10 ملايين ملقَّح... إنجاز مغربي في مواجهة كوفيد19 ومخاوف من "دلتا"

الخميس 29 يوليو 202101:06 م

استطاع المغرب أن يحقق إنجازاً في حملة التلقيح لمواجهة كوفيد19. آخر المعطيات التي نشرتها وزارة الصحة، أكدت على أن حملة التلقيح اخترقت سقف العشرة ملايين شخص حصلوا على جرعتين، وأكثر من 12 مليون شخص حصلوا على جرعة واحدة من اللقاح.

هكذا، فإن الذين حصلوا على جرعتين، كلهم لهم الحق في الحصول على "جواز السفر اللّقاحي" الذي يمنح حريّة التنقل بين مناطق المغرب، من دون طلب رخصة خاصة من السلطات، كانت قد فُرضت في حالة الطوارئ الصحية المفروضة لمواجهة الفيروس.

استطاع المغرب تحقيق إنجاز عربي وإفريقي بتلقيح أكثر من 10 ملايين شخص. عملية استدعت تظافر جهود العديد من الأجهزة، لكن المخاوف من متحور دلتا ترخي بظلالها على هذا الإنجاز

لكن متحور دلتا الذي بدأ ينتشر في البلاد، كما في دول عربية، وغربية، وعبر العالم، يحبس الأنفاس إذ سجلت آخر الاختبارات اليومية 9428 حالة مؤكدة في يوم واحد (28 تموز) . وقد اتخذت السلطات المغربية قرارات جديدة تمنع سفر من لم يحصلوا على اللقاح، بين المدن، في موسم الصيف، وبعد عيد الأضحى الذي يشهد حركة أسفار كبيرة في البلاد، كما وسّعت حملة التلقيح لتشمل الذين يبلغون 25 عاماً.

بين الإنجاز على المستوى العربي والإفريقي، والمخاوف، يسير المغرب على خطى مواجهة الفيروس بثبات، في محاولة لتفادي أزمة وبائية تعيشها دولتا الجوار؛ الجزائر وتونس.

توسيع التلقيح ومخاوف

"ليس هناك أي لقاح ذي فعالية كاملة ضد كورونا". بهذه العبارة انطلق المتخصص في السياسات والنظم الصحية ورئيس النقابة الوطنية للطب العام بالقطاع الخاص في المغرب الطيب حمضي، في الحديث عن الوضعية الوبائية في المغرب، محذراً من مخاطر تهور المواطنين، وعدم احترامهم للتدابير الوقائية، وذلك لما له من تأثير على قرار تخفيف قيود الحجر الصحي من عدمه.

وتراهن السلطات الصحية في المغرب على تلقيح 80 في المئة من السكان، من أجل كبح لجام وباء كورونا، والعودة تدريجياً إلى الحياة الطبيعية، بعد سبعة أشهر من انطلاق الحملة الوطنية للتلقيح رسمياً، بتلقي الملك محمد السادس أول جرعة من اللقاح، يوم 28 كانون الثاني/ يناير الماضي، وهي الخطوة التي صُوّرت وبُثّت على قنوات الإعلام المغربي، وتناقلتها بعض وسائل الإعلام الدولية، وبدت إشارةً رمزية تشجع السكّان على الحصول على اللقاح، خاصةً مع انتشار فكر "المؤامرة"، والمخاوف من الآثار السلبية للتلقيح.

وحسب النشرة اليومية للتلقيح الصادرة عن وزارة الصحة المغربية، فإن حصيلة الأشخاص الملقحين في المغرب منذ انطلاق الحملة الوطنية، بلغت 10 ملايين و15 ألف مُلقَّح بجرعتين؛ من الفئات الاجتماعية جميعها التي تتوافر على الشروط التي تؤهلها للاستفادة من الجرعة الثانية من التطعيم، وباتت "مناعتهم" ضمانة لعدم انزلاق البلاد نحو أزمة في المستشفيات، وارتفاع مهول في أعداد الوفيات.

نضال للحصول على اللقاحات

وتعزيزاً لمخزون الحملة الوطنية للتلقيح، تلقّى المغرب، من ضمن ما تلقّى مؤخرا، 300 ألف جرعة من لقاح جونسون آند جونسون، هبة من الولايات المتحدة الأمريكية عبر آلية الأمم المتحدة لتوزيع اللقاحات "كوفاكس"، ما يعني أن 300 ألف شخص سينضمون إلى قائمة من حصلوا على المناعة الكاملة، بحكم أن اللقاح يحتاج إلى تلقي جرعة واحدة خلافاً لباقي اللقاحات. وعلى الرغم من مخاوف السكان من أن تكون له آثار سلبية، بعد وفاة شابة في مدينة مراكش مباشرة بعد تلقيها جرعة من اللّقاح، إلا أن السلطات الصحية أكدت أنها ستنجز تحقيقاً في الحادثة، كما أكدت على سلامة الجرعات التي وصلتها.

رغم أن المغرب استطاع تلقيح 10 ملايين شخص، فإن السلطات الصحية تصر على ضرورة اتباع الإجراءات الوقائية لعدم السقوط في فخ أزمة وبائية جديدة. فما السبب؟

وأشاد القائم بأعمال السفارة الأمريكية في الرباط لورانس راندولف، بمجهود المغرب في عملية التلقيح، وصرّح قائلاً: "يقوم المغرب بحملة استثنائية من خلال تدبير عملية تلقيح ناجحة، تحت قيادة صاحب الجلالة محمد السادس، ونحن سعيدون بدعم هذه الحملة من خلال تسليم لقاحات جونسون آند جونسون".

ويتلقّى المغرب دورياً شحنات جديدة من لقاح "سينوفارم" الصيني، وتضمنت آخر شحنة مليون جرعة.

وكان المغرب يراهن في بداية حملة التلقيح على تنويع مصادره من الجرعات الثمينة، وعقد اتفاقيات مع الشركة البريطانية المنتجة للقاح أسترازنيكا، والشركة الصينية سينوفارم، توصل بموجبها إلى تفاهم للحصول على 65 مليون جرعة من اللقاحين، للوصول إلى مناعة جماعية في أسرع وقت. لكن الرياح لم تجرِ بما تشتهيه سفينة المملكة، إذ إن الأزمة الوبائية التي شهدتها الهند، وأدت إلى وفاة الآلاف، دفعت إلى منع تصدير اللقاحات المنتجة فيه إلى الخارج. وهكذا اضطر المورّد الهندي للقاح أسترازنيكا إلى التوقف عن تصدير اللقاحات الثمينة إلى المملكة، بعد انتشار الموجة الوبائية في الهند. هذا الإجراء، الذي أثّر نسبياً على الحملة المغربية للتلقيح، وأبطأها، لم يوقف طموح المملكة إلى توسيع دائرة المستفيدين من اللقاحات. لذا اتجهت المملكة إلى لقاح سينوفارم الصيني. وكانت الشريحة الأكثر هشاشة الممثلة فيمن يبلغون أكثر من خمسين عاماً، قد حصلت على اللقاح البريطاني.

ويعتمد المغرب على إستراتيجية في النقل اللوجستي، ترتكز على تخزين الجرعات في مقرّ الوكالة المستقلة للتبريد، في مدينة الدار البيضاء، التي تُعد "بنك اللقاحات" في انتظار توزيعها على بقية مناطق المملكة. كما أن انخراط أجهزة وزارة الداخلية، وموظفيها الذين يبلّغون عن موعد الحصول على اللقاح لمن لا يملكون الهواتف، أو للطبقات الهشة، ساهم في عدم فقدان الجرعات. كما تعتمد المملكة برامج معلوماتية، للتواصل مع المتعلّمين عبر الهواتف، ومواقع إلكترونية مخصصة، مما يضاعف من سلاسة الحصول على مواعيد تدفع إلى حصول عدد أكبر من السكان على اللقاح.

ويعتمد المغرب مجانية التلقيح للمواطنين جميعهم، لتحقيق المناعة لمكونات الشعب كاملة. وتستهدف الحملة 80 في المئة من سكان المغرب الذي يبلغون 36,47 مليون نسمة حسب البنك الدولي. وكان رئيس الحكومة المغربية قد سجّل في وقت سابق "التقدم المطّرد لعدد المواطنات والمواطنين المستفيدين من التلقيح، على الرغم من الصعوبات المرتبطة بتوافر اللقاح دولياً".

تفاؤل حذر

رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، قال خلال اجتماع مجلس الحكومة في نهاية حزيران/ يونيو الماضي، إن "تزايد أعداد المواطنين المستفيدين من التلقيح، يتوازى مع تحسن الوضعية الوبائية من حيث عدد الحالات النشطة، والحالات الخطيرة، والوفيات التي بقيت مستقرة، ما يستوجب المزيد من الالتزام بالإجراءات الاحترازية والصحية الفردية، حتى تتمكن بلادنا من الخروج من فترة الجائحة سالمة".

وعلى الرغم من الأمل الذي أبداه رئيس الحكومة سابقاً، تظل التساؤلات قائمة بفعل انتشار الفيروس، خاصةً منذ بداية شهر حزيران/ يوليو الماضي، بسبب مستجدين: متحور دلتا، والحركة النشطة للمغاربة المقيمين في المهجر، والذين عادوا إلى المغرب لزيارة ذويهم، وللسياحة.

وكان المغرب الذي يعتمد اقتصاده على السياحة، قد أعلن عبر قرار ملكي، عن تحفيزات أهمها أسعار تذاكر طائرات وباخرات "رمزية" لإفادة المغاربة الذين ينوون زيارة المغرب في الصيف، ما دفع إلى انتقال مئات الآلاف إليه. ومع ارتفاع عدد الإصابات إلى ما يفوق الستة آلاف إصابة يومياً، في نهاية حزيران/ يونيو الفائت، بات من الملّح أن تلجم السلطات حركة السكّان، على الرغم من الارتفاع المطرد لعدد الملقحين.

وأكد حمضي في حديثه لرصيف22 أنه لا يوجد أي لقاح يحمي من الإصابة بالفيروس بنسبة مئة في المئة، وأننا بلغنا مرحلة بات كل شيء فيها ممكناً جداً، فمن الممكن أن تعمل الدولة المغربية على تشديد الإجراءات الوقائية أكثر، متابعاً: "الهدف من الإستراتيجية الوطنية للتلقيح، هو التقليص من عدد الحالات التي تصل إلى قسم العناية المركزة. عدد من الدراسات أظهر أن الملقحين قد يصابون بالفيروس مرة ثانية، لكن لن تكون حالتهم حرجة، وعليه لن يرتفع عدد الناس الذين يدخلون إلى أقسام العناية المركزة".

هذه المخاوف تتعزز مع ارتفاع نسبة امتلاء أسرة العناية المركزة إلى 25,6 في المئة، بعد أن كانت مستقرة في نسبة 10 في المئة لأشهر.

وأضاف حمضي: "للأسف، أغلب المواطنين على غير دراية بهذه المسألة، لذا أصبحنا نتحدث عن السلوك المعاكس، وإنتاج ثقافة التهاون، وكأن الملتزمين بالإجراءات الاحترازية باتوا غرباء. هكذا وعلى الرغم من أن الوضع الوبائي متحكَّم فيه، ولدينا حملة تلقيح ناجحة، إلا أن الدراسات أكدت أن التلقيح لا يمكن أن يحمينا الآن من انفلات وبائي، لا قدر الله".

ويقول حمضي، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الفدرالية الوطنية للصحة، إنه بعد الفرحة التي ارتسمت على وجوه المواطنين، وأصحاب المهن والمقاولات، إثر قرار التخفيف من التدابير الترابية، يجب ألا تكون هناك أية سلوكيات من شأنها التسبب في انتكاسة وبائية تعيدنا إلى إجراءات تقييدية أكثر تشدداً، وهو ما حدث فعلاً من خلال فرض إجراءات، من قبيل تقليص عدد رواد المقاهي والمطاعم، ووسائل النقل، إلى خمسين في المئة.

وفي هذا السياق، لا يزال أعوان السلطة (وزارة الداخلية)، يقومون بعدد من حملات التوعية، للتأكيد على ضرورة احترام تعليمات السلطات، ووزارة الصحة، التي حذرت من خطر انتكاسة الوضع الوبائي لكوفيد19، وتفجر بؤر وبائية من جديد، وذلك بعد أسابيع من تخفيف الإجراءات الاحترازية. وهذا ما دفع إلى إعلان وزارة الصحة، قبل عيد الأضحى بيومين، عن حزمة من الإجراءات الاحترازية الجديدة، وفق إستراتيجية يتزاوج فيها التشديد مع شيء من التخفيف.

إنتاج اللقاح "المغربي" هو الحل

إن تمَّ عبور الموجتين الوبائيتين، الأولى والثانية، بأقل الخسائر البشرية الممكنة، ونجحت السلطات إلى حد الآن في تلقيح أعداد مهمة من الشعب المغربي، فإن خطر المتحوّرات الجديدة التي لا تنفك تظهر، يفرض الحاجة إلى إنتاج اللقاح المُضاد لكوفيد19، في السنوات القادمة، على الأراضي المغربية، حسب السلطات التي لا ترغب في تكرار سيناريو إلغاء طلبياتها من لقاح أسترازنيكا.

وكان المغرب قد عقد صفقة شراء 25 مليون جرعة منه، لكنه لم يحصل إلا على جزء بسيط منها، بسبب قرار الهند الاستفراد بما يُنتج من لقاحات على أراضيها. هكذا باتت الحاجة الملحة لإنتاج اللقاحات، خريطة طريق للمملكة التي قررت أن تتجه نحو تشييد وحدات صناعية، لإنتاج اللقاحات، ما يُعد بالنسبة إلى المغرب صمام أمان لمواجهة المستقبل، في الوقت الذي أصبحت فيه لعدد من الدول قدرة السيطرة على اللقاحات، والإنتاج لحساب دول مُعينة.

ويعتزم المغرب، بشراكة مع الصين، أن يتحول إلى منصة لإنتاج اللقاحات الموجهة إلى الاستعمال الوطني وإلى كلٍ من دول إفريقيا، ودول المغرب العربي المُجاورة، وذلك من خلال بناء وحدات عالية التقنية للإنتاج، في مدينة محمد السادس التكنولوجية في طنجة.

الهدف من الإستراتيجية الوطنية للتلقيح، هو التقليص من عدد الحالات التي تصل إلى قسم العناية المركزة. عدد من الدراسات أظهر أن الملقحين قد يصابون بالفيروس مرة ثانية، لكن لن تكون حالتهم حرجة

وكان الملك المغربي، والمدير العام لشركة سينوفارم قد أشرفا، عبر تقنية الفيديو، على مراسم التوقيع على الاتفاق الذي حضره مسؤولون كبار في الدولة المغربية، تأكيداً على أهمية الحدث.

وسيكون المشروع شراكة بين القطاعين الخاص والعام، ويهدف إلى إنتاج خمسة ملايين جرعة، شهرياً، من اللقاحات المختلفة في البداية، قبل مضاعفة القدرة الإنتاجية لاحقاً. وخُصصت للمشروع 500 مليون دولار، غلافاً مالياً. وسيستغرق تشييد هذه المشاريع عدداً من الأشهر، قبل أن يبدأ في الإنتاج الفعلي. ويُرتقب أن يتمكن المغرب من الشروع في عملية إنتاج اللقاح خلال العام المقبل.

وسيشرع المغرب في إنتاج الأدوية الحيوية المكونة من اللقاحات، وعدد من الأدوية البيولوجية، مستفيداً من الدروس التي تركتها الجائحة، حسب وزارة الصحة. إذ أكدت أن الأولوية باتت لمفهوم السيادة الوطنية، والاكتفاء الذاتي، والأمن الوطني، فلا مأوى للإنسان إلا بالاعتماد على نفسه، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعة الدوائية الرائدة، خاصة في زمن يظهر أن الأوبئة ستصبح فيه جزءاً من الحياة اليومية للشعوب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard