تصنيف "موديز" وتأجيل القمة الفرنكوفونية.. تونس في مواجهة كل الضغوط

الجمعة 29 أكتوبر 202104:42 م

ما زال تأجيل قمة الفرنكوفونية (منظمة الدول الناطقة بالفرنسية)، في تونس، يثير كثيراً من الجدل، بعد قرار تأجيل انعقادها إلى العام المقبل، ما يربطه البعض بالوضع السياسي الداخلي، والتدابير الاستثنائية التي أعلن عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يوم 25 تموز/ يوليو 2021، المتمثّلة أساساً في تعليق عمل البرلمان، وإعفاء الحكومة، قبل أن يعلن في 22 سبتمبر/ أيلول عن التعليق الجزئي للدستور.

ووسط مواقف دولية رافضة، أو متخوّفة ممّا حصل يوم 25 تموز/ يوليو، فإنّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد متأزّم جداً، وهو ما أبرزه التصنيف الأخير لوكالة التصنيف الائتماني "موديز"، والتي خفّضت درجة تونس من "بي3"، إلى سي إيه إيه1"، وأفادت الوكالة بأنّ التراجع يعكس ضعف الحكومة، ويزيد من صعوبات حصولها على تمويلات خارجية في الفترة القادمة.

بين التأجيل والتعليق

أعلنت منظمة الفرنكوفونية يوم 12 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، عن تأجيل القمة، التي كانت ستنظّم في تشرين الثاني/ نوفمبر، إلى تشرين الثاني/ نوفمبر من العام القادم، وذلك نظراً إلى الظروف الصحيّة التي تمرّ بها تونس، على الرغم من تراجع تفشّي فيروس كورونا فيها بشكل لافت.

وبعد يوم فقط من التأجيل، أعلنت الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية، "تعليق عضوية دول تونس، وتشاد، وغينيا، بسبب الأوضاع السياسية فيها"، وقال بيان الجمعية إن "اجتماعاً عن بعد، لمكتب المنظمة برئاسة نائب الرئيس، فرنسيس بودوان، جرى يوم 12 تشرين الأوّل/ أكتوبر، ونظر في الأوضاع الديمقراطية في دول الفضاء الفرنكفوني، واستعرض المساعي الجارية في كل من لبنان، وأرمينيا، ومالي، وتباحث في الأوضاع السياسية في دول الفضاء الفرنكفوني عموماً، وتوصل إلى قرار تعليق العضوية للدول الثلاث المذكورة"، حسب نص البيان.

وتضم الجمعية برلمانيين وممثلين عن برلمانات ومنظمات من 90 بلداً، وترفع آراءها وتوصياتها إلى المجلس الدائم لمنظمة الفرنكوفونية، وإلى اجتماع الوزراء، وقادة المنظمة.

تواجه الرئاسة التونسية ضغوطاً متزايدة بسبب الإجراءات الاستثنائية، يضاعف حدّتها تأجيل القمة الفرنكوفونية، والتصنيف الأخير لوكالة التصنيف الائتماني "موديز".

وفي السياق ذاته، قال الدبلوماسي السابق عبد الله العبيدي، في تصريح لرصيف22، إنّ الحكومة التونسية ما زالت في بدايتها، وهي بصدد الاطّلاع على الملفات، لذلك قد تكون غير قادرة على تنظيم قمّة تضمّ 87 وفداً عالي المستوى، مشيراً إلى أن الوزراء في حكومة نجلاء بودن، ما زالوا لا يعرفون بعضهم البعض، وغيْرُ مطّلعين على الملفات، لذلك هم غير قادرين على إنجاح هذه القمّة في هذا الوقت.

ورأى العبيدي أن التأجيل يعود لأسباب تقنية ولوجستية بحتة، وهو مرتبط بحداثة عهد الحكومة بمسؤولياتها، ومرتبط أيضاً بتقرير السفارات في تونس حول الوضع الأمني والسياسي هناك.

ورأى العبيدي أيضاً أنّ هناك تهويلاً مقصوداً لمسألة تعليق عضوية تونس في جمعية البرلمانات الفرنكوفونية، لأنّ هذا الهيكل هو جمعية، وليس برلماناً دولياً، تجمع برلمانيين من مختلف الدول المنظمة للمنظمة الفرنكوفونية، مشيراً إلى أن هذه الجمعية ليس لها وزن سياسي، ولا تؤثّر في قرارات المنظمة الفرنكوفونية.

وقال العبيدي إن صوت تونس السياسي والدبلوماسي كان مشتتاً، بينما توحّد هذا الصوت والموقف بعد 25 تموز/ يوليو، مبيّناً أنّه على المستوى الدبلوماسي هنالك مزيّة لـ25 تموز/ يوليو، بأن الموقف التونسي قد توحّد.

وقلّل العبيدي من الضغوط الخارجية على تونس بخصوص التدابير الاستثنائية، مؤكّداً أن الموقع الجيو سياسي لتونس مهم جداً، خاصةً في ما يتعلّق بالملف الليبي، لذلك من الصعب أن يتخذ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قرارات قاسية في حقّ تونس.

وبين تأجيل القمة الفرنكوفونية، وتعليق عضوية تونس في جمعية البرلمانات الفرنكوفونية، كشف الصحافي الكندي، إتيان فورتين غوتيي، عن موقفٍ رافضٍ داخل المنظمة الفرنكوفونية من إجراءات 25 تموز/ يوليو، مشيراً في تغريدة على حسابه الشخصي في موقع التواصل الاجتماعي تويتر، إلى أن بلاده لم تدعم تنظيم القمة الفرنكوفونية في تونس.

ونشر الصحافي الكندي، مراسَلةً تلقّاها من وزير الخارجية مارك غارنو، أوضح من خلالها موقف كندا من تنظيم القمة التي كان من المزمع عقدها هذا العام في تونس.

تأجيل قمة الفرنكوفونية، والتصنيف السلبي في "موديز"، قد يعرّضان تونس للّجوء إلى "نادي باريس" للدول الدائنة

وقال الوزير مارك غارنو: ''ما زلنا نشعر بالقلق إزاء الوضع السياسي في تونس، ولا سيما عدم وجود سقف زمني للعودة السريعة إلى الإطار الدستوري الذي يلعب فيه البرلمان دوراً مهماً''، مضيفاً أن كندا قد ''أعربت عن قلقها إزاء حالة تعليق المؤسسات الديمقراطية في تونس".


وأضاف الوزير الكندي، ''الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، هي قيم أساسية لمنظمتنا، ويلتزم رؤساء دولنا، وحكوماتنا، بدعمها وفق ما ينصّ عليه إعلان باماكو''، مشدداً على أنّ ''كندا ملتزمة بهذه القيم، وتكرر دعمها للشعب التونسي في انتقاله الديمقراطي".

وأفاد غارنو بأنّ "كندا ستواصل النقاش مع شركائها الدوليين، بما في ذلك النظر في خيارات أخرى لصالح جميع مكونات المنظمة الفرنكوفونية''.

تضارب المواقف

قرار تأجيل القمة الفرنكوفونية، ومواقف بعض الدول، رافقها تضارب في المواقف التونسية، إذ أعلن عميد الوكالة الجامعية للفرنكوفونية، التونسي سليم خلبوص، أنه تقرر تأجيل القمة الدولية للفرنكوفونية التي كان من المزمع عقدها هذا العام في جزيرة جربة التونسية.

وقال خلبوص، عبر صفحته في فيسبوك: "المجلس الدائم للفرنكوفونية الذي شاركت في اجتماعه اليوم، قرر السماح بتأجيل تنظيم مؤتمر القمة العالمي للفرنكوفونية في جربة في تونس لمدة سنة".


وتابع وزير التعليم التونسي السابق: "أتوجه بالشكر إلى الدبلوماسية التونسية، للعمل الرائع الذي بذلته للدفاع عن مصالح بلدنا، بالاحتفاظ بحق تنظيم القمة. مبروك جربة 2022".

وفي الوقت الذي أعلن فيه خلبوص تأجيل القمة، نشرت وزارة الخارجية التونسية بياناً تحدّثت فيه عن محادثات أجراها الوزير التونسي استعداداً لتنظيم القمة قبل أن تستدرك الوزارة، وتعلن أنه تم تأجيل القمة إلى سنة 2022، من أجل تأمين مشاركة حضورية واسعة على أعلى مستوى، وعدم الاضطرار إلى عقدها عن بعد.

وقالت الوزارة إنّ تونس شاركت في جلسة مشاورات لممثلي الدول والحكومات الأعضاء في المنظمة الدولية للفرنكوفونية، والتي خُصِّصت للتداول بخصوص الدورة 18 للقمة الفرنكوفونية المزمع تنظيمها في جزيرة جربة في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2021.

بعد يوم واحد فقط، أصدرت وزارة الخارجية بياناً جديداً عبّرت من خلاله عن جاهزية تونس لاحتضان القمة 18 للفرنكوفونية، في جزيرة جربة خلال هذه السنة، مشيرةً إلى أنّها بذلت جهوداً استثنائية على مستوى الإعداد المادي واللوجستي والبنية التحتية، لضمان مقوّمات النجاح كلها لهذا الاستحقاق الدولي المهم.

وقالت الوزارة إنّ تونس شرعت في بلورة مضامين القمة، ومخرجاتها، واقتراح ذلك على الدول الأعضاء للتداول في شأنها، وفقاً للمحاور المتفق عليها، ولا سيما موضوعها الرئيسي: "التواصل في إطار التنوع: التكنولوجيا الرقمية كرافد للتنمية والتضامن في الفضاء الفرنكوفوني".

موديز: "الخط الأحمر"

ووسط الصعوبات السياسية والدبلوماسية التي تعيشها تونس، أصدرت وكالة التصنيف الائتماني "موديز"، والتي خفّضت درجة تونس من "بي3" إلى سي إيه إيه1".

وقالت "موديز" في تقرير، إن "تخفيض التصنيف يعكس ضعف الحوكمة، وزيادة عدم اليقين في ما يتعلق بقدرة الحكومة على تنفيذ التدابير التي من شأنها ضمان الوصول المتجدد إلى التمويل، لتلبية الاحتياجات المرتفعة على مدى السنوات القليلة المقبلة، محذّرةً من تخلف تونس عن سداد ديونها "إذا لم يتم تأمين تمويل كبير".

وأوضحت الوكالة أن النظرة المستقبلية السلبية لوضع تونس الائتماني، "تعكس مخاطر الهبوط المتعلقة بالتأخيرات المطولة المحتملة في الإصلاحات، والتمويل المعتمد على الإصلاح، والذي من شأنه أن يؤدي إلى تآكل احتياطيات العملات الأجنبية".

وفي هذا الخصوص، قال الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، في تصريح لرصيف22، إنّ هنالك ترابطاً بين تأجيل القمة الفرنكوفونية، والموقف الأمريكي، وتصنيف وكالة "موديز" الأخير، مشيراً إلى أنّ تأجيل القمّة يعود إلى عوامل سياسية تتميّز بعدم الوضوح واليقين، وهنالك تخوفات من عدم الاستقرار السياسي في تونس، وردود الفعل التي قد تنتج عن ذلك.

تتضارب المواقف حول أسباب تأجيل قمة الفرنكوفونية في تونس، لكنها تؤشر على أزمة عميقة تطال السياسة والاقتصاد التونسيَين

وأضاف الشكندالي، أن هذا التأجيل له تداعيات سلبية خاصة بعد التصنيف الأخير لـ"موديز"، والذي سيكون من انعكاساته شحّ على مستوى العملة الصعبة، مبيّناً أن تنظيم القمة الفرنكوفونية كان يمكن أن يساهم في إعطاء مؤشرات إيجابية على الوضع في تونس، وإنعاش السياحة، والمساهمة في إيجاد عائدات بالعملة الصعبة التي تخرِج البلاد من أزمتها.

وأفاد الشكندالي، بأن المؤسسات الدولية، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية، تنتظر تجاوباً من الرئاسة التونسية بخصوص وضع سقف زمني للإجراءات الاستثنائية، والعودة إلى المسار الديمقراطي، وهذا لم يكشف عنه رئيس الجمهورية.

كما تحدّث الشكندالي، عن إمكانية دخول تونس في عزلة اقتصادية دولية، بسبب موقف بعض الدول الغربية، والمؤسسات المانحة، مما حدث في البلاد، مبيّناً أن ذلك مرتبط بقراراتها بخصوص العودة إلى المسار الديمقراطي، أو القطع معه.

وقال الشكندالي، إنّ تونس مرشّحة بقوة للجوء إلى "نادي باريس"، بعد التصنيف الأخير الذي يشير إلى أن تونس غير قادرة على الإيفاء بتعهداتها والتزاماتها المالية، وتالياً على الحكومة أن تبحث عن حلول أخرى، مثل إعادة هيكلة الديون، لأنّ التصنيف الأخير ستكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد التونسي.

ضغوط أمريكية وأوروبية

وتواجه الرئاسة التونسية خلال الفترة الأخيرة، ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي، بسبب الإجراءات الاستثنائية التي اتّخذها رئيس الدولة، وساهم تأجيل القمة الفرنكوفونية، والتصنيف الأخير لوكالة التصنيف الائتماني "موديز"، في ضغوط إضافية على السلطات، في حين أُدرِج الشأن التونسي في اجتماع الكونغرس الأمريكي ووزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي.

وحذرت اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس النواب الأمريكي، في بيان أصدرته، في اجتماع 14 تشرين الأول/ أكتوبر، من وضع الديمقراطية في تونس، وقالت إنها "مهددة، وفي خطر". جاء ذلك خلال جلسة استماع افتراضية عُقدت بمشاركة عدد من النواب والخبراء السياسيين، وحملت الجلسة عنوان "وضع الديمقراطية في تونس، والخطوات المقبلة للإدارة الأمريكية تجاه البلاد".

في المقابل، وبعد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، قال نائب رئيس المفوضية الممثل السامي لاتحاد الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، يوم 19 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021، إن المجلس عبّر عن قلقه إزاء التحدي الخطير الذي يواجه الانتقال الديمقراطي في تونس، داعياً الرئيس التونسي إلى إعادة عمل مجلس نواب الشعب، وضمان سيادة القانون.

ودعا الاتحاد إلى حشد الموارد، لتلبية تطلعات الشعب التونسي، مع الإصرار على أن أي دعم مالي لتونس، يجب أن يترافق مع إعادة تأسيس عمل مجلس نواب الشعب.

من جهته، عبّر الرئيس التونسي قيس سعيّد، عن استياء بلاده من إدراج الأوضاع فيها على أجندة الكونغرس الأمريكي للمناقشة.

واحتجّ الرئيس التونسي، خلال استقباله السفير الأمريكي لدى بلاده، دونالد بلوم، على إدراج الشأن التونسي في أعمال الكونغرس، بينما فسّر يوم 15 تشرين الأوّل/ أكتوبر، في مكالمة هاتفية مع الممثّل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة والأمنية في الاتحاد الأوروبي، دوافع الإعلان عن التدابير الاستثنائية.

وأشار رئيس الدولة، إلى المغالطات التي يعمل عدد من التونسيين على إشاعتها حول وضع الحقوق والحريات، في حين أن الباب المتعلّق بالحريات في الدستور لم يُمسّ به، بل تم تجميد أعمال المجلس النيابي بالنظر إلى أنه تحوّل إلى ميدان للصراعات، وسالت فيه الدماء في أكثر من مناسبة، وصارت بنود مشاريع القوانين بضاعةً تباع وتُشترى.

وذكّر رئيس الجمهورية بتعطّل السير العادي لدواليب الدولة، في المجلس النيابي، وفي سائر المؤسسات الأخرى، فضلاً عن انتشار الفساد، وتزايد الاحتجاجات العفوية للشباب المطالبة، على وجه الخصوص، بحلّ البرلمان.

وشدّد رئيس الجمهورية، على أن الدولة التونسية كانت على وشك السقوط، وذكّر بعدد المتوفين نتيجة جائحة كوفيد19 في بعض المستشفيات التي تفتقد أبسط المعدات، بل في بعض الأحيان تفتقد الماء الصالح للشرب، والكهرباء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard