا فقط تعلم أنه لا يوجد عدلٌ في هذه الحياة.

المهم، أريد منك يا صديقي أن تعطيني حلاً وأن تجد لي فكرةً مناسبة لمشروعٍ تجاري لا يتأثر بأسعار الصرف ولا يتأثر بأي قرار اقتصادي ولا تطاله أذرع المؤسسات ويحقق دخلاً ممتازاً يتماشى مع غلاء المعيشة الحالي.

يا صديقي أرجو ألا تأخذ كلامي على محمل الجد فتبعث فيّ الأمل من جديد. الأمل النائم لعن الله مَن أيقظه

أعلم أن هذا مستحيل وأن الحل الأمثل هو مغادرة البلاد وإرسال بعض النقود شهرياً للأهل ليستطيعوا العيش، وهذا هو ما أسعى إليه.

فقد فقدت الأمل بالعمل والحياة هنا.

يقولون إن الوطن ليس فندقاً تغادره حين تسوء الخدمة فيه.

وهذا صحيح لأنه لو كان فندقاً، لأغلق بالشمع الأحمر على هذه الخدمات.

يا صديقي أرجو ألا تأخذ كلامي على محمل الجد فتبعث فيّ الأمل من جديد. الأمل النائم لعن الله مَن أيقظه.

إياك أن تفكر في العودة إلى هنا حتى ولو بقصد الزيارة.

أبعد الله عنك شر مرمطة الحياة هنا في هذه البلاد.

إياك أن تعود.

وداعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard