اللعب بالشارع... مخاطر الانزلاق إلى العنف في تونس

الأحد 31 أكتوبر 202103:16 م

في الـ25 من تموز/ يوليو، شهدت تونس مظاهرات في محافظات البلاد كلها تقريباً، مطالبةً بحل البرلمان، وصل بعضها إلى حد التهجم على مقرات حزب النهضة الحاكم، وإحراق بعضها، وإتلاف محتوياتها، احتجاجاً على سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وتنديداً بتفشي الفساد، وتفاقم ظاهرة البطالة بين الشباب. مساءً، استجاب الرئيس، وأعلن تعليق عمل البرلمان، وحل الحكومة، اعتماداً على الفصل 80، وهي خطوة عدّتها حركة النهضة الحاكمة، و"حزامها السياسي" (ائتلاف الكرامة، وحزب قلب تونس)، انقلاباً، ودعت أنصارها للالتحاق بالبرلمان، في خطوة تصعيدية سرعان ما تراجعت عنها، لوعيها بمخاطر الصدام بين قواعدها، وأنصار قرارات الرئيس الذين سارع بعضهم للالتحاق بمبنى البرلمان أيضاً.

غير أن دائرة رفض قرارات الرئيس، أخذت تتوسع، ونزل معارضو القرارات إلى الشارع الرئيس في العاصمة، في 25 أيلول/ سبتمبر، بعد حشد الأنصار عبر بعض القنوات الخاصة، ومواقع التواصل الاجتماعي، كما نزل بعض مؤيدي القرارات الاستثنائية في المكان نفسه، وأخذ الجانبان يتراشقان بالشعارات والردود، ولولا أن الأمن التونسي قد حال بينهم بنجاح، لعبر الشارع إلى "العنف المادي".

التراشق بالمظاهرات

ومن حينها، أخذ معارضو الرئيس يحشدون لمظاهرات أمام المسرح البلدي، فيرد عليهم مساندو قراراته بمظاهرة مضادة. وأخذت هذه الردود تحمل في كل مرة، اسماً مثل مظاهرة الأحد 13 تشرين الأول/ أكتوبر التي أُطلق عليها "يوم الحسم"، وعملت فيها قنوات النهضة، ومواقعها الإعلامية، ومئات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، على حشد أنصارها من كل صوب، مستخدمةً آيات قرآنية، وبعض فتاوى "رجال الدين" الموالين لها، تحت شعار "النفير العام". هي شعارات مخيفة ومرعبة، لما لها من توظيف للدين، ودخلت الساحة السياسية في مرحلة التراشق بالمظاهرات، بين مساند ومعارض.

تجلت مظاهر التجييش أولاً على مواقع التواصل الاجتماعي المناصرة لقرارات الرئيس، أو لمعارضيه، حيث تنشط مئات الصفحات والمجموعات على مدار الساعة، مستغلةً التصريحات والصور، وتصل إلى حد توظيف الإشاعات، وإخراج التصريحات من سياقاتها، وفبركة الصور والفيديوهات، وتوظيف الديني بغزارة، وانخرطت أغلبية المستخدمين في مناصرة عمياء لهذا الموقف، أو ذاك، ممارسةً عنفاً معنوياً يصل إلى حد التحرّش بمنتقدي هذا الرأي، أو ذاك، وهو تحرش رمزي. ولم يكن رئيس الجمهورية بمنأى عن ذلك، إذ انخرط بدوره في خطاب عنيف، ويشير مراراً إلى أن لديه "صواريخ على منصاتها تنتظر اللحظة لقصفهم"، وينعت معارضيه بأبشع النعوت، كان آخرها وصفهم بأنهم "حشرات"، وهي عبارات قد تشفي غليل مناصريه، ولكنها من ناحية أخرى تحرّضهم، وتزيدهم كراهيةً للآخر، وتصميماً على إعدامه رمزياً.

عنف وعنف مضاد

ويرى الباحث التونسي والمحلل السياسي، هشام الحاجي، أن "مظاهر التجيييش بعد 25 تموز/ يوليو، ازدادت وضوحاً، ومن أهم مظاهرها خطاب رئيس الجمهورية الذي استعمل مفردات لا تخلو من عنف، ضد معارضيه، فعدّهم "جراثيم"، و"حشرات"، وأغلق كل مجال للحوار معهم، بل إن هذا الخطاب يفتح الباب لاستهدافهم".

ويقول الحاجي، في تصريح لرصيف22، إنّ "من مظاهر تزايد التجييش، التجمعات التي شهدها شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، وما تخللها من عنف لفظي أحياناً، وهذا من دون أن ننسى تواصل التجييش الإلكتروني وتعمّقه إن صح القول، والذي تشهده مواقع التواصل الاجتماعي".

الجو المشحون بالكراهية والتحريض على المخالفين من الجانبين، بفبركة التهم، والتحرش بالآخرين، والاتهامات، والتخوين، لا يمكن أن تؤدي إلاّ إلى العنف المادي، عند أول شرارة

تحويل الشارع إلى أداة في الصراع السياسي، لإثبات الشرعية والمشروعية، يطرح أكثر من تساؤل عمن يحرّكه، ويموّله، ويستغله، وينفق عليه آلاف الدولارات، للبقاء في السلطة، وتبرير القرارات والمواقف السياسية؟ إذ يرى الباحث التونسي محمد السويلمي، أن أشكال توظيف الشارع بعد "مشهد 25 تموز/ يوليو، انطلاقاً من الحشد الدعائي في الفضاء الافتراضي، من خلال مواقع وتصريحات يتناقلها الجمهور السياسي، تغذّي نوازع العنف والمواجهة عنده، بالإضافة إلى الدعوة إلى النزول إلى الشارع من أطراف عدة، في مناسبات مختلفة، كصلاة الجمعة، أو العطل، أو الأعياد. ولعل الأخطر في هذا التجييش، استثمار الشبكات الاجتماعية، والموارد المالية، وقنوات الدعم اللوجيستي التي تضاعف في احتقان الشارع، وتسميم الأجواء".

مخاطر الانزلاق

يضيف السويلمي، في تصريح لرصيف22، أنه "لا أحد يمكن أن يتحكم في شارع متنوع المواقف، ومختلف النزعات والأهواء. وفضلاً عن ذلك يفضي تسخير الشارع، وحشد الجماهير، إلى تعميق الشرخ السياسي، وخلق قطيعة بين مكوناته تنعكس في تفاصيل الحياة اليومية، في الأسواق، والمقاهي، والجامعات، ووسائل الإعلام. ولعل الأخطر في حشد الشارع، هو الانتقال بالمشهد السياسي من إمكانيات الحوار والتفاعل الرصين، إلى لحظة انفلات وصدام لا يمكن احتواؤها أمنياً واجتماعياً".

عدد كبير من المتحمسين للرئيس، أو من معارضيه، هم من الشباب الذين لم يتلقوا تثقيفاً سياسياً ضد العنف. الصعوبات الاجتماعية يمكن أن توفر أرضيةً للانزلاق نحو العنف

شخصيات وطنية كثيرة تعرضت للعنف المعنوي والرمزي، بسبب مواقفها السياسية، مثل حمة الهمامي (زعيم حزب العمال)، ونزيهة رجيبة (ناشطة حقوقية)، وألفة يوسف (باحثة)، وعياض بن عاشور (باحث وأستاذ في القانون)، وأحمد نجيب الشابي (رئيس حزب الأمل) ورجاء بن سلامة (باحثة وناشطة حقوقية) التي كتبت تدوينة تشير فيها إلى هذا الخطر قائلةً: "بالإضافة إلى أن الاحترام قيمة أخلاقيّة، وحلّ لتجنّب العنف، فإنّه أساس النّجاح. أكتب هذا عن تجربة في الحياة، والتّدريس، والإدارة. الاحترام هو ألاّ تحتقر الآخرين، وألا تشتمهم، وألا تشيطنهم. وهو أن تحترم الآخرين حتّى يحترموك. والاحترام هو للخصوم أوّلاً، وقبل كلّ شيء. وللضّعفاء والمستضعفين قبل الأقوياء. البحث الاستقصائيّ والقضاء يثبتان تهمة الفساد أو الخيانة، لا صفحات فيسبوك ولا فيديوهات المهتاجين"

ودعت في التدوينة ذاتها "إلى إيقاف هذه الحرب اللّفظيّة والنّفسيّة. أدعو إلى احترام الخصوم السّياسيّين. أدعو الطّلبة والطّالبات إلى اعتبار الجامعة مكاناً لممارسة الفكر والنّقد، لا لطرد الخصوم. ضعفاء النّفوس وحدهم يعجزون عن الاحترام، والاستماع إلى الآراء المخالفة. الحوار فضيلة مدنيّة وديمقراطيّة، إن توفّرت شروطه، وهي الآن متوفّرة".

"اغتيال الرئيس"

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو توجه فيه أحد التونسيين إلى قوات الجيش والشرطة يطلب منهم اغتيال رئيس الجمهورية "لتخليص الشعب التونسي منه". وكثرت الشائعات التي كان آخر ضحاياها أحمد نجيب الشابي، بادعاء تورطه في ملف فساد فحواه أنه باع منزلاً بأكثر من خمسة ملايين دينار تونسي، من دون تسجيله، قبل أن يفند ذلك على موجات إذاعةٍ محلية.

أما معارضو ما يسمونه بـ"الانقلاب"، فقد توجهت سهامهم إلى كل من ساند قرارات 25 تموز/ يوليو، وعلى رأسهم الاتحاد العام التونسي للشغل، على الرغم من أن مساندته النقدية لم تمنح الرئيس سعيد صكاً على بياض، وكذا حصل مع شخصيات وطنية، ومنظمات اتخذت الموقف نفسه. وتالياً، يرى مراقبون أن هذا الجو المشحون بالكراهية والتحريض على المخالفين من الجانبين، بفبركة التهم، والتحرش بالآخرين، والاتهامات، والتخوين، لا يمكن أن تؤدي إلاّ إلى العنف المادي، عند أول شرارة.

الاحترام هو ألاّ تحتقر الآخرين، وألا تشتمهم، وألا تشيطنهم. وهو أن تحترم الآخرين حتّى يحترموك. والاحترام هو للخصوم أوّلاً، وقبل كلّ شيء

ويرى هشام الحاجي، في تصريحه لرصيف22، أن "الانزلاق إلى العنف يبقى احتمالاً وارداً، ولا يمكن التقليل من إمكانية حدوثه، خاصةً وأن الاحتقان أصبح حالياً، شاملاً ومعمماً، ويشمل مختلف جوانب الحياة في تونس. وهو ما يزيد من الضغط، وإمكانية الانفلات، خاصةً وأن عدداً كبيراً من المتحمسين للرئيس، أو من معارضيه، هم من الشباب الذين لم يتلقوا تثقيفاً سياسياً ضد العنف، وأن الصعوبات الاجتماعية يمكن أن توفر أرضية الانزلاق نحو العنف".

أثبت التاريخ أن الدول التي حولت صراعاتها السياسية إلى الشارع، إنما مارست لعبةً خطرة يمكن في كل لحظة فقدان السيطرة عليها، بما أن الجماهير لا يمكن إلا أن تكون عاطفيةً، ووجدانيةً، ومتحفزةً للعنف انتصاراً للرأي الذاتي، لذلك كثيراً ما يمثّل اللعب بالشارع خطوةً طويلة في اتجاه الحرب الأهلية التي حين تندلع، لا تبقي ولا تذر، لأنها مشحونة بالتحريض والكراهية والشعور بالظلم والغبن، غير أن غالبية السياسيين في تونس، سلطةً ومعارضةً، لم يعوا بعد خطورة ما بلغته البلاد من منسوب عالِ للكراهية، أو أنهم واعون لذلك، لكنهم يواصلون اعتماد لغة الصواريخ، والمحق، والتخوين، والقضاء على الآخر، فيما تواجه البلاد أزمة اقتصادية خانقة، وفساداً استشرى في كل مفاصل الدولة، بشكل غير مسبوق، حتى في زمن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، أو الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وتحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى وقفة تأمل جادة للخروج بالبلاد من أزمتها، وتقديم رؤية واضحة قبل الكارثة بثوانٍ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard