إن طال الصمت في تونس، قد تصل هراوة الأمن قبل الفرج

الاثنين 25 أكتوبر 202104:20 م

لا يشبه الرئيسُ التونسي قيس سعيّد، في شعبويته، أحداً، على الرغم من أنه يستعير ببراعة، من أنماط شعبوية مختلفة يعيد إنتاجها على طريقته. يشبه سعيّد جهابذةَ ديكتاتوريات العالم العربي في الأنظمة الآفلة، بلغته الخشبية، وإفراطه في الاستعانة بتراث الأدب العربي، ونصوص القرآن، والحديث، وفي نبرته الفوقية التلقينية.

لكنه لا يقارع عتاة النرجسيين منهم، من أمثال ديكتاتور ليبيا السابق، معمّر القذافي، في قدرته على الاستعراض، والسخرية، وفي هوسه بالخطابة، والغمز، واللمز، واللسع. يستعير من بعضهم، أمثال عبد الفتاح السيسي، وصدام حسين، خطاب التخويف من الخطر الداهم من الخارج، باسم الدفاع عن السيادة الوطنية في وجه التدخل الخارجي، وهو خطاب يبثّه أنصاره على شبكات التواصل الاجتماعي، متّهمين المعلّقين على الشأن التونسي، بالاستشراق، أو بالارتهان، إذا ما انتقدوا استيلاء رئيسهم على السلطة.

يشبه سعيّد الرئيس الأمريكي السابق الشعبوي دونالد ترامب، في سعيه إلى تقزيم خصومه، ويشبّههم بالباكتيريا السياسية، والحشرات، ويلقّبهم بالشيطان، ويصبّ عليهم غضبه، ناعتاً إياهم بالخونة، والمرتهنين للخارج. لكنه لا يقارع ترامب في قدرة الأخير على الإضحاك، والمفاجأة، في سوقية تصل إلى حد البذاءة. استعار من ترامب أخيراً ادّعاءه بأن 1.8 مليون شخص خرجوا إلى الشارع، تأييداُ له، في حين أن الرقم لم يزد عن 800 ألف، حسب وكالة الأنباء الرسمية، وكان ترامب ادّعى أن حجم الحضور الشعبي في حفل تنصيبه فاق بكثير الحضور الشعبي في حفل تنصيب سلفه باراك أوباما.

يشبه سعيّد الرئيس الأمريكي السابق الشعبوي دونالد ترامب، في سعيه إلى تقزيم خصومه، ويشبّههم بالباكتيريا السياسية، والحشرات، ويلقّبهم بالشيطان

يستعير سعيّد أيضاً، من زعيم حزب العمال البريطاني السابق الشعبوي اليساري جيريمي كوربن، تقمّصه دور الأب المسؤول، نصير الشباب، والحريص على مستقبلهم، على الرغم من أن خطاب سعيّد يقبع في الماضي، ولا يمت إلى المستقبل والحداثة بصلة. وهو بالضرورة لا يقارع كوربن في مسيرة الأخير النضالية الراسخة في الانتصار لحقوق العمال والمعوزين، لسنوات قبل تزعّمه حزب العمال، وفي شعبيته الحقيقية في أوساط شباب يرون في أسلوبه نقاء السياسة الخارجة عن الصفقات والمصالح. لا تحمل شعبوية سعيّد أي خطاب واضح، أو أي مشروع. عدوّ سعيّد السياسة التي يريد إيقاف عجلتها، ليستبدلها بنظام آخر لا تبدو معالمه واضحةً حتى لسعيّد نفسه.

على خلاف شعبويي زمنه، يتمتع سعيّد بحظوة لم ينعم بها أي ممن يتماثل بهم، وهي رضا شرائح كبيرة من النخب التونسية، التي يبدو أنها عازمة على تسهيل مهمته، ومدّ سلطته إلى مساحات إضافية، بحجة الخوف من الإسلاميين، أو الرغبة في محاربة الفساد.

شعبوية سعيّد لا تشبه في شيء الخطاب العقلاني الهادئ، والقدرة على تقريب المسافات بين الخصوم، الذي ميّز عملية الانتقال الديموقراطي في البلاد، وهي التي نعمت بالحصيلة الأكثر إيجابية لربيع عربي متعثر. قد تكون شعبوية سعيّد مجرد إخراج كان لا بد منه، لضيق المواطن التونسي من سياسات توافقية تحولت إلى نفاق، وتقاسم مكاسب، من دون سياسات ناجعة، ومن دون أن تنعكس ثقافة توافق شعبية حقيقية.

جاء انقضاض سعيّد على السلطة، وكأنه الفصل الأخير في مسرحية من الانهيار أوقفتها عصا الأستاذ، ليقول للتلاميذ المشاغبين: انتظموا في الصف.

جاء انقضاض سعيّد على السلطة، وكأنه الفصل الأخير في مسرحية من الانهيار أوقفتها عصا الأستاذ، ليقول للتلاميذ المشاغبين: انتظموا في الصف. ولنجاح هـذه العملية، كان لا بد من تبسيط يتعارض مع تعقيد اللعبة السياسية في الأنظمة الديموقراطية: عدوّ واضح وأوحد؛ الإسلاميون الذين في منطق الرئيس وأنصاره، عاثوا في البلاد فساداً، وهددوا هويتها الوطنية. وهو تبسيط لا بد منه لرص الصفوف خلف الرئيس الأب المصلح، ولو أن الواقع السياسي التونسي أكثر تعقيداً بكثير، وشبكات الفساد عابرة للتشكيلات الحزبية والحكومات التي تولّى بعضها "علمانيو" الساسة، في توافق مع حزب النهضة الإسلامي، أو من دونه.

هكذا انتقلت البلاد من تعقيد السياسة ومشكلاتها، إلى بساطة نظام رئاسي يتمثل في شخص الرئيس الأب. يقفل الأخير باب البرلمان، الذي في عُرف أنصاره بات يحوي ما هب ودب، من دون خريطة طريق للعودة إلى حياة برلمانية ما، ويعيّن حكومة تكنوقراط من الموالين له تقودها سيدة، في عودة إلى سياسات ما قبل الثورة، في الاستعانة بالعنصر النسائي لتلميع صورة الحكم، ويعرقل عجلة مؤسسات السياسة باعتبارها جالبة لكل المشكلات، ويعلّق العمل بالدستور الذي عُدّ الإنجاز الأبرز للثورة التونسية، والدستور الأكثر تقدمية في العالم العربي، ليبتكر نسخةً جديدة يقول إنه سيعرضها على استفتاء شعبي. إنها عملية تقزيم لمشهد سياسي كان الأكثر حيوية في العالم العربي.

لا يمكن إنكار ضيق صدر التونسيين من خروج السياسة عن مآلها في خدمة الناس، وفشل الديمقراطية الناشئة في تأمين الوعود التي قدّمتها بحياة أفضل لأبنائها، وهي مسألة لم يقدّم لها سعيّد حتى الآن، حلاً، أو بوادر خطة للحل. لا يمكن أيضاً أن ننكر تأثير التدهور المتواصل للمرافق الحياتية، والخدمات الأساسية، وضيق فرص العمل، على تقييم التونسيين لتجربة الديمقراطية، ونتاجها العملي في تحسين حيواتهم. من الصعب أيضاً تخيّل عودة إلى عهد القمع الكامل للكلمة، كما كان الحال في ديكتاتورية بن علي، أو نشوء ديكتاتورية عسكرية قبيحة على صورة نظام السيسي في مصر. إلا أن مؤيدي سعيّد ليسوا بالضرورة ممن يعانون من نتائج الانتقال السياسي، كما أنهم ليسوا بالضرورة ممن لم يستفيدوا من عملية تقاسم قطعة الجبن بين النخب.

الطريق إلى الديكتاتورية في عالمنا العربي، ليس محفوفاً بالمخاطر. والديموقراطية المكروهة تموت وحيدةً في ظلام اللا مبالاة، عندما تفقد من يدافع عنها

التطورات الأخيرة توحي أن خطر العودة إلى الماضي، ليس بعيداً، بالقدر الذي يروّج له أنصار الرئيس؛ توقيف معلق تلفزيوني لتلاوة قصيدة، واعتداءات على صحافيين، ومحاكمات لمدنيين أمام القضاء العسكري، وأحكام بالمنع من مغادرة البلاد، وسحب جواز السفر الدبلوماسي للرئيس السابق منصف المرزوقي، وعودة إلى خطاب التخوين، والتهديد بالخيانة العظمى، وغيرها من أسلحة الديكتاتورية الباهتة، وتصاعد العنف البوليسي…

الطريق إلى الديكتاتورية في عالمنا العربي، ليس محفوفاً بالمخاطر. والديموقراطية المكروهة تموت وحيدةً في ظلام اللا مبالاة، عندما تفقد من يدافع عنها. حتى حينه، قدّم المشهد التونسي هدوءاً غريباً ومخيفاً، وهو ليس هدوء ما قبل العاصفة، بل هو هدوء العازم على الاستكانة على أمل تغيير ما يحمله زعيم شعبوي يقدّم وصفة لحل سحري، على الرغم من الأصوات المعترضة التي لا تزال ضعيفةً، على أهميتها. إن طال الصمت في انتظار الحل السحري للرئيس المنقذ، قد تصل هراوة الأمن قبل الفرج، ولو أن شعبوية الرئيس لن تنضب من الوعود البراقة، ولا ممن هو عازم على تصديقها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard