المدرسة التونسية وظاهرة التعصب... أيّة أدوار؟

الاثنين 25 أكتوبر 202101:13 م

إذا كانت المدرسة مجالاً يُفترَض أن يكون ساحة للاختلاف، والإصغاء إلى الآخر، والاعتراف به في اختلافه وتمايزه، فإن أثر ذلك في المجتمع يبدو ضئيلاً في المجتمع التونسي، إذ تسيطر مظاهر التعصب السياسي، والديني، والطائفي، والقبلي، والجهوي، وتطفو على السطح، كلما أُثيرت مسألة من المسائل المتعلقة بهذه المجالات.

كثيراً ما نرى "كتائب" التواصل الاجتماعي تنشط، لتشويه الآخر، والسخرية منه، وإلصاق التهم به، في محاولةٍ لتصفيته رمزياً. يكفي إلقاء نظرة على إحدى الصفحات الموالية لهذا التيار السياسي، أو ذاك، على فيسبوك، أو تويتر، أو أي منبر آخر، لندرك أنّ آثار التعصب، وما يختزنه من عنف معنوي قاسٍ، باتت سمةً للنظر إلى كل مختلِف، وخطوةً تهدد في كل لحظة بأن تُترجَم إلى عنف مادي.

يطرح هذا الواقع التساؤل عن دور المدرسة في مجتمع متعلم تحاول المناهج التعليمية والمؤسسات أن تربّيه على قيم الاختلاف، واحترام الآخر.

نظرياً، تركّز المدرسة على وظيفتها التربوية، وتقدّمها على الوظيفة التعليمية، حتّى أن الوزارة المشرفة عليها تسمّي نفسها "وزارة التربية". هذا الدور النظري نستشفه من القانون التوجيهي للتربية الصادر عام 2002، والذي شدّد على الدور التربوي للمدرسة، في أكثر من فصل، بدءاً بفصله الأول الذي يعدّ "التربية أولويةً وطنيةً مطلقة"، وصولاً إلى الفصل الثالث الذي يرى أن هدف التربية "غرس ما أجمع عليه التونسيون من قيم تنعقد على تثمين العلم، والعمل، والتضامن، والتسامح، والاعتدال".

هذه المعاني تقترب مما أكّده دستور 2014، الذي ذكر في فصله الـ39، أن الدولة ينبغي أن تعمل "على تأصيل الناشئة في هويتها العربية الإسلامية، وانتمائها الوطنيّ، وعلى ترسيخ اللغة العربية، ودعمها، وتعميم استخدامها، والانفتاح على اللغات الأجنبية، والحضارات الإنسانية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان".

تقول المساعدة البيداغوجية الأستاذة رشيدة الشارني، إن المدرسة التونسية "لم تنجح في الحدّ من ظاهرة التعصب، بل بتنا نخشى أن تتحوّل إلى بؤرة لها، بسبب الانتماء الديني والسياسي لنسبة كبيرة من المدرّسين".

وتضيف لرصيف22، أن "الإسلام السياسي يسود المدرسة التونسية بشكل لا يجرؤ المسؤول معه على توجيه أي ملاحظة". وبرأيها، "لا بدّ من تحييد المدرسة والإدارة، ومراجعة البرامج، وتحديثها، وعدم تهميش العلوم الإنسانية في الشُعَب العلمية".

وتذهب الشارني إلى الحديث عن انعكاس الفقر، والعلاقات الأسرية غير المستقرة، على التلامذة، مشيرةً إلى أن "التعصب ينشأ عندما يُهمَّش التلميذ، ويُظلَم، ولا يجد سبيلاً إلى تحقيق حلمه في حياة مستقرة آمنة... وخاصةً عندما يقع تحت تأثير شخصية متعصبة تستوعب همومه، وتمارس عليه، في المقابل، ضغطاً فكرياً يدفعه إلى محاكاتها، لإثبات ذاته، ربما انتقاماً من مدرسة أهانته، ومجتمع لم يحترمه، ووطن لم يوفر له الحد الأدنى للعيش الكريم".

بين الممارسة والواقع

تفطّن المشرّع التربوي التونسي، منذ إصلاحات وزير التربية محمد الشرفي لسنة 1991، حينما عدّل مضامين كتابَي التربية الإسلامية للسنتين الخامسة والسادسة الابتدائيتَين، مزيلاً منهما مسائل لم تعد تتلاءم مع التوجه الحداثي للدولة، مثل حق الرجل في ضرب زوجته، وعدّ الخلافة نظاماً للحكم، وحدّ الردة.

تفطّن المشرع، منذ ذلك الوقت، إلى أهمية تربية التلميذ على الانفتاح والتسامح مع الآخر، وتعزز ذلك بالقانون التوجيهي للتربية لسنة 2002، الذي جاء في إطار تجربة إصلاح جديدة سعت إلى ملاءمة المدرسة التونسية مع الواقع الجديد في تونس، وفي العالم، بعد سيطرة العوالم الرقمية، وانتشارها على نطاق واسع، ولمواكبة التطورات والمعايير الدولية المعاصرة في مجالَي التربية والتعليم.

"المدرسة التونسية لم تنجح في الحدّ من ظاهرة التعصب، بل بتنا نخشى أن تتحوّل إلى بؤرة لها، بسبب الانتماء الديني والسياسي لنسبة كبيرة من المدرّسين"

انعكست آثار هذا القانون في المناهج التعليمية التي صارت تركّز على غرس مبادئ الحوار والاختلاف والقيم الكونية، وأفسحت المجال أمام التلميذ للتعبير عن رأيه، وإبداء مواقفه، داخل الفصل.

يرى متفقّد (مفتّش) المدارس الابتدائية عبد المجيد حفظوني، أن "البرامج الرسمية المعتمدة في المدرسة التونسية اليوم، تحثّ على كفايات الإنصات، وتقبّل الآخر، والعيش المشترك، وإبداء الرأي، واتخاذ الموقف المعلّل، خاصةً في المواد الاجتماعية".

ويضيف لرصيف22، أن ظاهرة التعصب، بمظاهرها المتنوعة، تعود إلى أربعة أسباب على الأقل: "أولها الحياة المدرسية، إذ على الرغم من أن وزارة التربية تخصها بإدارة عامة تشرف على التنشيط داخل النوادي، يتولى الإشراف عليها الإطار البيداغوجي، فإننا نلحظ في السنوات الأخيرة تراجع الإقبال على تنشيطها من قبل المدرّسين، بسبب غياب الإلزام، وترك الاختيار للمدرّس. والملاحَظ هنا، قلة عدد المدارس التي تحتضن نوادٍ فعلية، مع غياب الأندية ذات الأنشطة الفنية، من مسرحٍ، وتشكيلٍ، ورقص، ومعلوم دور هذه النوادي في تفتّح التلميذ، وتوسيع آفاقه، وتنمية كفاياته وقدراته".

أما السبب الثاني، فيرجعه إلى الاشتغالات داخل الفصول، إذ "ما زالت الاشتغالات، أو فن تأثيث الحصص، بعيدةً في الغالب عن التوجه التجديدي، إذ ظلّت المدرسة محافظةً، بفعل السياق المجتمعي العام أولاً، وبفعل سيطرة المنحى الكمي على حساب نوعية التعليم، أمام ضاغطتَي الزمن وكثافة المحتويات، إذ غالباً ما يتم التركيز على المعارف عوض إتاحة الفرص لممارسة التفاعل الأفقي، والتبادل بين المتعلمين، وما يصحب ذلك من صياغة فرضيات وتأويلات لا شك في أنها كانت ستكون مضيفةً ومساعدةً على نماء ملكات المتعلم، وتفتحه".

وأما السبب الثالث، فيتعلق بالتكوين المستمر، إذ إن "تعطّل تجربة المعاهد العليا لتكوين المعلمين، منذ عام 2008، كان له أثر عميق على نوعية إطار التدريس في المرحلة الابتدائية، وهو ما جعل إطار الإشراف البيداغوجي يحوّل التكوين المستمر، إلى التركيز على تحيين معارف المدرّسين، وكفاياتهم".

"التعصب ينشأ عندما يُهمَّش التلميذ، ويُظلَم، ولا يجد سبيلاً إلى تحقيق حلمه في حياة مستقرة آمنة... وخاصةً عندما يقع تحت تأثير شخصية متعصبة تستوعب همومه، وتمارس عليه، ضغطاً فكرياً يدفعه إلى محاكاتها، لإثبات ذاته"

وبرأيه، "يظل العامل الرئيس في ظهور التعصب، غياب أولوية العمل الإستراتيجي المبني على مشروع واضح الغايات والمعالم للتربية والتعليم، ليحل محله الانشغال بتدبير الشأن الراهن، من تآكل البنية الأساسية للمدارس، وتهرّم إطار التدريس من ناحية، وميله إلى المحافظة".

إشكالية المضامين التعليمية

يتلقى التلاميذ، منذ مرحلة ما قبل المدرسة، في رياض الأطفال، مفاهيم دينية إسلامية متنوعة لا تراعي طاقاتهم الذهنية والمعرفية، مثل إبليس، والجنّة، والنار، والعذاب، والكفر، والإيمان، ويُلقَّنون فكرة أن الإسلام هو الدين، بالتشديد على الألف واللام، ويعمل المربّون على تضخيم هذه التصوّرات.

يرى الأستاذ والباحث محمد السويلمي، بعد قرابة 25 عاماً من التدريس في التعليم الثانوي، "أنه من الواضح أن المواد التعليمية في المدرسة التونسية، بيئة خصبة لتمرير ثقافة العنف، واستعداء الآخر".

يستدلّ على حكمه بـ"محور "الحماسة"، وهو المحور الأول في مادة العربية، في قسم الأدب القديم، ويتضمن نصوصاً شعرية لأبي الطيّب المتنبي، وابن هانئ الأندلسي، تدور حول معاني البطولة والحرب، يمدح فيها الشاعران بطولات الممدوح، ويتغنّيان بخصاله الحربية الفاتكة بأعدائه وخصومه، ولا تخلو من مشاهد دموية تمجّد الخلافة، والحرب، والبطش، والعنف، والجهاد.

ويضيف السويلمي، لرصيف22: "يكفي أن نتفحّص المضامين القيمية لمحور ‘الحماسة’، على سبيل التمثيل لا الحصر، لنجدها تتمحور حول البطش بالعدو، وصون المقدسات، وإعلاء راية الإسلام، وهي قيم تتناغم كثيراً مع أيديولوجيا التطرف الحديث التي تزجّ بالمقدس في أتون المواجهات السياسية. وبهذا، فالموادّ التعليمية شأن محور ‘الحماسة’، لا تعزّز وجوه التثاقف، ولا تخفّف من وطأة المشاحنات، بل تقدّم الآخر على أنه خطر وجودي وسياسي".

ويشرح أن هذا المحور الذي يُدرَّس في السنة الرابعة ثانوي (تخصص آداب)، يسترجع "أجواء الصدام الحضاري والعسكري والسياسي مع المخالفين في الدين والعرق والثقافة، كالروم والنصارى، في سياقٍ راهن يتّسم بالاحتراب، وتنامي موجات التطرف العنيف، خاصةً وأنّ هذا المحور تحديداً يحفل بكثير من المشاهد الشعرية التي تحتفي بالدموية، وأفانين التقتيل، والحرق، والإبادة، وتصوّرها في لوحات رائقة تستهوي الناشئة، وتغذّي نزوعهم إلى العنف والمواجهة".

المدرسة وواقعها

تبدو المدرسة اليوم، متجاوَزةً ومتخلفةً عن واقعها الذي طار عنها بعيداً، في حين ظلت فضاء منغلقاً يرفض الانفتاح على محيطه، لا من حيث المضامين التي تمررها إلى المتعلمين، بل من حيث الطرائق التعليمية في حد ذاتها.

وشرعت وزارة التربية، عام 2015، في عملية إصلاح تربوي كانت مطلباً وطنياً ملحّاً، بمشاركة الجامعة العامة للتعليم الثانوي (النقابة)، والمعهد العربي لحقوق الإنسان، وعلّق الجميع على ذلك آمالاً كبيرة في مصالحة المدرسة مع زمنها وواقعها، غير أن هذا المسار انقطع فجأةً، وظل مطلب الإصلاح معلّقاً، بعد أن أُودِع مشروع القانون في مجلس نواب الشعب، وظل في أدراجه، بسبب حسابات سياسية وأيديولوجية ضيقة.

"يتلقى التلاميذ، منذ مرحلة ما قبل المدرسة، مفاهيم دينية إسلامية متنوعة لا تراعي طاقاتهم الذهنية والمعرفية، مثل إبليس، والجنّة، والنار، والعذاب، والكفر، والإيمان، ويُلقَّنون فكرة أن الإسلام هو الدين، بالتشديد على الألف واللام"

وعلى الرغم من أن الرئيس الحالي قيس سعيّد تحدث، منذ عام 2012، عن إحداث مجلس أعلى للتربية يتولى الإشراف على هذا القطاع المهم، ووعد في حملته الانتخابية عام 2019، بأن يكون مشروع قانون إحداث هذا المجلس على رأس أولوياته، إذا اعتلى سدة الرئاسة، فإن ذلك لم يحصل إلى الآن، بعد عامين من توليه هذا المنصب.

ترى الدكتورة نورة اليوسفي، المتفقدة العامة للتربية، أن ظاهرة التعصب عائدة أساساً إلى تركيز "غالبية المناهج التعليمية على المضامين المعرفية بالأساس، كعملية النقل التعليمي، وبناء المحتويات، وهيكلتها، وضبط الزمن المدرسي، وغيرها من الجوانب المتعلقة بالمعارف القابلة للتدريس، بينما تحتل الطرائق التعليمية مكانةً ثانويةً مقارنةً بالجانب المعرفي".

وتضيف اليوسفي، لرصيف22، أن "هذا المنحى للمناهج، يؤثّر في الممارسة البيداغوجية للمدرّسين، فنراهم يولون اهتماماً أكبر للمعرفة، من دون أن ينتبهوا إلى خطورة الطرائق التي يعتمدونها، وهي طرائق تتميز بالتكرار، وترتبط في جوانب عدة منها، بلا وعي المدرّس، لأنها تتصل بالجوانب السلوكية، وبتاريخه الشخصي، وبمستوى تكوينه، وغيرها من العوامل المحددة لنمط الممارسة التعليمية".

إشكالية الطرائق التعليمية

رأى القانون التوجيهي للتربية لسنة 2002، أن "التلميذ محور العملية التربوية"، وجعله بانياً للمعرفة بنفسه، للحد من طريقة التلقين التقليدية التسلطية، إلا أنّ ذلك ظل اعتباراً نظرياً لم يُترجَم إلى ممارسة فعلية.

وتقول الدكتورة اليوسفي، مؤكدةً هذا المنحى، إنه "على الرغم مما يدعو إليه المشرّع التربوي من تنزيل المتعلم منزلة الفاعل في بناء علومه، فإنه في مستوى الطرائق التعليمية لم يترجم هذه التصورات إلى ممارسة فعلية في واقع الفصل".

وعليه، تتابع، "ظلت الممارسة حبيسة الطرائق السلوكية المتمثلة في تمرير المعارف، وحفظها، من قبل المتعلم، لإعادة استرجاعها في المحطات التقييمية وغيرها، ولم ترتقِ تلك الطرائق إلى مستوى تحقيق الاستقلالية، والتعلم الذاتي، وبناء المعارف".

وبرأيها، "في غياب الآليات التي تساعد المدرّس على تحقيق هذه الأهداف، بقيت العلاقة البيداغوجية عاموديةً، ومتسمةً بالكثير من التسلط والتعسف على حاجة المتعلمين إلى التفاعل الحر، والنقد، والمساهمة في التخطيط للعلوم، والبناء المشترك للمشاريع التعلمية".

وتخلص، تالياً، إلى أن "هذه الأساليب تهيّئ لنوع من السلبية والنفور، وانغلاق المتعلم على ذاته، ورفض الآخر"، مضيفةً أن "غياب مناخ فصلي مبني على نوع من التشاركية في بناء المشروع التعليمي، والثقة المتبادلة، يجعل الفعل التعليمي عبئاً خالياً من أي دافعية أو دلالة، وفعلاً يثقل كاهل المتعلم، ويزيد في إعراضه عن المشاركة الفاعلة في بناء علومه، ليصبح مجرد آلة للشحن، وهدفاً للتقييم".

وتختم بأن "السباق المحموم نحو المعارف وحدها، من دون ربطها بطرائق تعليمية نشطة تساعد على نمو الذات بشكل مستقل ومتوازن، يمثّل خطراً على تشكل شخصية المتعلم على المدى القصير، وعلى تكوين مواطن الغد على المدى البعيد، ما يجعل التفكير في الطرائق التعليمية، رهاناً حقيقياً لنجاح النظم التربوية التي تضع بناء الإنسان غايةً لها، وهدفاً أسمى".

ملف الإصلاح التربوي والإرادة السياسية

عام 2019، قدّم المرصد الوطني للعنف المدرسي، وهو منظمة تونسية غير حكومية، إحصائيةً مرعبة عن العنف داخل الفضاء المدرسي، إذ أحصى 4568 حالة عنف صادرة عن تلاميذ، تجاه الإطار التربوي، منها 2266 حالة اعتداء لفظي، و2302 حالة اعتداء مادي، وهي أرقام تعكس تدنّي فاعلية القيم التي يُفترَض أن يكون التلاميذ قد تلقّوها في المدرسة، مثل الانفتاح، والاحترام، ونبذ التعصب، والعنف.

وما زالت هذه الظاهرة مستفحلةً، بل إنها في ازدياد، إذ قد كشفت الإحصائية ذاتها، أن حالات العنف حققت زيادة ثلاثة في المئة، مقارنةً بعام 2018، في حين تكتفي الدولة بوصفها المقرر الأول للسياسات التعليمية، والمخطِّط لها، بمراقبة الحالة وهي تسوء يوماً بعد يوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard