ماذا لو فشلت "الصدفة" التي أنجحت ثورة يوليو وظلّ الملك على عرشه؟

الخميس 18 نوفمبر 202103:02 م

تندرج المادة في ملف جديد عنوانه: "كان صرحًا من خيال... لعبة التاريخ البديل"

مساء يوم الثاني والعشرين من تموز/ يوليو لعام 1952، كانت دقات قلوب الضباط الأحرار أسرع من عقرب الثواني. فبمجرد انتصاف الليل، ووصول الساعة للواحدة صباحاً وما بعدها، سيكونون أمام نتيجتين لا ثالث لهما: إما النصر، وإما رصاص الإعدام!

في الساعة الحادية عشرة والنصف تقريباً، علم قائد الضباط الأحرار، البكباشي جمال عبد الناصر، من أحد زملائه في الحركة، ,الذي كان يعمل في المخابرات الحربية، أن السلطات كشفت أمر حركتهم السرية، "وأن الملك فاروق اتصل من الإسكندرية بالفريق حسين فريد، رئيس أركان حرب الجيش القاهرة، الذي دعا قادة الجيش لحضور مؤتمر عاجل في مكتبه بمبنى رئاسة الجيش بكوبري القبة. وطلب الضابط من عبد الناصر أن يلغي كل شيء"، حسبما أورد اللواء جمال حماد (أحد الضباط المشاركين في ثورة يوليو) في مقاله بجريدة الأهرام عام 1990.

مساء يوم الثاني والعشرين من تموز/ يوليو لعام 1952، كانت دقات قلوب الضباط الأحرار أسرع من عقرب الثواني... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22 

انكشاف أمر الحركة قبل موعد انطلاقها بساعة ونصف كان سيودي بالضباط الأحرار إلى التهلكة، لذا، أسرع ناصر بسيارته إلى منزل رفيق دربه عبد الحكيم عامر بمنطقة العباسية، لأخذه والذهاب فوراً إلى بقية أعضاء الحركة في منطقة مصر الجديدة، والعمل على الإسراع بتنفيذ الخطة أو إلغائها وإنهاء العملية بأقل الخسائر.

في تلك الأثناء، حدث أمر طارئ على الخطة المقرر لها أن تبدأ في الواحدة صباحاً، "فقد تحرك طابور الكتيبة التي تملك قوة نيران شديدة ومدافع رشاشة ثقيلة عالية الكفاءة، وفي مقدمته سيارة جيب بها القائم قام (البكباشي في ذلك الوقت) يوسف صديق (أحد الضباط الأحرار)، الذي فوجئ بالقرب من المعسكر باللواء عبد الرحمن مكي، قائد فرقة المشاة الثانية، فقام باعتقاله، وعند مدخل المعسكر كان هناك الأميرال عبد الرؤوف عابدين يسرع بعربته إلى الهايكستب فاعتقله صديق أيضاً، وأسرع الموكب نحو هدفه، وفيما هو يهز شوارع مصر الجديدة مقترباً من كوبري القبة مبكراً بحوالي ساعة"، وفقاً لما رواه الصاغ آنذاك، خالد محيي الدين، في مقاله بجريدة الأهالي في يوليو عام 1996، الذي أورده المؤرخ عبد العظيم رمضان في كتابه "ليلة ثورة 23 يوليو".

كان يوسف صديق يظن أن ساعة الصفر هي الثانية عشرة، واعتقد أن بقية رفاقه في الخطة لم يتحركوا في موعدهم، فسأل زميله بحركة الضباط الأحرار، حسن أحمد الدسوقي، بعدما قبضوا على اللواء والأميرال: "هل تعلم سبباً لتأخر القوات الأخرى عن القيام بدورها؟ فأجابه حسن: لم يتأخروا. لكن أنت الذي تقدمت. فسأل صديقه في عجب: كم هي ساعة الصفر؟ فرد عليه الدسوقي: الواحدة من صباح 23 يوليو"!

يقول يوسف صديق في مذكراته: "أذهلني الخبر الذي سمعته من حسن أحمد الدسوقي بتحركي قبل الموعد بساعة كاملة، وجعلني أستغرق في صمت طويل أستعيد فيه أحداث تلك الليلة العجيبة".

خلال استغراق يوسف صديق في كواليس تعجيله، غير المقصود، اقترب من طابور الكتيبة شخصان يرتديان الملابس المدنية، فارتاب جنوده من هذين الشخصين وقبضوا عليها، فأثيرت جلبة خرج على إثرها صديق ليستكشف ما يجري، فوجد أمامه جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر مقبوضاً عليهما من قِبَل جنوده، فأمر فوراً بإطلاق سراحهما.

هنا علم صديق أن تحركه المبكر، وقبضه على لواء وأميرال من رجال الملك، كان وراءه العناية الإلهية، أو كما يصفها: "رأيت الله قد تولى تصحيح تدبير الأحرار وتدبيري. وكان تدبيره وحده هو الذي يتم، وأننا لم نكن سوى أدوات تتحرك لتنفيذه".

ما قبل يوليو وما بعدها في ميزان المؤرخين

بعدما جرت الأمور كما قُدّر لها، نجحت ثورة يوليو، ولم يختلف أحد على أن فشلها كان سيودي برجالها إلى الإعدام المُحقق، لكن الخلاف انصبّ جميعه على لعبة الفرضيات التي اعتبرها المؤرخون لا تتسق مع التاريخ، لكن هناك تصورات لما كان سيجري، تختلف بحسب رؤية قائلها، ومن هؤلاء الدكتورة لطيفة سالم، أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة بنها، التي ترى أنه منذ الحرب العالمية الثانية والوضع العام في مصر كان يمهّد لثورة، بسبب الصحافة القوية والمعارضة في الشارع؛ لكن كيف ستقوم هذه الثورة ومن سيشعلها، لم يكن ذلك معروفاً حينذاك.

وتضيف لطيفة في حديثها لرصيف22: "الفساد في العهد الملكي كان على أشده، ولم تكن الحياة وردية كما يظن البعض، لذلك تعاطف الشعب مع ثورة يوليو، خاصة أن الضباط الأحرار كانوا من أبناء الطبقة الوسطى".

واستطردت الدكتورة لطيفة: "ثورة يوليو نعتبرها نتاجاً حقيقياً للثورة العُرابية، فلدينا جيش آمن بمطالب الناس في العيش الكريم وانحاز لهم، ناهيك بأن الشعب المصري طوال عمره يعتبر الجيش حصنه الحصين". وترى الدكتورة لطيفة أن انحياز الثورة منذ اللحظة الأولى للفقراء وصغار الفلاحين أعطاها شرعية في الشارع المصري وعند المواطن البسيط، وهو ما اتفق معه الدكتور عبد المنعم الجميعي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الفيوم، وكذلك الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ بجامعة حلوان.

على المستوى السياسي، رأى الدكتور عبد المنعم الجميعي، أن قرار إلغاء الأحزاب السياسية، هو واحد من أسوأ قرارات ثورة يوليو. في المقابل، اتفقت الدكتورة لطيفة سالم والمؤرخ عاصم الدسوقي على أن قرار ثورة يوليو بإلغاء الحياة الحزبية في مصر كان به الكثير من الصواب، إذ يرى الدسوقي أن الأحزاب كانت قبل يوليو أداة في يد الأثرياء والإقطاعيين، واستشهد على ذلك بقوله: "لما صدر دستور 1923 الذي يوصف بأنه دستور الحريات، كان قانون الانتخاب المنبثق عنه يضع شروطاً لمن يرشح نفسه لمجلس الشيوخ، أهمها أنه لا بد أن يكون ممن يدفعون ضريبة أطيان زراعية قدرها 150 جنيه سنوياً، مما يعني ملكية 300 فدان، وهو أمر لا يملكه المواطن العادي".

الجلاء كان سيتم حتى لو لم تقم ثورة يوليو، وفقاً للمفاوضات التي جرت عام 1936، وانتهت إلى أن جلاء آخر جندي سيكون بعد عشرين عاماً، وكذلك استرداد القناة للمصريين كان سيتم بعد انتهاء مدة الامتياز، أي في عام 1968... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

وقال الدسوقي إنه سنة 1933 اقترح أحد أعضاء مجلس النواب في العهد الملكي زيادة ميزانية التعليم الإلزامي لأولاد الفلاحين، ووقف ضده أحد كبار الملاك من عائلة أباظة، وقال له: "إن تعليم أولاد الفلاحين يعد طفرة كبرى، ويغير من طبيعتهم الخشنة، ويجعلهم يستنكرون مهنة آبائهم". ليس هذا فقط، بل رد عليه آخر: "لما نعلم أولاد الفلاحين مين هيسرح بالبهائم في الغيط؟!"، على حد تعبيره.

ورغم أن الدكتورة لطيفة اتفقت مع رأي المؤرخ عاصم الدسوقي في أن إلغاء الأحزاب به الكثير من الصواب، خاصة مع تفكك حزب الوفد من الداخل، ودخول الأثرياء به، وحدوث بعض المواءمات مع القصر الملكي، ولم يكن كسابق عهده أيام مصطفى النحاس ومن قبله سعد زغلول؛ لكنها تختلف مع جزئية هامة، وهي أن قرار الإلغاء صاحبه شروط خاصة بالسن لا تنطبق إلا على رجال يوليو، وهو أمر ليس له علاقة بالديمقراطية، وكانت تتمنى أن يُطبق البند السادس من البنود التي قامت عليها الثورة، وهو "إقامة حياة ديمقراطية سليمة".

جلاء المحتل وتأميم قناة السويس... خلاف أزلي تشعله كلمة "لو"!

نجحت ثورة يوليو 1952، وأنزل رجالها الملك فاروق من على كرسي العرش، وأحالوا مصر إلى جمهورية، وبعد أربعة أعوام، أخرجوا آخر جندي إنجليزي من مصر، وبعد شهر أمموا الشركة العالمية لقناة السويس، لتصبح شركة مساهمة مصرية. هذا الجلاء وذاك التأميم، هما نقطتا خلاف أزليتان لدى الباحثين، فبين من يرى أنه لولا الثورة ما كانا ليتمّا أبداً، وبين من يرى أنهما كان سيحدثان في موعدين محددين سلفاً.

بحسب الدكتور عبد المنعم الجميعي، الجلاء كان سيتم حتى لو لم تقم ثورة يوليو، وفقاً للمفاوضات التي جرت عام 1936، وانتهت إلى أن جلاء آخر جندي سيكون بعد عشرين عاماً، وكذلك استرداد القناة للمصريين كان سيتم بعد انتهاء مدة الامتياز، أي في عام 1968. في المقابل، رأى الدكتور عاصم الدسوقي أن الجلاء لم يكن سيحدث لولا الضغط الذي فرضته ثورة يوليو وجيشها القوي، "إذ إن مصر في السابق كانت تفاوض على الجلاء من موقف ضعف، وكذلك تأميم القناة تم بسبب تلك القوة ذاتها"، على حد تعبيره.

لكن الدكتورة لطيفة سالم كان لها رأي مغاير، إذ ترى أن الجلاء كان سيتم بعد ثورة يوليو بعشرين عاماً، تحديداً في عام 1956، استناداً لانتهاء المفاوضات لصالح مصر عام 1936؛ لكنها ترى أن الأمر يختلف مع استعادة قناة السويس، "التي جرت بشأنها محاولات رهيبة كي تُجدد الشركة الامتياز، فسعت لتخرب القناة، بما يعني عدم حسن نيتهم في تركها عام 1968، أي بعد اكتمال الـ99 عاماً المتفق عليها منذ وقت الامتياز"، وفقاً لشهادتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard