5 حزيران... العرب يحققون نصراً كاسحاً على الإسرائيليين

الخميس 18 نوفمبر 202101:00 م

تندرج المادة في ملف "كان صرحًا من خيال... لعبة التاريخ البديل"

في ذلك اليوم التاريخي، حَلم الإسرائيليون بمباغتة العرب، فأطلقوا طائراتهم صوب المطارات الحربية العربية في مصر وسوريا والأردن والعراق، يبتغون تدميرها وسحق المقاتلات وهي على الأرض.

فوجئتْ الطائرات الإسرائيلية بنظيرتها العربية تنتظرها، في المكان والزمان المناسبين، وتكيل لها الصاع صاعين، وبدلاً من أن توجّه إسرائيل للعرب ضربة قاصمة، تلقت زلزالاً مفتتاً، بعدما حذّر الجنرال المصري عبدالمنعم رياض، قائد الجبهة الأردنية والقيادة العربية في الوقت المناسب برسالة مشفرة هي: "عنب... عنب... عنب"، استجابت لها الجيوش العربية بسرعة، وضربت إسرائيل في مقتل.

بعدما حذّر الجنرال المصري عبدالمنعم رياض، قائد الجبهة الأردنية والقيادة العربية في الوقت المناسب برسالة مشفرة هي: "عنب... عنب... عنب"، استجابت لها الجيوش العربية بسرعة، وتلقّت إسرائيل زلزالاً مفتتاً... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

حاولت الطائرات الإسرائيلية المقاومة قليلاً، لكن المفاجأة كانت أقوى من كل شيء، وتساقطت كالذباب في مصر وسوريا والأردن والعراق.

هنا، قرّر عبدالحكيم عامر، قائد الجيش المصري، استثمار هذا النجاح سريعاً، فأمر طائراته بالإغارة على تل أبيب مباشرة، في الوقت الذي تدفقت فيه القوات البرية المرابطة في سيناء على فلسطين، محققة الانتصار تلو الآخر. أما على الجبهة السورية، فقد استحالت هضبة الجولان إلى مصدر رعب للإسرائيليين، بعدما نصب السوريون على مرتفعاتها آلاف المدافع التي انهالت قذائفها على المدن العبرية يميناً ويساراً، كغطاءٍ لمئات الكتائب البرية التي عبرت خطوط الحدود الدولية، وتوغلت في قلب إسرائيل.

أبدى الجيش الإسرائيلي مقاومة كبيرة، لكن ما كان له التصدّي للهجمات العربية التي حاصرته من كافة الجهات، حتى من لبنان، كشف الفدائيون عن بنادقهم وانقضوا على المستوطنات القريبة وأنهكوها تقتيلاً. ولم يكد يوم الـ5 من يونيو/حزيران ينتصف إلا والعرب يرابضون في قلب الضفة الغربية، فيما سبقت القوات المصرية الجميع إلى القدس الشرقية، ورفعت علم مصر فوق المسجد الأقصى، هنا اعتبر رئيس مصر جمال عبدالناصر أن فرصة الظهور قد حانت.

ولم يكد يوم الـ5 من يونيو/حزيران ينتصف إلا والعرب يرابضون في قلب الضفة الغربية، فيما سبقت القوات المصرية الجميع إلى القدس الشرقية، ورفعت علم مصر فوق المسجد الأقصى... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

في خطبته التاريخية، اعتبر عبدالناصر أن ما حدث مجرد "قرصة أذن" لإسرائيل بسبب ميولها العدوانية مؤخراً، وأنه حذّر العالم مراراً من أن جيوشه كفيلة بسحق إسرائيل في ساعات، وهو ما لم يصدّقه الغرب، وها هي النتيجة. وخلال الخطاب، أعطى عبدالناصر جنوده الإشارة باقتحام القدس الغربية التي سكنتها أغلبية يهودية في هذا الحين. دخلها المصريون فوجودها خاوية بالكاد من أحد، بعدما تسابق الإسرائيليون على الهرب منها خوفاً من وقوعهم في براثن العرب.

في اليوم التالي، أعلنت مصر أن لا قدس شرقية أو غربية بعد اليوم، فقط قدس واحدة، ستخضع للإدارة العربية. في هذه الأثناء، تكالب كثيرٌ من القادة العرب على إلقاء خطابات النصر؛ ألقى العاهل الأردني الملك حسين، والرئيس العراقي عبدالرحمن عارف، والعاهل السعودي الملك فيصل، والرئيس السوري نور الدين الأتاسي. الجميع ألقوا كلماتٍ حماسية رائعة احتفت بالنصر المبين، لكن لم يعبأ بهم أحد، واحدٌ فقط استأثر بالمجد المبين؛ جمال عبدالناصر.

ناصر... ناصر... ناصر

بين ليلةٍ وضحاها، أصبح عبدالناصر معبود العرب من المحيط إلى الخليج، كفل له "نصر يونيو" أن تنتهي التراشقات الإعلامية الممتدة مع ملكي السعودية والأردن للأبد وبلا رجعة، بعدما ضربا بالقاضية معاً الإسرائيليين. في الرياض وعمان والرباط وحتى في دمشق وبغداد، حملت المظاهرات الحاشدة صوره عالياً وردّدت اسمه حتى بحّت الحناجر، منصبة إياها ملكاً على جميع الملوك، ولم يعد أمام أحدٍ اختيار آخر؛ القاهرة -معقل النصر- أصبحت عاصمة العرب المركزية دون منازع.

توغلت القوات السورية بطول مقاطعة الجليل متخطية بحيرة طبريا

لم يكن أمام الملوك المناهضين لعبدالناصر أي فرصة لانتزاع أي مكسبٍ من النصر، حتى سوريا التي ساهمت بشدة في تحقيقه لم يظفر قادتها بشيء، فالجميع يعلم أن الرئيس الأتاسي منزوع الصلاحيات لصالح القائد العسكري الغامض، صلاح جديد، الذي لا ينطق أبداً، وهو ما مثّل فرصة تاريخية لعبدالناصر الذي لا يتوقّف عن الكلام، فاستحوذ على كل شيء. عقب انفضاض غبار المعركة، خضعت صحراء النقب وحتى القدس للسيطرة المصرية والأردنية، فيما توغلت القوات السورية بطول مقاطعة الجليل متخطية بحيرة طبريا، وتكدّس الإسرائيليون في شريط ساحلي ضيق من يافا حتى حيفا، يطلَّ على البحر المتوسط.

مصر: الديكتاتورية هي الحل

مثّل هذا النصر ضربة مرعبة لكل خصوم عبدالناصر المحليين، أو حتى الذين يدورون في فلكه، لكنهم يعيبون عليه عدم ديمقراطية نظامه واستعماله العصا الأمنية كلما هشَّ الشعب وبشّ.

كان عبدالناصر قبل المعركة بطلاً قومياً فذّاً، فأصبح بعد المعركة إلهاً. ولم لا وهو صاحب أول نصر عسكري يراه المصريون بأعينهم في العصر الحديث؟ لقد سمعوا عن قادش وحطيت وعين جالوت ولكنهم لم يروا إلا نصر 1967م. سريعاً، جرت عمليات هندسة هذا الوضع تاريخياً ليوضع عبدالناصر المنتصر في مصاف أبطال مصر التاريخيين؛ كلا... لم يصبح أحد الأبطال الملحميين، وإنما صار هو البطل الأوحد.

مثّل نصر 5 حزيران على إسرائيل ضربة مرعبة لكل خصوم عبدالناصر المحليين، أو حتى الذين يدورون في فلكه، لكنهم يعيبون عليه عدم ديمقراطية نظامه واستعماله العصا الأمنية كلما هشَّ الشعب وبشّ، كان عبدالناصر قبل المعركة بطلاً قومياً فذّاً، فأصبح بعد المعركة إلهاً... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

في قرارة نفسه، أيقن عبدالناصر أنه مؤيّد من السماء وإلا لما انتصر، واعتبر أن هذه المعركة إشارة من الله ليستمر في ذات المسار الذي كان يسير فيه. يئس المعتقلون في سجون مصر من خروجهم، بعدما أضيفت لهم أكوام من المعتقلين الجدد من كافة الأطياف السياسية، الذين اعتبر النظام أن معارضتهم استنزاف لمسيرة الوطن المنتصر، واستكملت الأجهزة الأمنية حملتها الأمنية الشرسة على الجماعات الدينية، كالإخوان المسلمين والسلفيين، وحرمتهم من امتلاك أي قواعدٍ جماهيرية في الجامعات أو النقابات أو المساجد، عانَى الإسلاميون من ضربات هائلة دفنتهم تحت التراب، مفسحين المجال للتيارات الفكرية المتسامَح معها نسبياً، كالماركسية وبعض أطياف الشيوعية.

كما سعت مصر فوراً لاستمرار فورة النصر الهائلة في التخطيط للتخلص من الانظمة الملكية القريبة، بعدما اعتبروها بقيت أكثر من اللازم، وأن أوان رحيله قد حلَّ، بالرغم من كل محاولات التودّد الهائلة التي قدّمها هؤلاء الملوك لعبدالناصر في الأيام الأخيرة.

عقبة واحدة أرّقت ذهن عبدالناصر وأشعرته بالرعب، هي عبدالحكيم عامر، صديقه اللدود وقائد جيشه، الذي لا يتحرّج من الإعلان لمقرّبيه أنه يتقاسم السلطة مع عبدالناصر، والذي يتملك رجالاً استحوذوا على كافة مفاصل الدولة الحيوية. هو الوحيد الذي جعلته الحرب نجمه يفوق فوق نجم ناصر، بعدما ضرب ديان بالقاضية، ووضع خططاً دقيقة محكمة مكّنت العرب من امتلاك القدس كاملة لأول مرة منذ عقود. بقي عامر مشكلة بلا حلّ لناصر، فآثر تجاهله قليلاً والتركيز على خططه الخارجية،  وأولها السعودية.

لا سعودية بعد اليوم

فُجع الملك فيصل بنصر عبدالناصر، وأيقن أنه يشهد آخر أيامه حاكماً لبلاد الحجاز، التي ربما لن تصبح سعودية مجدداً. اجتمع العديد من المقرّبين للملك فيصل ونصحوه بالذهاب إلى القاهرة وخطب ود عبدالناصر، لكنه كان ذكياً بما فيه الكفاية ليدرك عقم هذه المحاولات؛ فالخلاف بينه وبين ناصر مستحكم، وبالتأكيد فإنه لن يفوّت هالة النصر لاستغلال كل سنتيمتر منها للإطاحة بكل خصومه على العروش، وأولهم فيصل. 

لم تمرّ أيام إلا وكانت قوة عسكرية تحاصر القصر الملكي وتعلن انتزاع الملك فيصل من عرش السعودية

في القاهرة، سريعاً بدأت المساعي المحمومة لإحياء الخلايا العسكرية الناصرية في الجيش السعودي، ولم تمرّ أيام إلا وكانت قوة عسكرية تحاصر القصر الملكي وتعلن انتزاع الملك فيصل من عرش السعودية. في ردهات القصر جرت مجزرة لم تقل رعباً عن المجزرة التي شهدها قصر الرحاب العراقي عام 1958م، على يد ضباط الجيش العراقي، وراح ضحيتها الملك فيصل الثاني وعدد كبير من أعضاء الأسرة الهاشمية.

فاضَل عبدالناصر بين ثلاثة خيارات؛ إعادة تنصيب سعود الذي لجأ إلى مصر عقب أطاحة فيصل به من فوق عرشه،ملكاً على السعودية، أو انتقاء الأمير طلال بن عبدالعزيز قائد جماعة "الأمراء الأحرار" التي انشقت عن آل سعود ولجأت إلى مصر، ليحكموا السعودية، لكنه في النهاية اعتبر أن الخيار الأكثر أماناً وجذرية هو إنهاء حكم آل سعود تماماً. لم يجد عبدالناصر خيراً من الطيّار العسكري عبدالكريم القحطاني، الذي أسّس حركة "الضباط الأحرار السعودية"، وانشقّ عن الجيش بعدما رفض قصف أهدافاً عسكرية في اليمن، ولجأ بطائرته إلى القاهرة حيث حصل على اللجوء السياسي بها، ومن هناك قاد نشاطاً شرساً لمعارضة آل سعود.

كانت أولى خطوات المجلس العسكري، هو إعلان نهاية مملكة آل سعود، وعودة البلاد إلى اسمها القديم؛ بلاد الحجاز، وأطلق حرباً بلا هوادة لاقتصاص أثر كل من تبقى من بني سعود في أي مكان بالبلاد... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

كوّن القحطاني مجلساً عسكرياً ضمّ أبرز العسكريين السعوديين الذين خطّطوا في السابق للإطاحة بآل سعود. كانت أولى خطواتهم، هو إعلان نهاية مملكة آل سعود، وعودة البلاد إلى اسمها القديم؛ بلاد الحجاز، وأطلق حرباً بلا هوادة لاقتصاص أثر كل من تبقى من بني سعود في أي مكان بالبلاد، وهنا تفنّن الحجازيون (السعوديون سابقاً) في التنكيل بكافة أمراء وأميرات آل سعود، وقتلوهم ولو تعلّقوا بأستار الكعبة.

ألغى المجلس العسكري الملكية وأعلن إقامة جمهورية برلمانية حجازية، خاض انتخاباتها الضباط الأحرار ونجحوا باكتساح، وفي حفل تنصيبهم دعوا جمال عبدالناصر لإلقاء كلمة داعمة مثلما سيفعل مستقبلاً مع القذافي في ليبيا، وبجوار ساحة الحرم، انتصبت قامة عبدالناصر عالياً وهو يخطب في الحجازيين بأنهم، أخيراً، تخلصوا من نظامهم الرجعي، وأن قادتهم الجدد سيقودونهم نحو الحرية والرفعة.

سوريا: حافظ جديد يقفز إلى الصدارة

بعكس بقية الدول العربية، لم يوفّر تحقيق النصر أي مكسب معنوي لرئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي. فالجميع، في سوريا وخارجها، كانوا يعلمون أنه رئيس بلا صلاحيات تقريباً، بينما توزعت القوة كلها في يدي الرجل الأقوى بالدولة صلاح جديد أمين حزب البعث، والرجل الثاني وزير الدفاع حافظ الأسد.

عقب انفضاض أيام حمى الانتصار، وانتهاء فعاليات مظاهرات الفرح في شوارع دمشق، لم تعرف سوريا الاستقرار كما قد يتخيّل، لأن الزخم الشعبي الذي تدفق على الرجلين حتّم على سوريا ألا تجتمع لهما معاً. تمتّع جديد من موقعه القوي في حزب البعث بالدعمٍ السياسي، فيما استأثر حافظ الأسد بالقوة العسكرية من خلال قيادته للجيش، ومن خلال مراكز قوة كل واحدٍ منهما بدأت الاجتماعات الحثيثة للاستئثار بالسلطة.

تفجر الصراع إلى العلن حين نظّم جديد مؤتمراً حزبياً طارئاً لبحث سلوكيات وزارة الدفاع بعد الحرب، واتّخذت القيادات قراراً بالإجماع بإقالة حافظ الأسد، وحينما حاول الأخير التمرّد على هذه القرارات بوحدات الجيش، باغته جديد بمظاهرات مدبرة احتشدت في الشوارع، أعاقت الجنود عن التصرّف، وفي النهاية ألقي القبض على حافظ الأسد وصديقه الحميم مصطفى طلاس، وألقي بهم سجن المزة العسكري.

وبموجب استفتاء شعبي، أصبح جديد رئيساً للجمهورية، ليدخل دائرة الضوء للمرة الأولى بعد أعوامٍ من حكم سوريا في الظل، ويكون قراره الأول هو اجتثاث كافة الضباط البعثيين من الجيش؛ اعتقاداً منه انهم لا يزالون على ولائهم لحافظ الأسد.

العراق: إعدام البكر وصدام حسين

أتى النصر هدية على طبقٍ من ذهب للرئيس العراقي عبدالرحمن عارف، الذي تولّى الحكم بعد أخيه القائد الثوري عبدالسلام عارف. لم يرث منه الحزم والصرامة اللتين اشتهر بهما أخوه، وإنما غلبت روح التسامح واللين على طباعه، فرفض التصديق على أحكام الإعدام، وأفسح المجال للمعارضين للتحرّك بحرية، وهو مالم يكن ملائماً لطبيعة بلدٍ صعب المراس يعيش فترة سيولة سياسية كالعراق، فبدأت العديد من الجماعات السياسية والعسكرية التخطيط للإطاحة به، وهو ما بات مستحيلاً عقب 5 يونيو.

فصحيح، أن الجيش العراقي لم يخض حرباً حقيقية في هذا اليوم، واكتفى بالتصدّي للطائرات الصيهونية التي حاولت قصف قاعدة "الأنبار"، أسقطت الطائرات بقادتها، وهنا تخلّى عبدالرحمن عن لينه المعروف، فأمر بشنق الطيارين الصهاينة علناً في قلب بغداد، وبصلب كلا الطيارتين في شارع الرشيد، وهو تحديداً الشارع الرئيسي الذي كان يخطط معارضوه للتظاهر فيه من أجل إسقاطه.

بموجب استفتاء شعبي، أصبح صلاح جديد رئيساً للجمهورية، ليدخل دائرة الضوء للمرة الأولى بعد أعوامٍ من حكم سوريا في الظل، ويكون قراره الأول هو اجتثاث كافة الضباط البعثيين من الجيش؛ اعتقاداً منه انهم لا يزالون على ولائهم لحافظ الأسد... "كان صرحًا من خيال" ملف التاريخ البديل في ر22

نال عبدالرحمن من الحب جانباً ومن النصر نصيباً في تثبيت عرشه المتداعي، وهو ما حاول استغلاله سريعاً عبر توجيه ضربات استباقية موجعة لأقوى التيارات السياسية المعارضة له،  تجاه كتلتي حزب البعث الرئيسيتين في البلاد؛ الأولى بقيادة المؤسّس فؤاد الركابي، والأخرى بزعامة أحمد حسن البكر وقريبه الكادر البعثي الشاب صدام حسين.

لم تؤمّن هذه الإجراءات الحكم لعبدالرحمن عارف كما ظنَّ، لأن الجيش المنتشي بانقلابات أقرانه المتتالية في سوريا والسعودية، اعتبر أن بلوغه الحكم أولوية قصوى، وأن العسكريين وحدهم هم القادرون على انتزاع السلطة من بين يدي عارف بسبب ما يمتلكونه من شعبية بعد نصر يونيو. هنا لمع اسم القائدين العسكريين إبراهيم الداود وعبدالرزاق النايف، اللذين خضع الجيش لسيطرتهما المطلقة، وفي ظل غياب القوى السياسية البارزة، كان نجاح الانقلاب أسهل من المتوقع، خاصة في ظل الدعم المعنوي الآتي من القاهرة.

كنَّ عبدالناصر كراهية كبيرة للثنائي البكر وصدام حسين، ووصف الأخير في اجتماع خاص بأنه "بلطجي"، لذا كان أول قرار اتخذته الحكومة العسكرية الجديدة هو إعدامهما، لتقديم عربون ود لزعيم العرب الأول، فيما أبدت تسامحاً مع عبدالرحمن عارف لتأكّد أعضائها أن لا خطر منه على النظام الجديد.

مصر مجدداً: فليسقط عبدالناصر

بعد مرور بضعة أشهر على النصر الكاسح، وصل المد الناصري إلى أقصاه؛ رسمت صورة عبدالناصر على لافتات المحتجين في كافة البلاد الصغيرة الطامحة للتحرر من قبضة الكبار، تصدّر اسمه مانشيتات الصحف العالمية، وبات قادة أوروبا أكثر قابلية لقبول زعامته للمنطقة. صار الأمر كما خطط له وأكثر إلا في مكانٍ واحد... مصر!

عانَى عبدالناصر داخل بلاده من الكثير من التهميش، فالقرارات الكبرى أصبحت تتخذ بمعزلٍ عنه وحتى عن مجلس الوزراء، دسّت وزارة الدفاع أنفها في كل شيء، واعتبرت أن الحرب منحتها شرعية ابتلاع كل الهيئات والوزرات. على الرغم من فرحة المصريين بالنصر، جرت عمليات اعتقال واسعة النطاق، وامتلأت السجون الحربية عن آخرها، بما فيهم مؤيدون مخلصون لعبدالناصر!

فبعدما حقق جيشه النصر على الإسرائيليين، أصيب عامر بالتخمة، واعتبر أنه لابد وأن ينال نصيباً من ذلك الزخم العالمي، فقرّر الإطاحة بعبدالناصر من منصبه. أعاد عامر تجديد خطة قديمة حملت الاسم الكودي "نصر"، تضمنت احتلال القاهرة والقبض على عبدالناصر وأقرب رجاله المقرّبين. علم عبدالناصر بالخطة قبل ساعاتٍ من تنفيذها وحينما حاوَل مقاومتها بالاعتماد على باقي الأجهزة الأمنية، حاول تنفيذ انقلاب مضاد، خاف الجميع من تحدّي الجيش فتخلّوا عنه، ولم يفق عبدالناصر من صدمته إلا وقوة عسكرية تلقي القبض عليه.

وفي نهاية عام 1967م كان عبدالناصر يودع في سجنٍ سرّي، بانتظار محاكمته بالخيانة العظمى، فيما أعلن عامر في خطبة بليغة بميدان التحرير أنه اضطر لهذه الخطوة بسبب رفض ناصر المستمر لمحاولات الديمقراطية والإصلاح السياسي التي تمنّاها عامر، لذا قرّر إزاحته وتنفيذها بنفسه، فصفّقت الجماهير بحرارة ولم تتوقف عن الدعاء له بالتوفيق، بعدما رفعت له لافتات لقّبته بـ"مشير النصر".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard