إجبارية "جواز التلقيح" تثير غضباً ومخاوف في المغرب

الأحد 31 أكتوبر 202104:20 م

مواطنٌ لا يستفيد من خدمات الإدارة، وطالبٌ لا يُسمح له بولوج مؤسسته التعليمية، وبرلمانية ممنوعة من دخول مجلس النواب، وشابة يلاحقها الشرطي في الشارع: "أين جوازك!". هذا هو الوضع حالياً، في المغرب، بعد قرار الحكومة اعتماد "جواز التلقيح" ضد فيروس كوفيد19 كوثيقة إجبارية للتنقل بين الأقاليم، وولوج الإدارات، والمقاهي، والفضاءات المغلقة، والسّفر إلى الخارج.

تشهد البلاد منذ أسبوعين احتجاجات في مدن عدة، أبرزها العاصمة الرباط، والدار البيضاء التي فضّت فيها قوات الأمن مظاهرات أتت في سياق ردود فعل غاضبة منذ بداية العمل بالقرار رسمياً، الخميس 21 تشرين الأول/ أكتوبر، مع تباين في الآراء، بين قسم يرحّب به، وآخر معارض يسوده التخوف من الآثار السلبية التي قد تترتب عن القرار.

هل يبدد الإكراه المخاوف؟

"من حقي أن أخاف من اللّقاح، هذا جسمي". يقول أيوب (اسم مستعار)، مبرراً عدم الامتثال لقرار الحكومة، ويضيف الشاب المغربي، لرصيف 22: "كيف لي أن أجرؤ على أخذ جرعات قد ترافقها مضاعفات جانبية تصل إلى الموت"، مشيراً إلى وفيات جرى تسجيلها في صفوف مواطنين، بعد تلقيهم الجرعات بوقت قصير، وهو ما تنفي الجهات الرسمية صلته باللقاح. ويسترسل قائلاً: "لو لاحظنا أي اهتمام بالمتضررين، جراء مضاعفات اللقاح، ربما كنت من الذين يسارعون إليه من دون تردد".

"لو لاحظنا اهتماماً بالمتضرّرين جرّاء مضاعفات اللقاح، ربما كنت من الذين يسارعون. من حقي أن أخاف، هذا جسمي!". مغاربة يرفضون إلزامية "جواز التلقيح"

يبدو أن عدم اقتناع المواطنين، مثل أيوب، بتلقي اللقاحات المضادة لفيروس كوفيد19، سببه الرئيسي "الشكوك حول معاناة أجسامهم من أمراض قد تتفاقم خطورتها مع أخذ اللقاح".

في هذا السياق، تحدث أطباء وصيادلة، في رسالة مفتوحة إلى اللجنة العلمية الوطنية للتلقيح، ووزير الصحة المغربي، عن ظهور آثار جانبية، ذكروا منها "التشنّجات، والتهاب الدماغ والنخاع الحاد، والشّلل، وفقدان البصر".

بالإضافة إلى التهاب عضلة القلب، وزيادة حالات الإجهاض، واضطرابات الدورة الشهرية لدى النساء، مع ارتفاع احتمال حدوث تشوهات على مستوى الرحم، مشيرين أيضاً إلى تسجيل وفيات ذكروا منها أسماء ثلاثة أطفال.

ينفي عضو اللجنة العلمية الوطنية للتلقيح، مصطفى ناجي، تسجيل أي مضاعفات خطيرة مرتبطة باللقاحات في المغرب، ويقول لرصيف22: "إنه من الممكن أن تكون لهؤلاء المواطنين أمراض أخرى، فتزامن ما حدث لهم من أعراض مع تلقيهم جرعات اللقاح".

ويوضح ناجي: "لا بد من التثبت من طبيعة الوضع الصحي لدى المواطن، وعدم مروره بأي من الأمراض المزمنة، أو ضعف في المناعة، قبل أخذه اللقاح"، وإلاّ فإن الطبيب يطلب منه الانصراف، ويضيف المتحدث: "مع تحديد موعد آخر تتحسن فيه الحالة الصحية للمريض".

وفي هذه الحالة، يحرّر الطبيب للمريض شهادةً توضح إعفاءه من أخذ اللقاح، حتى يمارس حياته اليومية بشكل عادي.



ويؤكد المتحدث أن لهذه اللقاحات سلبيات، كما لها إيجابيات قدّرها بنسبة 99 في المئة، "لكن هل يعقل التركيز على السلبيات، وإهمال الإيجابيات؟"، يتساءل الناجي مشددا على أن "المغرب عاش في الفترة الحالية نفسها من العام الماضي، دخول الكثير من المصابين بفيروس كورونا إلى المستشفيات بحالات حرجة، على خلاف هذا العام، الذي لم نسجّل خلاله مثل هذه الحالات، بفضل عملية التلقيح".

وحول أسباب إلزام المواطنين بجواز التلقيح، يقول ناجي إنه "تبين أن عملية التلقيح تسير ببطء، مع وجود فئة كبيرة من المواطنين لم تتلقَ اللقاح، تشمل ثمانية ملايين مواطن"، ما يشكل، حسب المتحدث لرصيف22 "خطراً" على المناعة الجماعية التي يريد المغرب الوصول إليها.

ويرى الخبير في علم الفيروسات في كلية الطب في جامعة الحسن الثاني، أن قرار الحكومة إلزام المواطنين بجواز التلقيح، من شأنه أن يدعم هذه المناعة الجماعية.

من جهته، يشدد المستشار السابق لمنظمة الصحة العالمية، عزيز غالي، على أنه "من الناحية العلمية، ولحدود اليوم، أثبتت الدراسات أن الملقَّحين يصابون أيضاً بفيروس كورونا، وينقلون العدوى إلى غيرهم"، مشيراً إلى أن الأمر يتعلق حتى "بالذين تلقوا ثلاث جرعات".

ويلفت غالي في حديث مع رصيف22، إلى أن إلزامية جواز التلقيح "لا جدوى منها علمياً، مع استمرار إصابة الأشخاص الذين يحملونه بالفيروس، وتالياً نقل العدوى إلى الآخرين".

وبدورهم، ذهب الأطباء والصيادلة الموقِّعون على رسالة، طلبوا فيها من وزير الصحة وقف التلقيح ضد فيروس كورونا بالنسبة إلى القاصرين، واحترام حرية الاختيار في تلقي اللقاح بالنسبة إلى البالغين، إلى: "عدم ثبوت فاعلية اللقاحات التي ما زالت في طور الاختبار حتى الساعة"، مشيرين إلى أن جواز التلقيح "يصنع أماناً وهمياً يجعل المواطنين لا يحترمون تدابير الحماية من الإصابة بالفيروس، ما قد يشكل خطراً على الصحة العامة".

وأفادت الرسالة، التي اطّلع رصيف22، على نسخة منها، بأن "المناعة الطبيعية التي تنتج عن الإصابة بالفيروس أكمل وأدوم من مناعة اللقاح".

جواز "للحياة الطبيعية"

يرفض الشاب أيوب قرار إلزامية جواز التلقيح، لأنه "يقيّد حرية المواطن المغربي في التنقل والاستفادة من الخدمات العمومية"، ويتجاوز ذلك، حسب تعبيره، إلى استهداف حق الفرد في العمل، والدراسة، وعدد من النشاطات اليومية.

"لم يعد من حقي دخول الجامعة، واستخراج وثيقة إدارية، بل وحرمتُ حتى من حق الاستمتاع بشرب فنجان قهوتي المفضلة داخل مقهى، أو الذهاب إلى التسوق، ماذا بعد؟"؛ يتساءل أيوب، ويجيب: "لا ينقص سوى إسقاط الجنسية".

الفئة التي ينتمي إليها الشاب العشرينيّ، لم تكن المتضرر الوحيد من إلزامية "جواز التلقيح"، إذ بلغ هذا القرار حد تقييد دخول النواب إلى مبنى البرلمان المغربي في الرباط، مثلما حدّ من حرية المهنيين، والطلبة، وعموم المواطنين.

النائبة عن حزب الاشتراكي الموحد، نبيلة منيب، واحدة من الذين منعتهم عناصر الأمن من الدخول إلى مجلس النواب، لحضور جلسة الأسئلة الشفهية، بعد رفضها الإدلاء بجواز التلقيح، على الرغم من إدلائها باختبار PCR يثبت خلوّ جسدها من فيروس كوفيد19.

وأشارت منيب، في تصريح صحافي، إلى أنها "لا تعارض التلقيح"، لكنها ترى أنه "مسألة اختيارية"، مشددة على أنه "لا يمكن أن يتم تجاوز الدستور الذي يكفل الحرية للمواطنين والمواطنات"، عادّةً "قانون حالة الطوارئ الصحية، يُستعمَل في المغرب من أجل تجاوز الدستور".

"لم يعد من حقي دخول الجامعة، أو استخراج وثيقة إدارية، وحرمتُ حتى من حق الاستمتاع بشرب فنجان قهوتي المفضلة، داخل مقهى، أو الذهاب إلى التسوق، ماذا بعد؟"

وبخصوص هذه النقطة يقول عزيز غالي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في حديث مع رصيف22، إن فرض هذا القرار على المواطنين يعني أيضاً "منع العديد من الأطفال من حقهم في الدراسة"، وبوجود آباء يرفضون تلقيح أطفالهم، سيكون على هؤلاء التلاميذ تحمّل النتيجة، وهي حرمانهم من دخول فصولهم الدراسية.

كما تساءل حول "ما إذا كانت الدولة ستلجأ إلى طرد الموظفين الذين يرفضون التلقيح، أو إلى سلوك النهج نفسه الذي عملت به فرنسا، بإعطاء غير الملقَّحين عطلةً غير مؤدى عنها"، وذلك في وقت، يضيف المتحدث، "تعاني فيه بعض القطاعات، وعلى رأسها الصحة، من خصاص في الموارد البشرية".

واستنكر غالي تطبيق إجبارية تقديم جواز التلقيح، من أجل الدخول إلى المستشفيات والمراكز الصحية أيضاً، وقال: "إنه ليس من المعقول أن يتم حرمان شخص من حقه في الطبابة، وتعريض حياته للخطر، بحجة أنه غير حاصل على جواز التلقيح، فهذا يجعل الدولة تحت المساءلة الجنائية بِعَدَمِ تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر".

ولفت الحقوقي المغربي الانتباه إلى أن قرار الحكومة الأخير ينتهك حتى سرية المعطيات الخاصة للأشخاص، "فبأي حق يطلب مشرف أو عامل في مرفق ما، من مواطن، تسليمه شهادة طبية تثبت أنه حامل لمرض لا يسمح له بالتلقيح؟"، يتساءل المتحدث، ويشدد على أن من حق المواطنين أن يرفضوا التلقيح، كما من حقهم أن تُحفظ لهم الحقوق الأخرى كلها".

وأوضح أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي يرأسها، لا تقول بعدم التلقيح، "ولكنها ترفض تعسف الدولة مع المواطنين، وفرض التلقيح عليهم على الرغم من رفضهم له"، معلناً تبني الجمعية ما سيحال عليها من ملفات المواطنين، كله.

نقاش سياسي أم إسهام في الحلول؟

بالإضافة إلى الجمعية، أعلنت تنظيمات سياسية، ونقابات عمالية، وهيئات مهنية، رفضها قرار إلزامية جواز التلقيح، مطالبةً الحكومة باحترام حرية الاختيار في تلقي اللقاح المضاد لكوفيد19، ومن بين هذه الهيئات تحالف أحزاب اليسار، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب العدالة والتنمية، وجماعة العدل والإحسان، فضلاً عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ونقابة المحامين في المغرب.

ودعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الحكومة، في رسالة مفتوحة، الثلاثاء 26 تشرين الأول/ أكتوبر، إلى التراجع عن قرار إلزامية جواز التلقيح، ما سيبقي "المجال مفتوحاً لإتمام عملية التلقيح بإرادة حرة وفي جو من الإقناع والاقتناع بعيداً عن الإحساس بالإجبار والإكراه النفسي".

كما انتقدت عدم نقاش السلطة التشريعية للقرار، وتحمّل مسؤوليتها الدستورية في تشريع قوانين غير مخالفة لحقوق الإنسان وحريات المواطنين التي يكفلها الدستور المغربي، والمواثيق الأممية التي صادق عليها المغرب.

"قرار إلزامية جواز التلقيح، صدر بعدما تبين أن عملية التلقيح تسير ببطء، ما يشكل خطراً على 'المناعة الجماعية' التي يريد المغرب الوصول إليها"

فيما تساءلت الجامعة الوطنية للتعليم، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عن "كيفية تعامل وزارة التربية الوطنية مع المعلمين والطلبة غير الملقَّحين، أمام خطر المنع من ولوج المؤسسات والإدارات التعليمية؟".

وعدّت نقابة المحامين في المغرب، قرار فرض إجبارية جواز التلقيح "مفتقداً للمشروعية"، مشيرةً إلى أنه يثير إشكالات قانونية وحقوقية “تتعلق أساساً بحرمان المواطنين من الاستفادة من خدمات المرافق العمومية الحيوية، ومن حقوقهم الدستورية، كالحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في التقاضي، فضلاً عما يثيره الأمر من إشكالات قانونية مرتبطة بتحديد صفة الأشخاص المكلفين بإنفاذه".

من جهتها، حذرت جماعة العدل والإحسان، من "خطورة تداعيات القرار"، وما قد ينتج عنه "من إشكالات قانونية، وأزمات اجتماعية واقتصادية، وانتكاسات حقوقية، أمام عدم شرعيته ومشروعيته من جهة، وغياب آليات نظامية واضحة لتنزيله من جهة أخرى".

يصف عضو اللجنة العلمية الوطنية للتلقيح، مصطفى عفيفي، ردود الفعل تجاه قرار الحكومة بـ"النقاش السياسي"، ويضيف، في حديث معنا، أن النقاش السليم يجب أن يتعلق بإنقاذ حياة المواطنين من خطر الوباء، "والحل الوحيد لحمايتهم، هو تسريع عملية اللقاح ضد كوفيد19"، داعياً الرافضين للقرار "إلى عرض حلول بديلة، إن كانت موجودة".

وفي هذا الصدد، يستنكر الحقوقي المغربي عزيز غالي، "انفراد اللجنة العلمية بإصدار التوصيات"، واتخاذ الحكومة للقرار من دون إشراك مكونات المجتمع المدني، والهيئات المهنية الطبية، والعلمية الجامعية، وممثلي الأجراء، لبلورة تصوّر وطني موحد، قادر على إعطاء حلول وإجابات علمية وموضوعية، من أجل مواجهة جماعية للوباء، ومقاربة شاملة تحمي المواطنين، وتحترم حقوقهم في الوقت نفسه.

ويستخدم المغرب لقاحات "سينوفارم"، و"أسترازينيكا"، و"فايزر"، في حملة التلقيح التي انطلقت في كانون الثاني/ يناير 2020، وتلقّى أكثر من 21 مليون شخص، جرعتَين من اللقاح، حسب آخر حصيلة رسمية، كما استفاد قرابة 800 ألف منهم من جرعة ثالثة، بدأ العمل بها مطلع شهر تشرين الأول/ أكتوبر الحالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard